سعادة المفرد، أو في طرافة القول الإيتيقي الباجوي 1/2
ونحن إنما نريد هنا أن نبحث في نوع المسألة التي انشغل بها ابن باجة وفي أوجه الجدّة والطرافة التي تسم مقاربته لها. في “تدبير المتوحّد” وبعد أن يعدّد أصناف التدبير الذي يعرَفه على أنه “ترتيب أفعال نحو غاية مقصودة” (ص37)، يشير ابن باجة إلى أنّ المعنى الأصليّ للتدبير هو التدبير المدنيّ الذي تختصّ بالنظر فيه الفلسفة المدنية. لكنه يعلن امتناعه عن النظر فيه اعتبارا لكون أفلاطون قد استوفى القول فيه وأحكمه. وعليه يتحدّد خطاب ابن باجة على أنه قول في “النابت المفرد” (ص43)، “وهو كيف ينال السعادة إذا لم تكن موجودة” (نفس المصدر). ويتّخذ هذا الخطاب طابعا “علاجيا” اعتبارا لكون الإنسان الفاضل الذي وجد في مدينة فاسدة “قد لحقه أمر خارج عن الطبع” (نفسه) لأنّ وجود المدينة الفاسدة نفسه أمر خارج عن الطبع.
المطلوب إذن، مطلوب ابن باجة طبعا، هو تسطير المنهاج الذي ينبغي على”النابت” أو “المتوحّد” السير عليه حتى “ينال السعادة الذاتية به” (نفسه، ص47) أي حتّى يحمي نفسه من الفساد المستشري في واقعه. لكنّ هذا المبحث يطرح إشكالا خطيرا لا يجعله جديدا فقط بالنسبة لما ألَّف في مجال الأخلاق بل كذلك خطابا معضليا يقوم على مفارقة فريدة من نوعها: فمن ناحية يعي ابن باجة جيّدا أنّ موضوعا ما لا يكون علميا إلا إذا ما اتسم بالكلية والضرورة (حسب التحديد الأرسطي)، ومن ناحية ثانية يقدم على تناول موضوع تعوزه هاتان الخاصيتان، فالمدينة الفاضلة تمثل الشرط “الأنطولوجي” لسعادة الفرد والشرط “الابستيمولوجي” لعلمية الخطاب المتعلَق به. وهذا الشرط، حسب ما يوحي به قول ابن باجة، ليس غائبا بل هو ممتنع أصلا انطلاقا من الفساد الذي استفحل في مدن زمانه.
هذه المعضلة التي يمكن أن نتبين من خلال تعميقها وجود نوع من النزعة الإنسانية لدى ابن باجة تمثل في تقديرنا مظهر الجدة الأساسيّ في تعامله مع المسألة الأخلاقية حيث
1 – “الوضع الإنساني”
يلحّ ابن باجة في مواضع عدة من رسائله الإلهية لا سيما في “تدبير المتوحّد”على أن موضوع اهتمامه الأساسيّ، بل الأوحد، هو الإنسان. “وقصدنا فيما نحن في الأمور التي تنسب إلى الإنسان” (ص71). وفي “رسالة الوداع” التي أرادها خلاصة لتأملاته الفلسفية يعلن أن غرضه هو بيان “صفة الغاية التي ينتهي الطبع بالسلوك إليها” (ص114). ويمثل الوقوف على هذه الغاية تبيَنا للشروط التي بها تتحقق للإنسان السعادة، أي يتحقق له بها السمو بذاته إلى أرفع المراتب التي تؤهله لإدراكها طبيعته.
1. 1- منزلة الإنسان في الوجود
إضافة إلى هذين المكونين، يتركب الإنسان من نفس بهيمية ومن نفس ناطقة. غير أن التمييز بين الأفعال “البهيمية” والأفعال “الإنسانية” لا يتم بذات اليسر الذي نميز به البهيميّ والإنسانيّ من جهة وبين الاسطقسي والنباتي من جهة ثانية، ذلك أنّ الإنسان والبهيمة يدخلان معا ضمن مفهوم عام هو الإدراك الذي تقابله الطبيعة التي يدخل ضمنها المكونان الأولان.
يشترك الإنسان مع الحيوان في الوظائف الإدراكية الحسية والتخيلية والأفعال المرتبطة بهذه الوظائف مثل الخوف والغضب والتجنب وكلها أفعال اضطرارية لكن فيها درجة معينة من الاختيار لأنها “من تلقائنا” أما ما يختص به الإنسان دونا عن سائر الموجودات الأخرى فهو “القوة الفكرية” التي تكون الأفعال الصادرة عنها اختيارية محضة “وكل ما يوجد للإنسان بالطبع ويختصّ به من الأفعال فهي باختيار وكلّ فعل يوجد للإنسان باختيار فلا يوجد لغيره من الأجسام” (ص46). هناك إذن معادلة منطقية بين قولنا عن فعل ما أنه باختيار وبين وصفنا إياه بأنه إنسانيّ وبين نسبته إلى القوة الفكرية في الإنسان.
1. 2- في الغاية الإنسانية القصوى
