11 سبتمبر بعد سبع سنوات : أيّ أسئلة وأيّ موقع نقديّ؟(17) في الرد على نادر قريط


لم أطّلع على انتقادات الأستاذ نادر قريط إلا بعد أسبوع تقريبا من صدورها. ولولا النشرة الأسبوعية “للأوان” لما رأيتها رغم تصفّحي “الأوان” يوميا أكثر من مرة. فقد تعمى عن الشيء أحيانا من كثرة ما تحدّق فيه..

أشكره أوّلا على فتح باب النقاش بهذه روحية  المنفتحة غير المتشنّجة على الإطلاق. فالرجل يبحث عن الحقيقة مثلنا جميعا ولا يدعي انه يمتلكها. كلنا نجتهد وندلي بدلونا بين الدلاء وقد نخطئ وقد نصيب. وربما لم تكن الحقيقة إلا محصلة هذا الصراع الجدليّ الخلاّق بين الآراء المتناقضة والتي تتناول الموضوع من زوايا مختلفة. فما يراه أحدنا قد يعمى عنه الآخر بسبب تركيزه على زاوية أخرى من المسألة والعكس صحيح أيضا. وأنا عندما ختمت مقالتي كنت أشعر بان هناك أشياء ناقصة وتحتاج إلى تطوير ومعالجة خاصة. ولكن ما كنت قادرا على تطويل المقال أكثر مما فعلت. أقول ذلك وبخاصة أن الإخوة في “الأوان” يشتكون عموما من طول مقالاتي وثرثراتي..ولذلك فاني اشكر نادر قريط لأنه أتاح لي أن استدرك ما فات وأوضح بعض النقاط بشكل أفضل. والواقع أن حدثا تدشينيا هائلا مثل 11 سبتمبر لا تكفيه مقالة أو مقالتان ولا حتى عدة مجلدات لاستنفاد كافة أبعاده على فرض أن ذلك ممكن. انه حدث شق التاريخ المعاصر إلى قسمين: ما قبله وما بعده. وسوف يشغل الناس والأجيال القادمة حتى بعد عشرات السنين..

بعد كل هذه الديباجة لندخل الآن في التفاصيل. على أي شيء يلومني نادر قريط؟ على النقاط الثلاث التالية:
أولا: إني أضع بشكل متهوّر كتب الفتاوى الصفراء بعد القرآن والحديث النبويّ وكتب الفقه من أجل التفكيك والتشريح. وإنّي متبجّح أكثر من اللزوم بإمكانياتي إذ أدّعي القدرة على تشريح التراث كله. ثم إنّي أستعرض عضلاتي الفكرية إذا جاز التعبير على الطريقة العنترية الفهلوية العربية المعروفة. في الواقع إنّ قولي” بانّ 11 سبتمبر سوف يجبرنا على مراجعة كلّ حرف وكلّ نقطة أو فاصلة في القرآن والحديث النبويّ وكتب الفقه والفتاوى الصفراء وكلّ التراث العربيّ الإسلاميّ”  قد يصدم القارئ المسلم للوهلة الأولى. وأعترف بأنّي زدتها قليلا وشعرت بأنّي قد أجرح الكثيرين..وبالتالي فنقده وجيه إلى حدّ كبير. ولكنّ واو العطف هنا لا تعني بالضرورة المساواة بين القرآن وكتب الفتاوى الصفراء على طريقة المشائخ المتأخرين سواء كانوا شيعة أم سنة، ابن تيمية أم الخميني. فالقرآن هو أحد الكتب الدينية الكبرى للبشرية مثله في ذلك مثل التوراة والإنجيل وكتب البوذية والهندوسية والكنفوشيوسية الخ.. وهو يخلع المعنى الكامل والمطلق على حياة مليار ونصف المليار شخص.. وفيه يضعون ثقتهم الكاملة خصوصا في وقت الشدائد..وبالتالي فلا يمكن التحدّث عنه بمثل هذه الخفّة والسرعة.. وعظمة القرآن الروحية والأخلاقية لا تناقش. ولكن عندما أقول مثلا: من مشاهير التاريخ سقراط وأفلاطون وأرسطو وديكارت وهيغل ولينين وستالين وهتلر وموسوليني الخ..هل يعني ذلك أني أضع هؤلاء الفاشيين الثلاثة الأخيرين في مرتبة العظماء المذكورين في البداية؟

بالطبع لا. لا ريب انه كان من الأفضل أن استخدم صياغة لغوية أخرى منعا لأيّ التباس أو خلط قد يحصل. وأحب أن أقول للأخ نادر قريط إني خريج التربية القرآنية منذ نعومة أظفاري بل وكنت أضجر من والدي أحيانا لأنه يجبرني على تلاوة القرآن صباحا ومساء ولساعات طويلة لا تنتهي. في حين أني لم أكن أفكر إلا في الخروج إلى البراري المحيطة بالقرية للتسلية واللعب كبقية الأطفال.. ولكن شاءت الصدفة أن أكون ابن شيخ القرية بل وحتى قسم كبير من المنطقة ووقعت في رأسي القصة. وبالتالي فعندما أتحدث عن الأصوليّة فاني اعرف عما أتحدث لأني كنت أصوليا في طفولتي بل وقومجيا مثلك لأني أصبحت لاحقا من تربية حزب البعث..في البيت أصوليّ وفي المدرسة بعثيّ!..وهذا يعني أني كنت قومجيا- أصوليا قبل أن يفتح الله عليّ أبواب الخروج من هذا السجن الخانق. هناك كتاب جميل لجان دانييل رئيس تحرير النوفيل اوبسرفاتور بعنوان: السجن اليهوديّ . وفيه يثور على المعتقدات الدوغمائية السائدة عند اليهود كمقولة شعب الله المختار والعبادات والطقوس والانغلاق على الذات والخوف من الآخر وعقلية الغيتو والتأييد اللامشروط لإسرائيل مهما فعلت وسوى ذلك.. ويقول بأنّه ضاق ذرعا بها ويريد التحرر منها..فمن سيؤلف كتابا بعنوان السجن الإسلامي يا ترى؟ أو السجن القومجي- الأصوليّ؟
لا يعرف الحب إلا من يكابده
ولا الصبابة إلا من يعانيها..

لا يشعر المرء بالحاجة إلى التحرر إلا من الأشياء التي تضغط عليه، الأشياء التي أخذها عن الماضي كورثة ثقيلة أو كرواسب متراكمة، والتي تشلّه عن الحركة والانطلاق والانفتاح. وأحب بهذا الصدد أن أشير إلى كتاب جميل جدا لمؤرخ الفلسفة هنري غوهييه عن ديكارت. ففيه يشرح لنا كيف راح مؤسس الحداثة الفلسفية يدخل في صراع مع نفسه وكل ما تلقاه من بيئته الأولى وطفولته لكي يتخلص منه ويبني فلسفة جديدة، حرة، شخصية. انه يشرح لنا مدى الجرأة الاقتحامية لديكارت وكيف انه أحدث القطيعة الابستمولوجية، أي المعرفية العميقة، مع كل ثقافة عصره والفلسفة السكولائية القروسطية. عنوان الكتاب هو التالي: مقالات عن ديكارت. منشورات فران الفلسفية. باريس 1949. وبخاصة الفصل الأوّل بعنوان: كيف أصبح ديكارت ديكارتيا، أي كيف توصل إلى كشفه الأعظم وأصبح هو هو بعد حيرة وضياع..ثم الفصل الذي يليه مباشرة: إفلاس ثقافة ما. أي كيف كانت الثقافة الأوروبية وليس فقط الفرنسية مفلسة في عصره وكيف فككها وقلب الأمور رأسا على عقب وأحلّ محلها ثقافة جديدة. ودشن بذلك حقبة جديدة في تاريخ الفكر. وأنا أطرح السؤال التالي: من سيكشف عن إفلاس الثقافة العربية المهيمنة علينا حاليا؟ أين هو ديكارت العربيّ أو حتى نصف ديكارت؟

أستنتج من ذلك انه لا يمكن أن نطلق لفظة مثقّف على أيّ شخص لا يدخل في صراع مفتوح وضارٍ مع نفسه وتراثه ومذهبه وطفولته وعقيدته..بهذا المعنى كم هو عدد المثقفين في العالم العربي؟ أقل مما نتصوّر بكثير..هذا هو المثقف الذي أحلم به يا صديقي. قلت صديقي رغم أنّي لا أعرفك شخصيا ولكن من لهجتك ورغم الاختلافات بيننا أحسست بنوع من الصداقة معك. وفي نهاية المطاف لا ضرورة لأن نتّفق على كل شيء لكي نصبح أصدقاء..ما معنى هذه الصداقة التي تعني التطابق والتبعية والنمطية في التفكير؟

أحلم بالمثقف على طريقة جان جاك روسو الذي كان يهرب من المناطق الكاثوليكية التي تحرق كتبه إلى المناطق البروتستانتية حيث توجد طائفته وجماعته فيلاحقونه هم أيضا ويحرقون كتبه..وهكذا يصبح ملاحقا في كل مكان ومن كل الطوائف لأنه يبحث عن أفق آخر غير موجود ولكنه سيوجد بعد موته بعشر سنوات فقط مع اندلاع الثورة الفرنسية. وبالتالي فلا مكان له في زمنه. مكانه في اللامكان: أي في ضمير الغيب والعصور المقبلة.

نعم إني أحلم بالمثقف المنشق على نفسه، المثقف الخارج على كل ما أسسه منذ نعومة أظفاره. أحلم بالمثقف الذي يتهم ذاته وإيديولوجيته قبل أن يتهم الآخرين ويلقي عليهم مسؤولية تخلفه. أحلم بمثقف لا يعود يمطرنا بوابل من اللعنات ضد الامبريالية والصهيونية والاستعمار والخارج أيا يكن…أحلم بمثقف يوجه سهامه نحو الداخل ويفتك بنفسه فتكا ذريعا..لقد مللنا من الكلام المكرور يا أخي. نريد خطابا جديدا، مصطلحات أخرى، آفاقا أخرى.. والله تعبنا من هذا الخطاب والمصطلحات الزائفة المهترئة. هذا لا يعني أن الامبريالية والصهيونية والاستعمار أشياء غير موجودة أو غير مسؤولة. من يستطيع أن يدعي ذلك وقد أزهقت أرواحنا؟ وإنما يعني أن امبريالية الداخل المتراكم والقمع التاريخي للفكر لا تقل خطورة عنها إن لم تزد..لقد آن الأوان لكي نخرج من الامتثالية الفكرية الخانقة التي هيمنت علينا طيلة الستين سنة الماضية لكي نجرب دروبا أخرى للفكر..هذا هو معنى هجومي على الايدولوجيا العربية الرثة السائدة حاليا: أقصد الايدولوجيا القومجية-الأصوليّة. ولا يعني ذلك أني ضدّ القومية العربية في المطلق ولا ضدّ الإسلام في المطلق. فهذا لا معنى له لأنّك لا تستطيع أن تخرج من جلدك مهما حاولت على فرض انك ترغب في ذلك..ولكن هناك مفهوم إرهابيّ للقومية العربية والإسلام وهو الذي سقط مؤخرا بسقوط صدام حسين وبن لادن. هذا كل ما أريد قوله. لن تقوم للقومية العربية قائمة إلا على أساس الفلسفة الإنسانية الحضارية التي تحترم كل الأقوام التي تعيش معنا أو تحيط بنا كالأكراد والأمازيغ والأرمن والسريان والآشوريين والتركمان والفرس والترك الخ..القومية العربية ليست نزعة عنصرية أو فاشية استبدادية وإنما هي نزعة لغوية ثقافية حضارية إنسانية. بهذا المعنى أنا قوميّ عربيّ حتّى النّخاع. وكذلك الإسلام. لست ضدّه إذ أعلن رفضي القاطع للقاعدة والتيارات السلفية والشيعية الانغلاقية وإنما ضدّ تأويلهم له. وهو تأويل ظلاميّ سائد في كلّ نواحي العالم العربي والإسلامي بسبب برامج التعليم التي ينبغي تغييرها أو تفكيكها جذريا. وكما قال أرسطو في العبارة التي يستشهد بها موقع “تنوير” الاليكتروني حاليا: أنا لست ضد آلهة الجمهور بل ضدّ فكرة الجمهور عن الآلهة. وكذلك نحن لسنا ضد الإسلام وإنما ضد الفهم الشائع عنه والرّاسخ منذ عصور الانحطاط وحتى اليوم. إسلام بن لادن أو مقتدى الصدر ليس إسلامنا ولا يمكن أن يكون. ولحسن الحظ فإنّ أرسطو هرب من أثينا قبل أن يُقتل ولم يرتكب خطيئة سقراط..ومعلوم أنّه وجهت إليه تهمة الكفر واحتقار الآلهة. وإذن فالقصة قديمة وفتاوى التكفير والاغتيال سابقة على أديان التوحيد. وعندئذ قال عبارته الشهيرة قبل أن يختفي تحت جنح الظلام: لن أسمح لهم بان يرتكبوا جريمة أخرى ضدّ الفلسفة! يكفي أنهم قتلوا سقراط..كلمة رائعة لا تكاد تصدق وكأنها قيلت البارحة وليس قبل ألفين وأربعمائة سنة!

أمّا عن عنتريتي الفكرية فأحبّ أن أقول لك بأنّي لم اقصد ما فهمته من كلامي الناريّ المتحمسّ. فأنا أعرف حدودي ومحدوديتي. أنا مجرّد شارح للفكر وناقل لنظرياته. وحتى هنا فالعملية ليست سهلة. إذا استطعت أن اشرح نظريات أركون المعقّدة عن التراث الإسلاميّ كما أفعل منذ فترة على صفحات جريدة “الراية” القطرية فانّي أكون قد أدّيت واجبي. عندما قلت بأنّ التراث سوف يفكّك ويشرح من أوّله إلى آخره فلم أكن اقصد بأنّي من سيقوم بهذه العملية وإنّما العلماء الراسخون في العلم والدراسات الإسلامية. ولا أزعم أنّي منهم أو أَرتفعُ إلى مرتبتهم. أنا شارح كما قلت لك ورحم الله إمرِئا عرف قدر نفسه..وبالتالي فلا تقوّلني ما لم أقله ولا تحمّل كلامي أكثر مما يحتمل. من يشرح التراث ويفككه هم الباحثون المختصّون الذين ألّفوا الموسوعة الإسلامية الشهيرة أو الذين نشروا مؤخرا بالفرنسية: قاموس القرآن. وفيه يطبقون المنهجية التاريخية الفيلولوجية النقدية على الكتاب المقدس للإسلام. وهكذا قدموا لنا خدمة جليلة وساعدونا على الخروج من النظرة التقليدية التي تربينا عليها في طفولتنا لكي ننتقل إلى النظرة العقلانية الحديثة. وهذا هو معنى التنوير حرفيا: انه يعني الانتقال من مرحلة الطفولة العقلية إلى مرحلة النضج وسنّ الرشد. وهذا ما فعلته أوروبا قياسا إلى تراثها المسيحيّ. أمّا البشرية الإسلامية في معظمها فلا تزال متشبثة بالطفولة العقلية وترفض أن تقطع حبل السرّة مع اللاهوت والفقه القديم. ولكن ينبغي أن يعطونا الوقت الكافي لكي نحل مشكلتنا مع أنفسنا. فالقصة عويصة ولا تحل بين عشية وضحاها..وهم يضغطون علينا أكثر مما يجب ويعقّدون أمورنا بدلا من أن يساعدونا على حلّها. أنا معك هنا في هذه النقطة. هناك تيّار متطرّف في الغرب ومعاد لكل ما هو عربيّ أو مسلم. وهناك تواطؤ بين اليمين المسيحيّ واليمين الصّهيونيّ ضدّنا.

مهما يكن من أمر فإنّ كلّ كلمة من كلمات القرآن المفتاحية بما فيها كلمة الله والرب وعزير ابن الله والإسراء والمعراج والشريعة والمسيح وموسى وعاد وثمود وآدم وجهنم والجنة ومئات غيرها تتعرض للتحليل والتشريح في هذا القاموس الكبير الذي ساهم فيه سبعة وعشرون باحثا. من أين جاءت هذه الكلمات التي يستخدمها القرآن؟ وما علاقتها باللغات السامية الأخرى أو الكتب السابقة على الإسلام؟ وما هو تاريخ هذه الكلمة وأصلها وفصلها؟ وما هو التغيير المعنويّ الذي أجراه القرآن عليها؟ وما معنى العلوم القرآنية الحديثة؟ وكيف نفهم القرآن على ضوء علم التاريخ؟ الخ. من المعلوم أنّ المدرسة التاريخية الألمانية هي التي طبّقت المنهج  اللغويّ العلميّ على القرآن لأوّل مرة. ولكنهم صادروا ترجمة جورج تامر في بيروت لكتاب نولدكه الشهير: تاريخ القرآن. أو قل منعوه من الانتشار بفتوى من رجال الدين. ثم تقول لي أيها الأخ الكريم بأن الأصوليّة ليست مسألة خطيرة إلى مثل هذا الحد؟ نحن نعتقد العكس تماما. نحن نرى انه لا تحرير فكري ولا سياسي للعالم العربي قبل تفكيك الأصوليّة السلفية المسيطرة بشكل مباشر أو غير مباشر على الأذهان والعقول. ولكن هذه عملية تدريجية ينبغي أن تتم على مراحل. فالحقائق لا تقال دفعة واحدة لان ذلك قد يزعزع النفسية الجماعية للمسلمين بشكل خطير فتحصل ردود فعل هائجة ومرعبة. وندعو بهذا الصدد إلى فتح مركز بحوث عربي خاص فقط بنقل الدراسات الاستشراقية والأكاديمية الكبرى إلى لغتنا العربية. فبما أننا عاجزون عن تطبيق المناهج العلمية على تراثنا فلننقل على الأقل أبحاث الآخرين عنه! ففيها كل الفائدة لنا. ولا يخرجن علينا احدهم قائلا: هذا استشراق معاد للإسلام والعروبة.

فهذا كلام مردود بعد أن أصبح ممجوجا ومرفوضا. انه كلام المحافظين الجدد والقدامى في العالم العربي الذين لا يريدون للنظام القديم للفكر أن يتغير. ونحن نريد أن نفككه ونطيح به من أساساته لأن نهضة العرب تتوقف على هذه العملية الجراحية الخطيرة.
وبالتالي فليس صحيحا قولك بأنه بولغ بمسألة الإسلام الأصوليّ إلى حد الشطط. وإنما الصحيح القول بأن مشكلته أهملت إلى حدّ الشطط من قبل القومجيين والماركسويين وما يدعى بالتقدميين العرب. وكان أن قطفنا الحصاد المر.. وهي على أي حال تقدمية هشة وسطحية أكثر من اللزوم. ولولا ذلك لما سقطت بمثل هذه السهولة والسرعة وتراجعت أمام جحافل الأصوليّين من أول ضربة.

ثانيا: أرجوك لا تقل لي بأن الدولة الإسلامية منذ نشأتها وحتى انتهاء الخلافة العثمانية كانت دولة علمانية براغماتية..
فهذا إسقاط لمفاهيم الحاضر على الماضي ومغالطة تاريخية فظيعة. العلمانية هي زبدة الحداثة وجوهرها وحصيلة تطورها وجهودها على مدار ثلاثمائة سنة من عمر الحضارة الأوروبية. ولم يعرفها الإسلام في تاريخه أبدا ولا يعترف بها بل ولا يعرف معناها لأنه يخلط بينها وبين الإلحاد. فعندما تقول للجمهور الإسلامي بل وحتى لأغلبية المثقفين بأننا سنقيم نظاما علمانيا فإنهم يتوهمون فورا بأننا سنطبق الإلحاد على المجتمع ونمنع التدين والصلاة في الجوامع الخ..وهذا خطأ ما بعده خطأ. فالعلمانية ليست النظام الإلحادي الإجباري على طريقة ستالين وإنما تعني حرية التدين الكاملة ولكن أيضا حرية عدم التدين على الإطلاق. ثم إنها تعني حرية التدين لكل الأديان والمذاهب وليس لدين واحد فقط أو لمذهب الأغلبية فقط. لا يوجد دين دولة في العلمانية ولا دين لرئيس الدولة. الدولة حيادية فوق كل الأديان لأنها لجميع المواطنين دون استثناء. كل الناس  يعاملون في النظام العلماني على قدم المساواة وبنفس الاحترام بغض النظر عن أديانهم ومذاهبهم. لماذا؟ لأن النظام العلماني لا يعترف بما يدعى الفرقة الناجية أو الدين الوحيد الصحيح وبقية الأديان على ضلال. هذا مفهومنا نحن في العالم الإسلامي وليس مفهوم النظام العلماني السائد في الدول المتقدمة. يضاف إلى ذلك أن العلمانية نشأت لحل مشكلة المواطنية. فلا مواطنية صحيحة بدون علمانية. فرنسا فرضت العلمانية لحل مشكلة الصراع المذهبي الكاثوليكي البروتستانتي الذي أنهك البلاد على مدار القرنين السادس عشر والسابع عشر بل وحتى الثامن عشر. وعندئذ قام فلاسفة التنوير بتفكيك الأصوليّة المسيحية من جذورها. وشن عليها فولتير وديدرو وجان جاك روسو وسواهم حملة شعواء أطاحت بها في نهاية المطاف. ثم جاءت الثورة الفرنسية كتتويج لذلك وفرضت النظام العلماني على مراحل لأن العملية كانت صعبة جدا والحزب الكاثوليكي الأصوليّ يرفض أن يتساوى البروتستانتي “الزنديق” مع الكاثوليكي “المؤمن الصحيح” الأرثوذكسي: أي القويم المستقيم العقيدة. وهذا ما يحصل الآن في العالم العربي أو الإيراني. هل يوجد سني واحد يقبل بأن يتساوى معه الشيعي أو الإباضي هذا ناهيك عن العلوي أو الدرزي أو الإسماعيلي؟ مستحيل، إلا بالطبع الشرائح المستنيرة فعلا من المجتمع. وهي لا تزال أقلية. وهل يوجد شيعي إيراني يقبل بأن يتساوى السني معه في الحقوق والواجبات؟ مستحيل أيضا لأن الخارج على “الإسلام الصحيح” هناك أو المنحرف عن الخط “المستقيم والقويم” هو أهل السنة والجماعة. شيء لا يكاد يصدق إذا ما علمنا مدى الهيمنة التاريخية للسنة على العالم الإسلامي..

وأرجوك ألا تقول لي بأن الديمقراطية وحقوق الإنسان موجودة أيضا في الإسلام ، أو في المسيحية، أو اليهودية. كل هذا إسقاط ومغالطات تاريخية شائعة. فالإنسان الكامل الحقوق في ظل الأديان هو المسلم إذا كان الإسلام هو الدين الغالب. وهو المسيحي إذا كانت المسيحية هي المسيطرة، وهو اليهودي في دولة إسرائيل التي عرّفها بعضهم قائلا: بأنها ديمقراطية بالنسبة لليهود ويهودية بالنسبة للعرب. بل ويبدو أن الأصوليّين هناك ابتدأوا يتجرؤون على مهاجمة العلمانية ويعتدون على السيدات الجميلات اللواتي يلبسن على القصير ويرفضن الحجاب..هناك هبّة أصولية في كل أنحاء العالم على ما يبدو. والأصوليّة أصبحت كالمرض المعدي الذي ينتشر بسرعة شديدة.. والأصوليّون يزايدون على بعضهم البعض..وقد يتحالفون مع بعضهم البعض ضدنا نحن “الملاحدة الكفار” بحسب وجهة نظرهم..

نحن الآن يا صديقي نعيش نفس التوترات الصراعية التي عاشتها أوروبا سابقا والتي ستتمخض عنها الحداثة العربية لاحقا. هناك تفاوت تاريخي ينبغي أن نعترف به وإلا تعبنا. الزمن العربي الإسلامي غير الزمن الأوروبي. هم يتحدثون عن لاهوت ما بعد الحداثة ونحن لم نخرج بعد من لاهوت القرون الوسطى الطائفي والمذهبي بالضرورة. لذلك قلت لك ينبغي تفكيك الأصوليّة من جذورها سنية كانت أم شيعية أم علوية أم درزية أم إسماعيلية أم مسيحية عربية شرقية الخ..لا يمكن للطائفية أن تنهار ويتشكل على أنقاضها نظام المواطنية الحديث الا بعد القيام بهذه العملية الجراحية المرعبة. لا يمكننا أن نتنفس مجرد تنفس الا بعد انجاز هذا العمل. وسوف يدفع الثمن باهظا لأن الترسبات الطائفية راسخة الجذور منذ الف سنة على الاقل. وسوف يكون النزيف حادا بقدر ما أن التعلق بها عاطفي، حميمي، راديكالي. وذلك لأن القطيعة دائما مرة وبخاصة مع الأشياء المترسخة في الاعماق على هيئة عقائد مقدسة فوق بشرية. أين هو نيتشه العربي لكي يكشف لنا عن بشريتها؟ لكي يعريها على حقيقتها وينزع القداسة عنها؟

أين هو الفكر النقدي الحر في العالم العربي، أقصد الفكر الذي يذهب الى اعماق الأشياء ولا يتوقف في منتصف الطريق؟ أخشى أن العملية لن تتم العملية قبل تصفية الحسابات التاريخية والمرور بمرحلة الحروب الأهلية والمجازر. وهذا ما هو حاصل بشكل صريح أو ضمني اليوم في العراق ولبنان والبحرين والسعودية وسوريا واليمن وأفغانستان والباكستان والجزائر حيث سمعت مؤخرا باندلاع الاضطرابات المذهبية بين المالكيين والإباضيين في منطقة بريان بولاية غرداية الواقعة جنوب العاصمة الجزائرية. وبالتالي فالماضي الأصوليّ ينفجر في وجوهنا اليوم من كل النواحي. والحرائق تشتعل في كل مكان ولا نعرف ماذا نطفئ ولا أين لأنه كلما أطفأنا حريقا شبّ حريق آخر في مكان آخر..ثم يقولون لك: استعمار امبريالية صهيونية. ونقول لهم نعم معكم الحق. ولكن أضيفوا إلى هذا الثالوث المرعب استعمار الجهل وامبريالية الجمود التاريخي وتراكمات الداخل وقد انفجرت في وجوهنا كالقنابل الموقوتة. الآن أشعل الشيخ القرضاوي المعركة مع الشيعة بشكل بائس ومتخلف فإذا بهم يردون عليه بطريقة أكثر بؤسا وتخلفا. قالوا بأنه عميل للماسونية والصهيونية! شيء عجيب. كلام فارغ من أساسه وغوغائي ديماغوجي ممجوج من كثرة ما سمعناه وكررناه. لكأن القرضاوي بحاجة إلى الصهيونية لمهاجمة الشيعة! كل تاريخ الإسلام هو صراع بين السنة والشيعة منذ الأمويين وحتى يومنا هذا..شرخ في تاريخ طويل..إذا لم نعترف بالحقائق كما هي، إذا لم ننظر إلى وجهنا في المرآة كما هو فلا حل ولا خلاص.. فلاسفة التنوير في أوروبا ما قالوا عندما واجهوا مشكلة مشابهة أن الحق على الطليان.. وإنما قالوا بأن الحق على رجال الدين الذين أصبحوا عالة على المجتمع لأنهم يهيجون الناس البسطاء ضد بعضهم البعض ولأن فهمهم للدين ظلامي متخلف. وقد آن الأوان لتفكيكه وإحلال التأويل المستنير للدين محله..محمد أركون يقترح التشخيص والحل لهذه الفتنة الكبرى المستمرة منذ ألف وأربعمائة سنة عن طريق بلورته لمصطلح التراث الإسلامي الكلي أو السنة الإسلامية الشاملة التي تجمع السنة والشيعة والخوارج وكل تفرعاتهم على أرضية مشتركة مع المحافظة على الخصوصيات الايجابية لكل مذهب. انه يحقق المصالحة بين المذاهب الإسلامية مثلما حققها علماء أوروبا بين المذاهب المسيحية. انه يحل عقدة العقد عن طريق تطبيق المنهجية التقدمية -التراجعية على كل تاريخ الإسلام. ولكن من يستمع له؟

ثالثا وأخيرا كنت سأتحدث عن هيغل ونابليون وبوش وغزو العراق ولعبة الأمم القذرة كما يقول نادر قريط وموقف هابرماس من 11 سبتمبر وسوى ذلك..ولكني أطلت أكثر مما ينبغي وبالتالي فأرجئ المعالجة الى مقالة قادمة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This