فوبيا الشيعة التي أخرجت، مرّة أخرى، الأموات من قبورهم(1/2)

مرة أخرى يُخرج السيد يوسف القرضاوي الداعية الإسلاميّ عفريت الصراع السنّي الشيعي من قمقمه لأمر ما بدا غريبا من حيث التوقيت على الأقلّ والخلفيات الممكنة لمثل هذه المواقف ممن يفترض فيه ،بحكم موقعه من التقريب بين المذاهب، الكثير من التعقّل.ولكن الثابت بعد أن وقع ما كان سيقع وخرج الأمر من حدود المجاملات الدبلوماسية إلى مجال التصريحات النارية أنّنا مازلنا نستعيد التأويلات التاريخيّة المأسطرة وثقلها التمثيلي الوهميّ لخلق هوامش لا تزيدنا ،بسنّتنا وشيعتنا ،إلاّ تهميشا فتؤكّد ،مرّة أخرى ، أنّنا لا نعيش أسئلة التاريخ الحديث الحارقة العاجلة بل نترك الأموات يحكموننا من وراء قبورهم.

إنّه صراع مقزّز فعلا دخل حلبته الأنصار والمنافحون من قبيل السيّدين رضوان السيد وراشد الغنّوشي وجبهة علماء الأزهر (طبعا ثمّ طبعا )وبعض من يحسب على “الفكر الليبيرالي قدر الإمكان” و”الفكر المستنير قدر الجهد” لمساندة السنيّ المعتدل الذي صنّفته بعض الدوائر الأمريكيّة على أنّه من العشر الأوائل المؤثّرين في جمهور المسلمين السنّة بالخصوص.ولكن هذه المساندة القويّة لم تنف اعتراض جماعة الإخوان المسلمين على مقدّمات هذه الفتنة التي أثارها القرضاوي والاعتراض ” التكتيكي” لبعض المفكّرين الإسلاميين مثل السيد فهمي هويدي.

ولئن كنا سنترك الردود الشيعيّة وما فيها من خطل لغيرنا فإننا نحب أن نركّز على نصيّن من الأدبيّات التي تتصل بالموضوع وهما بيان القرضاوي وما حبّره الغنوشي في الجزيرة نت واستعاده في تصريحات موسعة لوكالة القدس برس.وقد جمعت بينهما لأننا أمام إسلاميين سنّيين أجد في أحدهما سذاجة المواقف الدينيّة وفي الآخر الدهاء السياسي المستند إلى التصوّرات الدينيّة في لعبة تبرز جانبا من رؤية الحركات الإسلاميّة الدينيّة السياسيّة.

{{في سذاجة بيان القرضاوي وخطورته}}

يعود أصل الخلاف على ما نجد في بيان القرضاوي إلى أنّه اعتبر الشيعة مسلمين ولكنّهم مبتدعون.وحصر الخلاف معهم في نقطتين هما “سبّ الصحابة” من قبل الشيعة و”غزو المجتمع السنيّ بنشر المذهب الشيعي فيه”.وهي عمليّة تتم على الأرجح بتشجيع من دولة إيران التي تملك حسب القرضاوي “ثروة ضخمة” (كذا !) و “كوادر مدرّبة لنشر المذهب” مقابل انعدام أيّ “حصانة ثقافيّة” لدى السنّة لمواجهة هذا الغزو.

ولم يزد هذا البيان الذي أخرجه القرضاوي للناس بعد أن هاجمته وكالة أنباء إيرانيّة ( مهر) في 13-09-2008 إثر تصريحه لإحدى الصحف المصريّة طين الخلاف إلا بلّة .فقد كشف عن رؤيته السلفيّة المنغلقة التي يعتقد مفاخرا، في نرجسيّة عجيبة، أنّها تعبّر عن إسلام وسطيّ معتدل .غير أن الناظر في بيان ابن الجزيرة (دولةً وقناةً) المدلّل سيقف ولا ريب عن إسلام تكفيري مقيت يدّعي الاعتدال وهو يطلق نيران التكفير ،لو يدري، في كلّ صوب .

فمنطلق القرضاوي اعتقاد ساذج في وحدة وهميّة للمسلمين يفترضها ويبني عليها رغم أنف وقائع التاريخ العنيدة منذ حادثة السقيفة على الأقلّ ثم ظلّ الانقسام يتّخذ بعدا مؤسّسيّا يبدو أن الداعية الإخواني لا يريد أن يراه فيواصل استيهاماته الوحدويّة بديلا من الواقع وحقائقه.وهو أسلوب لا تاريخي في المقاربات الدينيّة جميعا للتاريخ لا تزيد المسلمين إلا خروجا من التاريخ الحديث.

ويترسّخ هذا الوهم بوهم ثان يبدو في ظاهره مناقضا له ولكنّه يكمّله لبيان الخلافات داخل الإسلام على نحو ينقذ الإيمان بالوحدة.وهذا الوهم يستند إلى حديث نبوي يسلّم به أهل السنّة وإن كان لا يصمد أمام التعديل والتجريح العلميين.ونقصد حديث الفرقة الناجية بعد انقسام الأمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها هالكة أو ضالّة إلاّ واحدة.وتكمن قيمة هذا الحديث في تأسيس منطق الإقصاء المتبادل وله أشباه ونظائر في جميع الديانات .ولكن القرضاوي يقرّ بسذاجة إيمانيّة لا تأتيها النسبيّة من خلفها ولا من بين يديها أن الفرقة الناجية المذكورة هي أهل السنّة “وكل الفرق الأخرى ،على حدّ تعبيره،وقعت في البدع والضلالات” والعياذ باللّه وبأهل السنّة والجماعة !

وتتصل بهذا المنطق الإقصائيّ حجّة ثالثة هي حجّة الجماعة والإجماع( أو بتعبير القرضاوي ” الأكثريّة”) .”فالحقّ لا يتعدّد والحمد للّه فحوالي تسعة أعشار الأمّة الإسلاميّة من أهل السنّة” كما ذكر القرضاوي.وهو ما يعني أن الأمة لا تجتمع على ضلالة وبالتالي يكون الشيعة على ضلال ولتذهب النسبيّة إلى جحيم …أهل السنّة والجماعة.

{{منطق التكفير عند القرضاوي}}

إنّ هذه الحجج الثلاث هي التي قادت القرضاوي إلى اتهام الشيعة بالابتداع دينيّا وترجمة ذلك خلاف تاريخيّ أصبح ذا بعد عقديّ وهو موقف الشيعة من الصحابة .وهذا عند القرضاوي “خطّ أحمر” لا يتجاوز استنادا إلى عدوى القداسة التي تصيب في الفكر الديني كل من يقترب من اللحظة التأسيسيّة البانية للعقيدة فيرفع نساء النبيّ وصحابته إلى مصاف الكائنات المقدّسة بعد أن ينزع منها كل الدرن التاريخي الواقعي.

أما الخط الأحمر الثاني فهو نشر المذهب الشيعي في البلدان السنية خوفا من تبدل الرأي بما يهدد وحدة الصف.وهذا عائد إلى حجة الأكثريّة مسنودة بحجة الفرقة الناجية وكله قائم على الخوف على وحدة موهومة والرهبة من التعدّد والاختلاف غير الرحيم.فتستعاد هنا شبكة من المصطلحات كالتنصير والتبشير والتمدد الشيعي والتبليغ …إلخ فتتعدد المصطلحات والخوف واحد.

والمضحك المبكي في بيان القرضاوي أنه اعتبر وصم الشيعة بالابتداع دون إخراجهم من الإسلام من باب الاعتدال والوسطيّة.فهو عمليّا منّ عليهم بعدم التكفير مثلما يفعل الوهابيون.وهنا بيت القصيد دينيّا ومنطلق الرد الشيعي الحادّ.فالأصل الذي يخفيه القرضاوي، وهو منتشر في الفكر السنّي بالخصوص ويلقن للصبيان ،أن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.لذلك فكلام القرضاوي توطئة للتكفير دينيّا أو قل هو من باب وضع الشروط الدنيا لتشغيل آلية التكفير وإن زعم أنه ضدّ التكفير.والناظر في البيان الذي أخرجه القرضاوي للناس يجده يقول بأنه لا يرضى أن يُكفّر ” أحدا من أهل القبلة إلا بأمر قطعيّ يخرجه من دائرة الإسلام أمّا كل ما يحتمل التأويل فالأصل إبقاء المسلم على إسلامه وإحسان الظنّ به وتفسير أيّ شكّ لصالحه”فشكرا للداعية العظيم وحيد القرن الذابّ عن مصالح الأمّة وعقائدها على اعتداله هذا الذي لا يمنع التكفير أصلا بل يعسّر في شروطه باسم الوسطيّة.

{{التعبير الديني عن مشكلة سياسية}}

أن تصريحات القرضاوي على ما فيها من تناسق مع التصوّر الديني عموما والسنّي خصوصا قد أخرجت فعلا وبسذاجة رجل الدين الخارج من المتون القديمة بعيدا عن رياح التصوّرات الحديثة في الفكر والتفكير مجموعة من المفرقعات التي ستصيب الجميع بشظاياها في عمليّة استشهاديّة فكريّة ضدّ الغزو الشيعي.فما الحديث عن الأغلبية والأقليّة والجماعة والمبتدعة إلا وجه ديني لمعركة سياسيّة تنحصر مفرداتها في الاختراق السياسي الإيراني تحت غطاء “التبليغ الشيعي”.
وما الحديث عن الأخطار التي تتهدّد عقائد الناس في شمال إفريقيا ومصر ووحدة صفوفهم إلاّ تعبير ديني عن فكرة المذهب الرسمي المقبول مقابل المذاهب غير المقبولة رسميّا.وما استرجاع مسألة التقيّة في خضم الجدل المحتدم إلا وجه آخر للتعبير عن واقع خنق الحرّيات عموما والحرّيات الدينيّة بما يدفع الناس إلى تنظيمات سريّة ومجموعات تعيش في الأقبية.وما الحديث عن تجنيب المجتمعات السنيّة الفتن والحروب إلا تلميح إلى ما يعيشه العراق ولبنان حسب القرضاوي من اختراق سياسي وعقائدي إيراني شيعي عبر تنظيمات من صنف حزب الله اللبناني.

ولهذا كلّه خرجت من قاموس الفتنة القديمة عبارات مثل ” الرافضة” و “الفرقة الضالّة” التي تكفر الصحابة وتلعنهم وتسبّهم .وهي عبارات يراد منها تحميل إيران مسؤوليّة التمدّد الشيعي لتحقيق مآرب سياسيّة في لعب دور استراتيجي في الشرق الأوسط عموما وفي منطقة الخليج تحديدا.

لقد تداخلت الأرجل بالرؤوس في هذه المعركة السنية الشيعيّة ووقعت فؤوس كثيرة على شجرة الواقع الإسلامي جرّاء هذا التصريح الساذج للقرضاوي إذا سلّمنا تسليما بأنّه لم يقصد ،كما يزعم،إلا الإصداع بالحقّ وبما يمليه عليه ضميره الديني وموقعه في العالم الإسلامي.

والواقع أن هذا الربط بين الديني والسياسي إذا لم يخطر ببال القرضاوي فالطامة أكبر مما نتصوّر.فمضمون أقواله وسلامة طويته لا ينفعان في هذا الواقع الدولي والشرق أوسطي المعقّد الذي تهدّد فيه الولايات المتحدة الأمريكيّة وحلفاؤها صباح مساء إيران ويعملون جاهدين منذ سنوات على نزع سلاح حزب الله.فالواضح أن السنة والشيعة يشتركون في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ولكن المشكلة مع جمهوريّة إيران الإسلاميّة.

وإنّنا لنحتاج إلى كثير من حسن الظنّ لنعتبر موقف القرضاوي موقفا دينيّا لم يقدّر أبعاده السياسية وهو الذي تربّى في أحضان الإخوان المسلمين وانغمس معهم في العمل السياسي بما لاينفع معه الزعم بأنّه رجل مبادئ لا يهتم بالشأن السياسي المباشر.ولكننا من باب إحسان الظنّ بالرجل حملنا موقفه على الإخلاص الاعتقادي والسذاجة السياسيّة.وهذا ما التقطه الكاتب الإسلامي فهمي هويدي حين أدلى بدلوه في الأمر والتقطه بالخصوص وإن بشكل أذكى زعيم حزب النهضة التونسي المحظور راشد الغنوشي في مقال له “بالجزيرة نت” فدافع بشراسة سنيّة عن القرضاوي ضد المتهجّمين عليه من الشيعة ولكنّه أعاد صياغة المشكلة على أسس سياسيّة تسعى إلى تخليص كلام القرضاوي من جانب الفتنة الإسلاميّة – الإسلاميّة ليعيد تركيبه بطريقة تسترجع مبادئ الوحدة والجماعة ونشر الإسلام باعتبارها قواسم مشتركة بين المسلمين بسنتهم وشيعتهم.وهذا ما سنحلّله في الجزء الثاني من المقال.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This