11 سبتمبر بعد سبع سنوات : أيّ أسئلة وأيّ موقع نقديّ؟(5) التّوظيف السّياسيّ للعنف الدّينيّ والضّبط الاجتماعيّ تعريب وتقديم: محمد الحاج سالم
نشر هذا المقال باللغة الفرنسيّة في صحيفة “الواجب” (Le Devoir) الصّادرة في مونريال في عددها ليوم 15 أوت 2005، وهو بقلم كلّ من عالمي الاجتماع “مارتن جيوفروا” (Martin Geoffroy) و”جون غي فيلونكور” (Jean-Guy Vaillancourt) والباحثة في القانون “إليزابيت كامبوس” (ةlisabeth Campos) وجميعهم من جامعة مونريال في الكندا. والمقال في الأصل مقتطفات من تقديم العدد 31 من فصليّة (Religiologiques) ربيع سنة 2005 (صص 7-14) ومحوره “الدّين والعنف والضّبط الاجتماعيّ”. وقد عدنا إلى النصّ الأصليّ للتّقديم وحاولنا إغناء المقال ببعض ما ورد في التّقديم بما جعله أكثر دسامة، ونحن نقدّمه للقارئ العربيّ في ثوب جديد معدّل دون الخروج عن ضوابط التّرجمة بغرض الوقوف على وجهة نظر غربيّة نقديّة بشأن مسألة الإرهاب المتفاقمة في عالمنا المعاصر وخاصّة في بعدها المرتبط بالأصوليّة الدّينيّة المنتشرة يوما بعد آخر في أوساط المتديّنين في المجتمعات الغربيّة بدافع حماية المصالح وإحكام الهيمنة على الشّعوب الأخرى ونهب خيراتها، وهو ما يغذّي على الجانب المقابل ردود فعل إرهابيّة أيضا تتّخذ في الغالب طابع الدّفاع عن الذّات والوجود والهويّة على ما يطرح أصحاب هذا المقال. وقد خيّرنا ترجمة مصطلح (Islamisme) بلفظ “الإسلامويّة” والنّسبة إليها (Islamiste) بلفظ “إسلامويّ” تمييزا لهما عن “الإسلام” والنّسبة إليه “إسلاميّ”.
{{نـصّ الـمقـال:}}
طفا موضوع العنف والضّبط الاجتماعيّ في الحركات الدّينيّة على سطح السّاحة العالميّة في السّنوات الأخيرة على إثر تعدّد أعمال العنف أو العمليّات الإرهابيّة التي باشرها أتباع جماعات أو شبكات دينيّة متطرّفة. ومن أمثلة ذلك الانتحار الجماعيّ لأتباع نحلة “معبد الشّعب” (Temple du peuple) التي يقودها المبشّر جيم جونس (Jim Jones) بمدينة جونستاون سنة 1978، والانتحار الجماعيّ لأعضاء من نحلة معبد الشّمس (l’Ordre du Temple solaire) بقيادة جو دي ممبرو (Joe Di Mambro) ولوك جوري (Luc Jouret) بين سنتي 1994 و1997، والسّفر الغريب إلى كوكب الشّعرى الذي نظّمته نحلة “بوّابة النّعيم” (Heaven’s Gate) الكاليفورنيّة سنة 1997، والمواجهة العنيفة سنة 1993 بين نحلة “الدّاووديّين” (Davidiens) وقوّات الأمن في مدينة واكو (Waco) في ولاية تكساس الأمريكيّة، واعتداء أوكلاهوما سيتي سنة 1995 المبرّر بالاعتقادات الأصوليّة لـ”الميليشيات البيضاء المسيحيّة” في الولايات المتّحدة الدّاعية عموما لتفوّق الجنس الأبيض والعودة إلى التّقاليد التّوراتيّة، والهجوم الذي نفّذه أتباع نحلة “أوم” (Aum) اليابانيّة في مترو طوكيو سنة 1995 […].
لقد أدّت هذه الأحداث التي أطنبت وسائل الإعلام في تناولها إلى طرح جملة من التّساؤلات غدت أكثر إلحاحا بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001 التي نفّذها انتحاريّون إسلامويّون راديكاليّون. فمنذ هذا التّاريخ المشؤوم، غدا الارتباط بين العنف والدّين حتميّا في وسائل الإعلام وفي ذهن الجمهور العريض. ومع اعتداءات لندن يوم 7 جويلية 2005، ازدادت الهواجس الجماعيّة، وغدت الظّواهر الدّينيّة موضوع بحث وبؤرة اهتمام وسائل الإعلام، كما استرعت انتباه الأكاديميّين وبعض منظّمات المجتمع والدّولة، وبالطّبع أجهزة الشّرطة والاستخبارات.
وكان من شأن الأحداث الجديدة في الشّرق الأوسط وأوروبّا توليد تساؤلات جديدة، خاصّة وأنّ التّقليد يقتضي أن يكون الدّين عاملا قويّا للضّبط الاجتماعيّ المسلّط على الأفراد لمنعهم من إيذاء الآخرين وأن يساهم تأثيره عادة في استبعاد أخطار العنف، لا التسبّب فيها والتّشجيع عليها.
{{التّـوظـيـف الـسّـيـاسـيّ:}}
لئن شهدت السّتينات دنيوة متصاعدة للمجتمع وتقدّما ملحوظا للحركات والتحرّكات المطلبيّة ذات الطّابع العلمانيّ مقابل تراجع مذهل للكنائس التّقليديّة الكبرى، فإنّه يبدو أنّنا نشهد حاليّا تناميا للعامل الدّينيّ في عدد من النّزاعات، وهي ظاهرة يمكن تفسيرها عموما بالتغيّرات الظّرفيّة والبنيويّة المسرّعة لهذه الحركة.
إنّ عدم استقرار المجتمعات الملزمة بضرورة التغيّر واعتماد الأخلاقيّة الفردانيّة في عالم متعولم يوما بعد آخر يدعو أيضا إلى محاولات إعادة تأكيد الهويّة الدّينيّة خاصّة عند الشّباب الضّائع والحائر وكثير منهم من أبناء الجيل الثّاني للمهاجرين من العالم الثّالث في الغرب. ولئن حاولت بعض الحركات مقاومة انتشار الفردانيّة واللّيبراليّة الجديدة وعولمة الأسواق من خلال القيام بتحرّكات جماعيّة، فإنّ البعض الآخر اختار طريق التّقوقع على الذّات أو العودة إلى التّقاليد العتيقة، وهي ظواهر تنتشر اليوم في أكثر من بلد وتدعو إلى الاستنجاد بمفهوم الضّبط الاجتماعيّ سواء كان ذاك الممارس عادة من قبل مؤسّسات المجتمع على الأفراد أو ذاك الممارس على أتباع بعض الجماعات الدّينيّة من قبل زعمائها.
إلاّ أنّه يمكننا التّساؤل أيضا حول التّوظيف السّياسيّ للشّأن الدّينيّ لأهداف خاصّة. وهنا نكون أمام عكس لمسار العنف من الدّين إلى السّياسة بدل أن يكون من السّياسة إلى الدّين، ونكون أمام حرف للسلوكيّات والرّموز الدّينيّة عن معانيها الأولى. يوجد إذن تفاعل بين المجال السّياسيّ والمجالين الاجتماعيّ والدّينيّ علينا معاينته واقعيّا وتحليله نظريّا حتّى نلمس تعقّد الوضعيّات إذا ما أردنا أن نكون في مستوى التّأثير عليها […].
{{كـان ذلـك قـبـل ألـفـي سـنـة…}}
إنّ العنف بدافع دينيّ وخاصّة الإرهاب المرتبط بجماعات دينيّة ليس وليد الأمس. فقد عرف العالم متطرّفين وحتّى إرهابيّين دينيّين في العصر القديم كما في بداية عصرنا منذ ألفي سنة. هذا هو مثال اليهود “الزّيلوت”(1) (zélotes) قديما ثمّ فرقة “الحشّاشين” عند المسلمين فيما بعد، وصولا إلى جماعة “الثوغ”(2) thugs عند الهندوس المسؤولة عن مقتل أكثر من مليون إنسان بين القرنين السّابع عشر والتّاسع عشر.
وفي زمن قريب منّا، كان إرهاب الفوضويّين المتطرّفين الرّوس مع منعطف القرن العشرين، ثمّ إرهاب الثّوريّين الألمان (عصابة بادر ماينهوف) والطّليان (الألوية الحمراء) والأمريكيّين اللاّتين (الدّرب المضيء) في النّصف الثّاني من القرن العشرين، وهو إرهاب فاقد للمرجعيّات الدّينيّة لـ”مجانين الربّ” في العصور الوسطى.
إلاّ أنّ ما يميّز معظم الأصناف الجديدة من الإرهابيّين مع منعطف القرن الواحد والعشرين هو ذاك الخليط العجيب بين إيديولوجيا يمينيّة وراديكاليّة اجتماعيّة سياسيّة تدّعي التقدّميّة وتريد التلبّس بلبوسها، إلاّ أنّها تعمل في الحقيقة على العودة إلى زمن ذهبيّ أسطوريّ. ففي أغلب الحركات المتطرّفة دينيّا، يتمّ ارتكاب أعمال عنف ضدّ أعداء ينظر إليهم بحقّ على أنّهم معتدون، ويستخدم في ذلك وسائل تكنولوجيّة متطوّرة جدّا بعد أن تحاك المؤامرة بين صلاتين.
وغالبا ما يكون المباشرون لهذه الأنشطة من الشّباب الحاصل على تكوين علميّ أو تقنيّ، لكن دون خلفيّة ثقافيّة هامّة في مجالات الفنون والعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، بل وأقلّ من ذلك في مجال الدّراسات الدّينيّة. إنّهم مجرّد شبّان ومراهقين قلقين روحيّا ينقادون لرغبات بعض المرشدين الرّوحيّين الفاقدين تماما لوسائل الضّبط الاجتماعيّ.
وفي كتابه الأخير، يشير جيل كيبل (Gilles Kepel) – وهو محقّ في ذلك- إلى أنّنا نشهد حاليّا نتائج خيبة الإسلامويّة في التّسعينات في الانقلاب على السّلطة في مصر والبوسنة والعربيّة السّعوديّة والجزائر، وقد كانت ردّة الفعل على هذه الخيبة أن نشأ تيّار الجهاديّة العالميّة الممثّل بالخصوص في تنظيم القاعدة والقائم على أساس الاعتقاد بوجود أمّة للمؤمنين مقابل كفّار بقيّة العالم، لقد استبدل الجهاديّون العالميّون المبدأ الإقليميّ بخطاب عامّ شديد العداوة للغرب فيما واصلت التيّارات الإسلامويّة الوطنيّة ذات المشاغل المحليّة (لبنان وفلسطين والشّيشان ومصر) استغلال صيغة مقدّسة ودينيّة لمقولة الإقليم. وأمام عجزها عن تسلّم السّلطة، اتّجهت الحركات الإسلاميّة المعتدلة نحو التّحالف مع الحكومات القائمة عاملة على استقرار الأنظمة مقابل “أسلمة” الأخلاق والقوانين. وإذا ما كانت هذه التيّارات المختلفة متوافقة حول بعض الأهداف أوالاستراتيجيّات، فهي متعارضة بشأن التسلّم المباشر للسّلطة في البلدان المعنيّة. أمّا في البلدان الغربيّة، فقد حاولت بعض الحركات الدّينيّة فرض بعض قواعدها باستخدام بعض ما تتيحه الدّيمقراطيّة وجماعات الضّغط (طلب إنشاء محاكم إسلاميّة تحكم طبق الشّريعة في كندا مثلا)، وهو مسعى قريب ممّا تقوم به مختلف التيّارات الأصوليّة الأمريكيّة في استخدامها مختلف وسائل الضّغط الشّرعيّة لتحقيق بعض المكاسب أو تعديل القوانين القائمة بما يتوافق مع معتقداتها، وهو ما يشير كلّه إلى مدى قدرة التيّارات الدّينيّة الرّاديكاليّة في التّأقلم مع المجتمعات الحديثة المنخرطة في تيّار العولمة.
وبالتّوازي مع الهبّة الأصوليّة والإرهابيّة في صفوف الإسلامويّين الجهاديّين، أضحى الجمهوريّون واليمين الأمريكيّ عموما يرون في أمريكا -وهم في غمرة الانتشاء بإيديولوجيّتهم الإنجيليّة الجديدة- قدسا جديدة، ويحاولون الحفاظ على إمبراطوريّتهم بل وحتّى توسيع نفوذها في عالم متعولم يعجزون عن السّيطرة عليه، ناهيك عن فهمه.
الـدوّامـة
لقد انطلقت دوّامة العنف إذن دون قدرة على تبيّن محطّتها الأخيرة. فالمتطرّفون دينيّا الذين يهاجمون مدنيّين عزّلا يبرّرون ذلك بالثّأر لضحايا الاعتداءات الإسرائيليّة على الفلسطينيّين، وخاصّة مئات آلاف القتلى من المدنيّين العراقيّين والأفغان منذ 15 سنة بسبب الحروب والحصار والتّدمير من قبل الجيوش الأنغلو-أمريكيّة. فالثّأر يستدعي الثّأر، والدّم يستدعي الدّم.
لقد دمّر الجيش الأمريكيّ قبيل السّابع من جويلية 2005 بأيّام قرية أفغانيّة كاملة، وهو ما يؤكّد أنّ العنف الدّينيّ ليس حكرا على المسلمين. فالعنف لا يأتي دائما من الانتحاريّين الإسلامويّين اليائسين، بل يمكن أن يأتي أيضا من القوّات المسلّحة المنتدبة من قبل رؤساء دول ورؤساء وزارات منتخبين بطريقة ديموقراطيّة، فقد قتل 8.000 مسلم في البوسنة سنة 1995 على يد الصّرب المسيحيّين الأرثوذكس.
إنّ الحرب ضدّ الإرهاب خاسرة مسبقا إذا لم تعالج أصل المشكلة أي التّرابط بين الدّين والعنف والضّبط الاجتماعيّ. وإنّه من الصّعوبة بمكان أن يبقى الباحثون في هذه الظّواهر الجديدة على الحياد، ناهيك عن التحلّي بالموضوعيّة. ولذا، يجب علينا ولزمن طويل بذل أقصى جهد لاستكشاف ووصف وشرح تعدّد هذه السّلوكيّات، بل وكذلك العوامل الفرديّة والاجتماعيّة التي تحرّكها. وإنّه لعمل طويل ومُضْنٍ بسبب تعقّد وتعدّد الوضعيّات والأبعاد المؤثّرة في ذلك.
الهوامش:
[1] الزّيلوت: جماعة يهوديّة قوميّة لعبت دورا كبيرا في ثورة اليهود في فلسطين بين سنتي 66 و70 م.
[2] الثّوغ: عصابة منظّمة من قطّاع الطّرق روّعت الهند بين القرنين 13 و19 م، وكان أفرادها الذين يتوارثون أعمال النّهب يقتلون ضحاياهم خنقا ومن هنا تسميتهم أيضا “الخنّاقين”.
