11 سبتمبر بعد سبع سنوات : أيّ أسئلة وأيّ موقع نقديّ (16)- كيف يهدّدنا الإسلام الأصوليّ؟ – فلورنتينو بورتيرو – ترجمة: أحمد يماني
لقد فتحت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الطريق أمام نقاش حادّ حول درجة التهديد التي يفرضها الإسلام الأصوليّ. شهدنا طوال تلك السنوات الأخيرة سيلا متلاحقا من المصطلحات لإعطاء وصف للمعتدي، وللوضع الذي وجدنا أنفسنا عليه. “الإرهاب الإسلاميّ”، “الإرهاب الإسلامويّ” ثمّ “الإرهاب الجهاديّ”. “الحرب على الإرهاب”، “الحرب على الذعر” أو “الحرب الطويلة”. ثمّة الكثير من الشكوك وتغير المعايير والتي تعكس صعوبة تعيين محيط استراتيجيّ جديد يخرج عن هامش التفكير الكلاوسفيتزي (نسبة إلى الجنرال البروسي كارل فون كلاوسفيتز وكتابه الشهير “عن الحرب”.م) الذي تربينا عليه. أولئك الذين يقومون بالتهديد وبالتحدّي من العالم الإسلاميّ لم يمرّوا بالحركة العقلية للقرن الرابع عشر ولا بعصر التنوير. يجهلون ديكارت ويعيشون بعيدين عن الهواجس العقلانية للغرب. إنّ سلوكهم لا يتوافق وقوانينا وهذا يخلق لنا صعوبة مضافة في تحديد هذا السلوك وتصنيفه.
نتيجة كلا العمليتين، الثقافية والسياسية، انحطاط للإسلام. تقع المسئولية بشكل جليّ على عاتق الغرب وعلى عاتق قطاعات الإسلام تلك التي لديها حكومات ذات أنظمة لا إسلامية أو أولئك الأشخاص الذين يدافعون عن تحديث مجتمعاتهم عبر علاقة قوية مع الغرب أو، وهذا أسوأ، يدافعون عن تبنّي أنظمة ذات صبغة ديمقراطية. وهذا تأويل متماسك بقدر ما هو خياليّ، لديه مزية تحرير الدين وكذلك المواطن المتوسط من كل شعور بالذنب.
بين أبطال الخيار الأول نجد الإخوان المسلمين، واحدة من الحركات السياسية والثقافية الأكثر إثارة للاهتمام والأكثر ذكاء وإثمارا في الإسلام الراديكالي المعاصر، مرشحة لتلعب دورا بارزا في السنوات المقبلة. هي في الأساس حركة ثقافية تعمل على المدى البعيد. يحاولون التوغل في المجتمع وكسب احترامه عبر المساعدات الصحية والخدمات التعليمية للشباب. باستمرارية ووضوح في الهدف فإنهم يقومون بنشر تأويل متجدد للإسلام راديكالي بشكل أساسي. يحوز أعضاؤها على احترام نظرا لما يقومون به من خدمات لصالح المجتمع وكذلك لأخلاقيتهم. التباين بين فساد القوى الحاكمة والعناية القصوى في استخدام أموال بعيدة عن أعضاء الجماعة لعب دوما لصالحهم، إلى درجة كسبهم التأييد ليس فقط من قبل مسلمين معتدلين بل وحتى من قبل مسيحيين. لا يجعل الإخوان من الوصول للسلطة، عبر وسائل عنفية أو سلمية، هدفهم الفوريّ. ولهذا فإنّ الأساسيّ كسب إرادة الناس من خلال خلق ثقافة سياسية دينية جديدة. أما الباقي قسيقع من تلقاء نفسه. لديهم قوة هائلة في بلاد كمصر والأردن وفلسطين. عانوا في سوريا من ملاحقات إجرامية أودت بحياة الآلاف منهم. رغم الاضطهاد القاسي الذي يتعرضون له في كل تلك الأماكن فإن استراتيجيتهم ما زالت تعمل والوقت يلعب لصالحهم. بينما منظمة فتح ذات التوجه الناصريّ والملكية الأردنية، بدرجة أقل، لا تتوقفان عن فقدان النفوذ بين الشعب. بسبب من عدم التطور والفساد الحكومي فإن النسخ المحلية من الجماعة تواصل كسب أراضي جديدة.
الإرهاب الجهادي
عاش الخيار الثاني تحولا هاما منذ الحصول على الاستقلال وحتى يومنا هذا. إن نجاح التيار القوميّ في الخمسينات والستينات، متوليا الرقابة السياسية ومساهما ببرنامج من التطور الاجتماعي والاقتصادي، جعل الأسطورة القومية تترسخ هناك حيث لم تكن دائما واقعا. بالنسبة للإسلاميين فإن مفهموم الدولة-الأمة إنما هو مجرد تعبير تاريخي للغرب أعيد نقله للإسلام من خلال الاستعمار والتأثير الغربي. يرى في ذاته عنصرا غريبا ومدمّرا، مضادّا للتأويل الصحيح للقرءان وللتراث. كما أشرت آنفا فإنهم لا يفرقون بين المحيط الديني والسياسي ويتصورون فقط نظاما سياسيا قادم من الشريعة والتشدد الديني. ليس في أفقهم أيّ تصوّر سوى الخلافة حيث يخلطون بين السلطة الدينية والسياسية ممثلة في شخص الخليفة، والذي يمارس نفوذه الكامل على مجموع الأمة. كذلك فهموا أنه من المستحيل محاولة تشجيع حملة عنفية بشكل جماعي ضد الحكومات غير الإسلامية. فرضت الرؤية الواقعية الذهاب حالة وراء حالة وبلدا وراء بلد. الجهاديون الذين يدافعون عن العنف كطريقة للتصفية الداخلية قادرة على زعزعة استقرار أنظمة “فاسدة” وإعطاء خطوة لإمارات إسلامية، إنما يفتقدون في كل وقت إلى القدرة على حمل أهدافهم إلى حيز التنفيذ. كانت لدى الدول الناشئة إجراءات كافية لإخضاعهم. تمكنت أجهزة الشرطة والمخابرات من تفكيك مؤسساتهم. قاموا بشن هجمات على درجة كبيرة من الأهمية، كتلك التي أودت بحباة أنور السادات، ولكن في النهاية فإن من نجا منهم انتهى به الحال إلى تمضية شطر كبير من حياته داخل السجون. على مشارف التسعينات كانت الحركة الجهادية قد فشلت، كما يجمل ذلك جيل كيبل في دراسته الشهيرة عن الحركات الإسلامية.
فلورنتينو بورتيرو:
(مدريد 1956) أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة الوطنية للتعليم عن بعد وخبير في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، والمقالة منشورة بمجلة دفاتر الفكر السياسي Cuadernos de Pensamiento Político العدد رقم 19 بتاريخ يوليو/ سبتمبر 2008.
