عن السيدة العالقة في أرض حماسستان
قد ينطبق على إحدى البريطانيات في غزّة هذه الأيام المثل العربي القائل “على نفسها جنت براقش”، ولكن ينطبق على غيرها بالتّأكيد المثل السائر” إذا لم تستح فافعل ما شئت “.
وبراقش في قضية الحال سيدة بريطانيّة اسمها ” لورن روث ” وهي، لمن لم يسمع بها رغم تداول اسمها في الصحف والمواقع المختلفة، شقيقة السيّدة بلير زوجة رئيس الوزراء البريطاني سابقا وموفد اللجنة الرباعيّة الدوليّة إلى الشرق الأوسط حاليا. أمّا جنايتها فهي كما ورد في الحيثيات أنّها دخلت إلى قطاع غزّة، أرض حماس التي طهّرتها من جرذان فتح ودحلان على ما في الصور المتحرّكة الدعائيّة التي أعدّها تلفزيون حماس بعد معركة ” التحرير”، بطريقة غير رسميّة. وللتذكير، مادامت الذكرى تنفع دائما المؤمنين وغير المؤمنين أيضا، فإنّ السيدة” براقش روث” قد تسرّبت إلى غزّة المحاصرة في 23 أوت/ أغسطس المنقضي بمناسبة وصول السفينتين اللّتين أبحرتا من قبرص وأرستا في غزّة لكسر الحصار المضروب عليها ولو رمزيّا.
والقاعدة القانونيّة المستعملة، في ما يبدو، هي التالية: من دخل القطاع من بوّابة غير رسميّة لا يغادره بطريقة رسميّة! وقد طبّقتها طبعا وبداهة دولة إسرائيل وواحة الديمقراطيّة وحقوق الإنسان بعد أن امتنعت عن السماح لبراقشنا بالمغادرة عبر معبر إيريز الشهير وهو ما قد يؤوّل على أنّه من باب التشفّي الرمزيّ من سيّدة ساهمت في الكسر الرمزيّ للحصار، وطبّقت تلك القاعدة القانونيّة المنطقيّة دولة مصر العربيّة مرّتين بحقّ السيدة “روث” لأسباب لا نريد الخوض فيها لأنّنا لا نرغب في الحديث عن كرة القدم ولا الكرة الطائرة ولا حتّى التزحلق على الجليد.
ورغم هذا فأنا على ثقة من أنّ السيدة ” روث ” ستغادر يوما مّا، ربّما بمناسبة صفقة الجندي شاليط !، قطاع غزّة بعد أن عاينت معنى الحصار ورأت مآسيه على الأطفال والنساء والشيوخ والكهول أيضا فتأكّدت بأنّه، شأنه شأن أيّ حصار ناجع صارم، لا يؤثّر، بأيّ وجه من الوجوه، في قيادة حماسستان وعلى رأسها فتى تلفزيون الأقصى الجميل إسماعيل هنيّة! فوحدهم المواطنون العاديّون واقعون بين سندان السلطة الفاشستيّة في حماسستان ومطرقة النازيّة الجديدة المسمّاة دولة إسرائيل. وحدهم هؤلاء المواطنون البسطاء من أتباع حماس ومن معارضيها يكرّرون قول محمود درويش في ذاك المعتقل الذي لا يتجاوز 40كلم على 10 كلم: ” هنا باقون / هنا خالدون/ ولنا في الحياة مهمّة واحدة / أن نكون”…رغم الحصار ورغم حماس.
والغريب الذي أصبح في بلاد العرب مألوفا أنّ هذه الحركة الرمزيّة بعمقها الإنسانيّ النبيل السخيّ وأفقها الأخلاقيّ الصادق المتين جاءت مرّة أخرى من الأبعدين في الجغرافيا و الدم تأكيدا على قول الشاعر الجاهليّ “..وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة “، والأعجب من ذلك أنّ هذا الظلم يتّخذ في أحايين كثيرة صورة التشفّي والشماتة لدى الكثيرين من الذين يخالفون صادقين مخلصين التطرّف والأصوليّة الإسلاميّة وحماس تحديدا ناسين أو متناسين في الآن نفسه أبسط حقوق الإنسان كلّما تعلّق الأمر بالخصوم السياسيين والإيديولوجيين حتى لكأنّ العدوّ السياسي والإيديولوجيّ غير جدير، بمقتضى إنسانيّته، بالحياة وغير مرشّح، بموجب كونه ذاتا بشريّة، للاحترام.
إنّها باختصار ثقافة دمويّة استئصاليّة تسرّبت إلى الجميع من النواة الصلبة للتفكير القبليّ البدائي المتوحّش بغير المعاني الأنتروبولوجيّة أي حين كنّا قطيعا حيوانيّا، رحم الله داروين ومن اتبع ملّته من الداروينيين الجدد، بقدر ما تسرّب من المنطق الديني الاختزاليّ المغلق المانويّ.
مرّة أخرى، للأسف، يأتينا الدرس جميعا بأصوليّينا وعلمانيّينا بفاشستيّينا وديمقراطيّينا من خارج نمط تفكيرنا الجمعيّ الساذج، لنتعلّم إن أحسنّا السمع والفهم، كيف نكون في رؤيتنا للإنسان، صديقا صدوقا أو عدوّا رجيما، مستندين إلى أساس أخلاقي مكين متين لا تزعزعه تقلّبات الإيديولوجيّة وحقارة السياسة. فمن لا يقدر على تغيير شيء من هذا الحصار الخانق بيده فبلسانه وإن لم يكن فبقلبه وذاك أضعف ما به نختبر صدق إيماننا بحقوق الإنسان باعتبارها واحدة موحّدة لا تتجزّأ ولا تباع بالتفصيل بحسب الهوّيات السياسية والإيديولوجيّة والعرقيّة والدينيّة بما في ذلك في ” أرض حماسستان ” العابرة في تفصيل تاريخيّ عابر لو ندري!
وهنا محلّ الشاهد الثاني في رأس النصّ مع تعديل طفيف اقتضاه السياق: ” إذا لم تستح فاعتقد وافعل ما شئت “.
