رانيا وخالتها والشيخ المفتي

ليس عنوان هذا التعليق عنوانا لأحد مسلسلات رمضان الجديدة ولكنّه عنوان لمسلسل مازلنا نشاهده ضاحكين مرّة باكين مرّات على شاشة الواقع العربي الإسلامي البائس. فقد أوردت الصحف أنّ الشرطة العراقيّة تبحث عن امرأة اسمها وجدان سلمان الخزرجي من محافظة ديالى اختصّت في تجنيد الانتحاريّات وتدريبهنّ على استعمال الحزام الناسف وهي لعلمك، إن كنت لا تعلم، خالة رانيا الانتحاريّة الشابة (15 عاما) التي ألقي عليها القبض في بعقوبة منذ مدّة وهي تحمل 20 كيلوغراما من المتفجّرات تستعدّ لتفجيرها في حشد من قوّات الشرطة بأحد الأسواق.

ورانيا على ما تقول الأخبار فتاة متزوّجة على صغر سنّها من فحل من فحول القاعدة متّهم بقتل ما يناهز الأربعين كافرا على طريقة النحر الإسلامي الحلال بأسلوب المنعّم في جنّات الخلد الشيخ شهيد الأمّة الأبرّ الزرقاوي. وقد صرّحت للمحققين، صادقة أو متملّصة من المسؤوليّة، أنّ الزوج الفحل المجاهد في سبيله تعالى أبلغها، من فرط حبّه لها ولا شكّ، بأنّ ” الشهادة شيء صحيح ” وأغراها “بأنّ الجنّة بستان جميل فيه ورود ونهران أحدهما مياه والآخر عسل وفيه حور عين ” (طبعا لزوجها وليس لها هي؟). إلاّ أنّ أحد المحقّقين أكّد أنّ لرانيا، نعم رانيا بنت الخمسة عشر عاما، ” أفكارا متطرّفة ” (كذا). وهل يُردّ رأي خبير في أساليب استنباط الحقائق من أفواه المجرمين وغير المجرمين بطريقة ديمقراطيّة جدّا خصوصا في هذا العهد السعيد الزاهر الذي يتعاون فيه العراقيّون المخلصون مع الأصدقاء الأمريكيين لنشر حقوق الإنسان و…الحيوان أيضا؟

ولكن يبدو أنّ العائلة كلّها إرهابيّة رضعت الإرهاب من الحليب الذي كان يستورده الدكتاتور الشهيد صدّام حسين من هولندة أو غيرها أيّام الحصار في التسعينات. فقد سبقها الوالد والشقيق في تفجير نفسيهما بحثا عن عسل الجنّة وقبولا بأوامر أحد أمراء القاعدة المجاهدين في سبيله تعالى. إنّها عائلة نذرت نفسها، يا للعنة، للانفجار والتفجيرات مخافة أن يصبح العراق ديمقراطيّا.

وما كان لهذا الخبر أن يصبح محلّ تعليق عندي لولا ما نقلته، بالتزامن، صحيفة ” المدينة ” السعوديّة عن المفتي العام للمملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ من تحذير للشباب السعودي من التنقل خارج المملكة إلى بؤر “الصراعات والفتن” باسم الجهاد في سبيل الله حتّى لا يقع استغلالهم والمتاجرة بهم. وهذه الصراعات حسب فضيلة المفتي “صراعات حزبيّة وصراعات عالميّة”.

وقد هاجم فضيلته المفتين على الفضائيّات واتهمهم بالجهل محمّلا إيّاهم وزر أخطاء الشباب الذي يضحّي بحياته باسم الجهاد. وتوجّه الشيخ الجليل العالم العلاّمة الفهّامة وحيد العصر السعودي الزاهر ومفتي المسلمين من جاكرتا إلى مراكش بنصيحة قيّمة تكتب بماء الذهب في مداخل المدن الإسلامية جميعا مفادها أن يلمّ طالب الجهاد بحقيقة الوضع وأن يعرف الرّاية التي يقاتل تحتها وأن يفهم اختلاف هذه الأحزاب والطوائف.

ولئن كان صريح نصّه واضحا فإن مقتضاه كما يقول الأصوليّون أوضح على ما فيه من خفاء. فشيخنا المفتي لا يضع الجهاد في حدّ ذاته موضع تساؤل ولا ينكر فضل الجهاد ولا يحطّ من قدره بل يدعو فحسب إلى التثبّت من الراية التي يُستظلّ بها والجهة الداعية والهدف المرسوم. فلا فُضّ فوه لرجاحة عقله و قوّة حجّته و تبريزه في الاجتهاد.

ولكنّني أسأل شيخنا الألمعي، وبراءة الأطفال في عينيّ، عن رأيه في مسألة رانيا وأبيها وأخيها وخالتها وزوجها وهم من العراقيين الذين ذهب في وهمهم أنّهم يحاربون بما أوتوا من أجساد قابلة للانفجار السيّد الأمريكي وعبيده من حكّام بلاد الرافدين. وهل ستجد الصبيّة (عفوا السيدة) رانيا التي أطاعت زوجها وتصرّفت بحسب أفكارها المتطرّفة بشهادة ضابط الشرطة المحقّق أنهار العسل والحور العين أم أنّ مصيرها بحكم معرفة، سيّدنا المفتي أدام اللّه عزّه، بإشارات المرور على الصراط ( أو الزراط وهي لغة أخرى) المستقيم جهنّم خالدة فيها؟ وهل للفتوى التي أصدرها مفعول رجعيّ على من أرسلته بعض البلدان الإسلاميّة إلى أفغانستان لمقاومة الروس الملحدين والعياذ باللّه أم أنّ فتواه مقصورة على بلدان مثل العراق؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This