الفياغرا

تنطوي لفظة المخدّر عند معظم الناس على لبس عزّ نظيره. ذلك أنّها إذ تشير في اعتقادهم إلى سلسلة من الموادّ المعروفة كالحشيش، القنّب الهنديّ الكوكايين والكحول …الخ فهي لا تشمل باقي مواد العلاج الكيميائيّ التي يدمن عليها الكلّ دونما حرج ولا مساءلة كالأسبرين والباراسيتامول والبنسلين… والحال أنّ الناس على هذا النحو، إنما يتخدّرون دونما وعي منهم، سيما وأنّ الفرق ما بين موادّ المجموعة الأولى المهلوسة ومواد المجموعة الثانية الطبية إنما يعود بالأساس إلى طريقة الاستعمال ودرجة المناولة.

فتناول كمية قليلة من الكوكايين أقلّ خطورة من تناول مفرط لـ الـ Prozac كما أنّ الاضطرابات التي يسبّبها تدخين القنّب الهنديّ أقلّ درجة من تلك الناتجة عن تناول مفرط للمضادّات الحيوية، الأمر إذن كما أسلفنا، لا يتعلق إلا بطريقة الاستعمال وكذلك المرامي المتوخّاة من تعاطي هذه المادة أو تلك. فهما وحدهما الفاصل في تصنيف هذه المواد إلى مُضرّة و نافعة، شرّ وخير. ذلك أنّ الفرق واضح بين ما يستعمل منها خدمة لغريزة الموت وما يستعمل منها من أجل الرفع من إمكانات الوجود، بين ما يخلق منها السعادة والمتعة وما يولد التعاسة والشقاء. فبقدر ما تعني السعادة قوة الوجود، الصحة الجيدة، الجسدية والنفسية وقوة النفس أي باختصار ازدياد القوة، بقدر ما تعني التعاسة خور القوى والمرض والضعف أي الارتكاس. من ثمة ليس علينا غير الانتقاء الجيد كما الهضم الجيد على حدّ توكيد نيتشه، علينا انتقاء نظامنا الغذائيّ وكل ما نستهلكه حتى نغدو أقوياء أكثر مما كنّا وننتقل بأنفسنا من كمال أقلّ إلى كمال أعظم. كذلك الشأن في الحبّ مثلا إذ لا نعشق امرأة لمضاجعتها فحسب بل نعشقها رميا إلى البلوغ بالذات إلى مدارج القوة. وقد يتحقق ذلك فيزداد حبنا لها كما قد لا يتأتى فنحبط ونعود القهقرى.

لا عجب إذن، أن يطال الالتباس واللبس كل ما يسوّق عندنا من منتوجات بحيث ما أن نعجز عن تحديد منافعها وإدراك كيفية توظيفها حتى نسرع إلى استصدار الأحكام في حقّها مدرجينها توّا، ضمن لائحة المخدرات فتغدو منذئذ منتوجا بعيد المنال، أي محرّما لا ينبغي تناوله أو النيل والاستفادة من مزاياه مهما كانت كثيرة ونافعة. ينطبق هذا مثلا على ما يدعى اليوم بالفياغرا. فالأغلبية الساحقة لا تعرف أدنى شيء أو تكاد تجهل كلّ شيء بخصوص هذه المادة حديثة الصنع والابتكار في المجال الصيدليّ. ورغم ذلك فهي ما ينزع إلى الانخراط في الحملة التضليلية والتحريفية التي تقودها قوى الارتكاس ضدّ عبقرية العلم، بنية الإبقاء على مادة الفياغرا في سلة المهملات، نظرا لما تنطوي عليه من محاسن تفيد الجسد وتخلصه من أسر الخطيئة التيولوجية، وشأن الفياغرا هنا شأن حبوب منع الحمل بل وابتكار تقنية الإجهاض.

إذ المعهود في زمن الكيتش الأخلاقي أنّ كل ما يحرّر الجسد ويرفع من شأنه منبوذ على نحو قبْلي ولا يستحق غير النبذ بحسب التيولوجيا. ذلك أن اكتشاف حبوب منع الحمل مثلا واكبته حملة دينية متزمتة باءت بالفشل لحسن حظ البشرية، كانت غايتها الحيلولة دون تعاطي النساء لهذه الحبوب بدعوى أنها محرمة جراء معارضتها لمشيئة الله في الخلق والتناسل. إن الله كمقولة سرعان ما يجد نفسه هنا مقحما في الصراع مع الإنسان مما يفترض بحسب فقهاء الدين والأوصياء عليه، على الإنسان الامتثال لسلطان الخالق وعدم كسر شوكته وعصيانه. يبدو مرة أخرى الخلق والإبداع العلميين، كفرا وإلحادا، ويتجلى الله بحسب هذا التحديد الفقهي، معارضا للخلق والتطور في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه مساندا ومؤيدا. لكن نظير هذا التصور كما أسلفت سرعان ما انتهى إلى الفشل جراء حتمية المنطق العلمي بل ولأن الإنسان وجد في حبوب منع الحمل ما يحرره في وجوده من أسر الخطيئة ويمنح جسده فسحة إضافية للحياة أقوى، بحيث يغدوا بتعبير عبد العزيز بومسهولي علة تأسيسية أي إرادة مستقلة بذاتها لها القدرة على السموّ والتحرر من منطق التناسل. فمع اكتشاف حبوب منع الحمل استطاع الإنسان لأول مرة في التاريخ أن يتحرر من سلطة وقدر الإنجاب كما غدا حرا في اختيار اللحظة المناسبة لذلك أو الامتناع عنه كليا وبالمرة. فهذا الجسد الذي طالما همش وبخس بدعوى أنه ليس منذورا في رأي التيولوجيين إلا للتناسل وإكثار السواد الأعظم هو ما أضحى مع اكتشاف العلم لحبوب منع الحمل، حرا ومنفصلا عما كان مقدرا له دينيا إذ بوسعه أن يستمتع ويستلذ دونما الوقوع في مأزق التناسل. هكذا غدا التعارض ما بين المتعة والإنجاب واضحا وتشكلت الهوة ما بين الطرفين بفضل المنطق العلمي الذي جعل الإنسان سيد نفسه بعدما كان عبدها. يصدق كلما أتينا على ذكره كذلك على الكيس الواقي Le préservatif بل وكذا تقنيات الإجهاض. لكن ماذا عن الفياغرا موضوع حديثنا؟ هل هي دواء من الكماليات أم أنها دواء علاجي؟ هل هي مادة مهلوسة أم أقراص شيطانية؟ الحق أن اختراع الفياغرا إن كان يدل على شيء فإنما يدل على أن الإنسان دخل لأول مرة في التاريخ طورا جنسيا جديدا لم يعد فيه مجال لمرض العصاب الأخلاقي التيولوجي الذي بموجبه تنهزم الأنا وتندحر الرغبة يائسة محبطة، فإذا كانت ماهية الإنسان تتجلّى أوّل ما تتجلّى في إشباع رغبات الأنا والميل الدائم نحو تحقيقها بهدف بلوغ قمة النشوة فالفياغرا كاكتشاف جديد هي ما يُيَسّر على الإنسان اليوم كل ذلك دونما تشنجات ولا مشاكل نفسية سيما إذا أحسن – وهذا هو المهم – التعاطي وهذه المادة باعتدال أي دونما تفريط ولا إفراط. بدهي إذن أن الذي سيتناول هذا الدواء من أجل الحصول على انتصاب عضوه الجنسي هو من يعاني بالضبط من ضغوطات ليبيدوية لم تجد طريقها للتحرر والإفراغ أي أنه من يعاني من نكوص ليبيدوي.

وعليه نستوعب أن لا أحد سيتعاطى الفياغرا دونما أن يكون بالفعل في حاجة ماسة إليها. وإلا فمن ذا الذي يجرؤ على تناول أقراص الأسبرين مثلا دون أن يحس فعلا بآلام في الرأس؟ فالفياغرا بالمثل هي ما يعيد لشخص منهك القوى على المستوى الفيزيولوجيّ، قدراته الجسدية الكفيلة بجعله قادرا على إتيان رغبته الجنسية وبلوغ لحظة الأورجازم. فهي ليست إذن دواءا يولد الرغبة قدر ما هي دواء يمنح متناوله القدرة على تحويل الرغبة الكامنة فيه إلى متعة. وعلى نحو ما هي الرغبة في ارتباط تام باللبيدو على نحو ما هي الفياغرا في ارتباط وطيد بشحد الجسد ميكانيكيا حتى يستطيع تجاوز عجز الانتصاب ويبلغ من ثمة متعته. فمشكلة متعاطي الفياغرا تكمن إذن في كونه من يعيش نوعا من التناقض والاضطراب النفسي بحيث قدر ما هو راغب في إتيان متعته الجنسية قدر ما هو جسده عاجز عن ذلك. إنه من يحيى خللا نفسيا أو انفصاما إن صحّ القول، ما بين الرغبة القائمة الذات والمتعة المؤجلة على الدوام. لذلك فمن حسنات الفياغرا كونها ولئن كانت لا تخلق الرغبة ولا تزيد في شيء من قدرها فهي ما يعيد للجسد حيويته الروحية بحيث تحرره من الوهن والفتور حد البلوغ به حالة الإنتعاظ. هنا تتجلى عبقرية عصرنا التقني الذي ما انفك يثبت بأن للجسد قدرات حدوث لا متناهية ينبغي بناؤها إعلاء لغريزة الحياة ضد كل ما يحط من قدرها دفاعا عن الصحة لا المرض وانتصارا للغنى لا الفقر كما للسعادة لا الشقاء. فما الذي تبقى بعد هذا كله للترهات التيولوجية في عصر تديره التقنية؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This