رمضان الـ “كلّ شي لحالو” نموذج تفسخ الهويّة

عاد علينا الشهر الكريم بما يقارب الستة والأربعين عملاً درامياً سورياً، عاد بموائده العامرة وأسعاره المرتفعة وأزمة السير المتفاقمة، وهدوء شوارع دمشق ساعة الإفطار، بسكينة تثير الحنين إلى كل الذي كان، وقد غدت دمشق مدينة الاسمنت والدخان القذر كما تبدو للناظر من علوّ قاسيون في ساعات الصباح الباكر.

أزمة الحاضر/ الماضي هذه نعيشها كلّ يوم، إلا أننا وفي التفاصيل المختلفة لشهر رمضان تحضرنا بكثافة أعلى، باعتباره ماضيا يُعاد استحضاره كاحتفال ٍ طقسيّ بعد أن قارب فقدان معناه الحقيقيّ، لصالح معان ٍ ملتبسة ٍ بدورها تزخرف هالة الشهر الكريم. احتفال بالمدنية التي كانت، بالمجتمع الذي كان، بالبطولات الفردية والقومية التي كانت. إذ يقترب رمضان السوريّ من الاحتفال الكرنفاليّ يوماً إثرَ يوم، حيث تقلب الموازين ويتنكر الجميع وترتفع صرخة الـ “كل شي لحال”.

“كل شي لحالو” شعار يرفعه جيل الشباب من مجتمعنا في أغلب مظاهر حياته اليومية خلال الأيام الرمضانية. فالشاب الذي يتعاطى الخمر طوال العام، وهو منكر ٌ محرمٌ تعاطيه أو الاتجار به، يصوم في الشهر الفضيل. والفتاة التي تغشّ في الامتحانات، ولا تتوقّف عن الثرثرة على جارتها أو صديقتها تصوم الشهر الكريم، وآخر يعدّد علاقاته الجنسية، بلا دافعٍ اسمه الحبّ، ودون أثر متبقّ في نفسه من هذه الفتاة أو تلك، وإنما علاقة يقولون “ككلّ العلاقات” والمعنى مفتوح، أيضاً يصوم، وثانية ترتدي القصير من الفساتين والضيّق من الألبسة، كذلك تصوم! إذ وكما يقولون “كل شي لحالو”!!

كذلك تأخذ العلاقات الإنسانية أو العاطفية منها تحديداً طبيعة ً جديدة في رمضان الكريم، إذ يمتنع بعض الشباب عن ممارسة الجنس مع صديقاتهم في وقت الصيام وحتى وقت الإفطار حيث يصبح حلالاً، وليس فعل تكامل جسديّ وروحيّ بين أرقى مخلوقات الله على وجه الأرض! وطبعاً لا يمنع هذا أحدا من متابعة أحدث الفيديو كليبات، وإن علقوا عليها عقب انتهائها بأنها منحطة أخلاقياً أو تحمل كماً من العري الجسديّ وتوابعه من الأحكام الأخلاقية المطلقة. من جهة ثانية يتندّر الكثيرون على قسوة الصيام وبعض تفاصيل اليوم الرمضانيّ، لكنهم رغم هذا يصومون، ولا يمنعهم هذا من معاكسة الفتيات بما يخلّ بالآداب الإسلامية كما نقلتها إلينا التقاليد والعادات! إذ وكما يقولون ” كل شي لحال”.

فمن علامات هذه الثقافة الجديدة، معاكسة تتردد في الشوارع والأزقة السورية، مفادها “اللهم إني صائم”، وكأنه يؤكّد للفتاة العابرة أنه لو لم يكن صائماً لعاكسها كما يَفترض بنفسه أن يفعل! بل حتى التاجر يرددها بما يعنى استعداده للغشّ خارج أوقات الصيام، وتزداد المفارقات، من قبيل أن يفتتح- على سبيل المثال وليس الحصر- مقصف “التلال” على طريق الربوة مائدة ً رمضانية، وهو معروف بأمسياته الليلية ذات الطبيعة الخاصة فنياً!

انفصام الحال هذا، أو ازدواج الشخصية، ليس بأكثر من تفسّخ ٍ في هويتنا الإنسانية، ليس سوى دليل على أزمتنا الفكرية، فمن نحن؟ وما هي هويتنا الثقافية؟ وما هي أخلاقياتنا التي تحدد الفاضل من الطالح، والرديء من الجيّد؟ وهل غدت الطقوس الرمضانية تجارة يمارسها البعض بغية ارتقاء اجتماعي في مرتبة أعلى فوق الجماعة، كما يفعل العديد من كبار تجار أسواقنا من جهة وبعض مثقفينا الكرام من جهة ثانية، وخاصة فناني الدراما السورية منهم، ولكل سمعته الأخلاقية التي يعرفها جيداً! وإن لمع نجوم الساحة الغنائية بمواقفهم المتواضعة، من قبيل اعتكاف الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي عن الغناء طوال شهر رمضان، وأخرى ترتدي الحجاب في هذا الشهر أو تذهب إلى العمرة، ومن بعد هذا الإيمان الظاهر كله تعود المياه إلى مجاريها، وتعود “حليمة إلى عادتها القديمة”!. أم أن هذه المظاهر مجرّد هروب روحي إلى طمأنينة مفتقدة في هذا الواقع، خاصة لدى الشباب المرتبك بأحلامه وطموحاته ورغباته؟

 فتلك الفتاة التي هجرها حبيبها بعد ثماني سنوات لجأت إلى الصلاة والتقرّب من الله والصوم في الشهر الفضيل، بل وشهرين قبله هما “رجب” و”شعبان”، لكنها وبعد أن تزوجت لم تعد تجد وقتا ً كافياً للصلاة! أو هو ذاك الشاب الذي تربى على تقاليد يقول عنها “أصوم رمضان لأنني أعشق طقسه وقت الإفطار، حيث تجتمع العائلة كلها”، لكنه وقد ارتبط بعلاقة مع فتاة لا تصوم وإن كانت مؤمنة، على طريقتها، كما تقول، فقد امتنع صديقنا عن الصيام، دون أيّ تعليق.     

 هو وعينا الذي يعيش ضغوط الحداثة والعولمة وعصر المعلوماتية، بلا أيّة جاهزية مُسبقة. إذ نما جيل جديد على مجموعة المفاهيم هذه وهو لا يملك في تاريخه الجمعي الماضي أو الحاضر منه أدنى الأدوات الكفيلة بإنتاج حراك اجتماعي، فكري، أو سياسي قادر على ردم الهوّة الحضارية بين مفاهيم الزمن الغابر ولحظة الحاضر. فوجد نفسه مشرزماً بين حنين إلى ماض اصطفته الذاكرة بآلية نكوصية، وبين حاضر يفرض عليه التأقلم معه والبحث عن السبل الأفضل للحياة ضمن أطره، لكن- وكما أسلفنا- دون أي وعي من هذا الجيل بطبيعة الحاضر، ومن تجلياته غياب الوعي بأبعاد الزمن المُعاش وأفقه المستقبلية، مما يقودنا إلى اختلال مفهوم المكان بالضرورة، ومفهوم الهوية تاليا، فأين موقع الفرد الشاب من مجتمع منقسم ٍ على ذاته في زمن هو غريب عنه، ماضياً وحاضراً.

يأس الشباب من إيجاد فرصة العمل المطلوبة لتأمين عيش ٍ كريم، إحباطات أحلامه، وعبثية قدرته على تحقيق ذاته التي يطمح إليها، على امتلاك بيت أو سيارة، على الارتباط بحبيبة الطفولة، بالنجاح في عمله الروتيني البسيط أو الإبداعي، وذاك الشعور الثقيل بالظلم من قبل الزمن والحياة والمجتمع، لا بُدّ وأن يدفع به إلى التمسّك بقشور الأمور دون جوهرها، يدفع به إلى التسليم بالأفكار السابقة دون التفكير بها، علّه يجد ذات يوم سكينة على الأرض أو عدلاً في السماء. ورويداً رويداً أخذ شباب مجتمعنا في الغرق كيفما أمكنه داخل سراديب نوستالجيا تزيد من تمزق وعيه بين الكائن والذي كان. على أن يقابل هذا التخبط الداخلي، وعيٌ يائس يرفع شعار ال “كل شي لحالو”! ففي النهاية امتدت تلاوين هذا الشعار إلى باقي أيام السنة، على مختلف الحالات التي تحكمه أو يتمظهر من خلالها. لنقر أنّ هذا هو شعار ثقافتنا الجديدة، ثقافة الضياع وغياب الوعي العقلي والمعرفي بكافة أشكاله، باستثناء بعض النتف هنا وهناك، والحديث هو عن وعي يمتلك أدواته الخاصة وقادر على إنتاج ثقافة معبرة عن أزماته وطروحاته التي تحلّل واقع اللحظة الحاضرة، أو تقرأ ماضيها وفق قوانينها المستمدة من إدراك ذاتها ومكانها وزمنها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This