فوبيا الشيعة التي أخرجت، مرّة أخرى، الأموات من قبورهم(2/2)
أبرزنا في الجزء الأول من هذا المقال المنطق المتحكّم في تصريحات السيد يوسف القرضاوي واتهامه للشيعة بالابتداع وخلافه معهم حول سبّ الصّحابة ونشر المذهب الشيعيّ في البلدان ذات الغالبية السنّية. وهو منطق بدا لنا تكفيريّا يلبس لبوس الاعتدال والوسطيّة إذ ينبني فعليّا على مبدإ الإقصاء المتبادل ومقولة الفرقة الناجية الوهميّة والنظرة الإجماعيّة التي لا تعترف بتعدّد الحقيقة. وتلتقي في هذا “وسطيّة” القرضاوي المزعومة بتطرّف الوهابيين. فالاختلاف بينهما في الدرجة لا في النّوع بما أنّ مبدأ التكفير نفسه ظلّ قائما وهو ما يترجم واقعيّا إلى أنّ الاتّهام بالبدعة توطئة للتكفير الذي سيضطلع به على الأرجح غير القرضاوي أمّا الشيخ فسيكون مساهما في صياغة مقدّماته الضروريّة والكافية.
إنّها لعبة سمجة في توزيع الأدوار فإذا قشطنا هذه القشرة الدينيّة فاحت رائحة اللحم السياسيّ العفنة. فالمسألة تنحصر أو تكاد في الاختراق السياسيّ الإيرانيّ الذي دشّنه سقوط نظام صدّام حسين في العراق.
وقد حملنا موقف القرضاوي على أنّه موقف دينيّ ساذج لم يقدّر أبعاده السياسيّة مقابل موقف السيّد راشد الغنّوشي زعيم حزب النهضة التونسيّ المحظور القائم على رؤية سياسيّة توظّف الدينيّ لتغيير مركز الإشكال الذي طرحه القرضاوي.
{{في مقدّمات تحويل وجهة الإشكال}}
وإذا تركنا جانبا دفاع الغنّوشي المستميت عن القرضاوي “أحد رموز الإسلام المعاصر” وصاحب “السيرة العطرة” و”العلاّمة المجاهد” على حدّ وصف الغنوشي (في مقاله بالجزيرة نت) فإننا نجده يركّز على نقطة واحدة تقريبا من نقاط الخلاف وهي النقطة المتصلة بـ”التمدّد المذهبيّ الشيعيّ”.وهنا تبدأ تكتيكات الغنوشي ومناوراته لأجل تحويل وجهة الخلاف بين القرضاوي ومن ردّ عليه من الشيعة.
يبني الغنّوشي خطابه على مقدّمة مفادها أنّ الحركات الإسلاميّة السنّيّة في شمال إفريقيا ومصر تدافع عن “أهمّ أعمدة النظام العامّ” أي “الإسلام في صيغته التي أقرّها جمهور الأمّة” مسلّما دون برهان أو بيان بأنّ هذه الحركات تمثّل المجتمع المدني ( كذا !) وتحرس ” مقوّمات الشخصيّة الوطنيّة” في تلك البلدان. وهي تتعرّض من الأنظمة السلطويّة للاضطهاد والتنكيل. واستنادا إلى هذا سهّلت تلك الأنظمة الشيطانيّة عمل الدعاة الشيعة بما لهم من أموال مصدرها التنظيمات الشيعيّة وربّما دولة إيران الإسلاميّة. وهو ما يسمح بالاستنتاج بأنّ الأنظمة المذكورة تريد ضرب الإسلاميين السنّة بالإسلاميين الشيعة ضربا يمسّ حماة الإسلام الذي أقرّه الجمهور.
ومقابل هذا يصف، في تفهّم كبير ورحابة صدر خلا منهما القرضاوي، ردود علماء الشيعة بـ”الرصانة” مسلّما لهم إنكارهم “وصم مذهبهم بالابتداع أو التشكيك في عقائدهم” مرجعا ذلك إلى ضعف “التثقيف السنّي” وثقة أهل السنّة في أنّهم يمثّلون “أمّة الإسلام”. ولا ندري هل ينطبق كلامه على تصريحات القرضاوي نفسه أم لا؟ لأنّ الأرجح أنّه في هذا يناور ليضعف من حدّة خطاب القرضاوي.
ويستند الغنوشي، محذّرا من عواقب الفتنة السنّيّة الشيعيّة، إلى التاريخين القديم والمعاصر. فقد جرّبتها بلدان شمال إفريقيا ومصر على أيام الفاطميّين وتكتوي “الأمّة” بنارها اليوم في العراق المحتلّ. ولا يستنكف الغنّوشي من الحديث عن مناصرته للثورة الإسلاميّة وتضحيات الحركات الإسلاميّة السنّيّة جرّاء هذه المناصرة ملمّحا بذلك إلى الحالة الثوريّة التي أوجدتها الثورة الخمينيّة في شمال إفريقيا ومصر وانتعاشها إثر ذلك مستلهمة منها الزخم النفسيّ الثوريّ رغم الاختلاف المذهبيّ. فلا مراء أنّ انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران قد جعل شخصا مثل الغنّوشي يجذّر موقفه المعارض ضد النظام البورقيبي ويتجرّأ على التنظّم سياسيّا لتصبح له مطامح أكبر من الدعوة والهداية التي بدأها بتشجيع من أطراف في الحزب الحاكم بتونس لضرب اليسار الماركسيّ والقوميّ. ورغم هذه الاستفادة الكبيرة من الثورة الخمينيّة يتبرّم الغنّوشي من استفادة الجماعات الشيعيّة في مصر والجزائر وتونس ومن غضّ الأنظمة الحاكمة الطرف عن نشاطها من خلال جمعيّات ثقافيّة مثل جمعيّة آل البيت.
ولم تكن هذه المسائل في منطق خطاب الغنّوشي إلاّ ممهّدات للدخول في لبّ الموضوع. ولبّ الموضوع هو نقل المعركة من الفضاء الإسلاميّ إلى غيره من الفضاءات في ضرب من تصدير الأزمة واستحضار عدوّ آخر كان لا بدّ من إيجاده أن لم يوجد حتّى تتوجّه إليه الجهود والحراب وتصرّف فيه الطاقة التدميريّة التي أخرجها القرضاوي وهو يلعب بالقوارير التي كانت محصورة فيها رغم أنّ مدّة صلاحيّتها قد انتهت دون أن تنتهي السموم الموضوعة فيها. وهو تكتيك من الغنّوشي جرّب في الأزمات العسكريّة واستطاع أن يجيّش العامة والرعاع والداصّة لينتقلوا بالمعركة من الداخل إلى الخارج فيكونوا وقودها.وإليكم بيان ما نزعم.
{{مؤامرة على الأمّة !}}
يراهن الأعداء، حسب الغنوشي، وهم يتحرّكون في مواجهة المدّ الإسلاميّ ويخطّطون “لضرب الأمّة بعضها ببعض” على حدّ تعبيره و”زرع الفتن في المجتمعات الإسلاميّة”. فالتدافع السنّيّ الشّيعيّ لا يعود وفق هذا المنطق إلى بؤس التفكير الدّينيّ لدى الفرقتين الضالة والناجية بمشيئة الله ولا يعود إلى أشباح التاريخ الماثلة لدى المحدّقين في غياهب صدر الإسلام ولا يعود إلى القرضاوي وأمثاله بل هو مخطّط من الأعداء. إنّها مؤامرة ضدّ نهوض الأمّة حتّى أنّ القرضاوي، في نسخته التي أراد الغنّوشي تسويقها في مقاله، أصبح شاجبا لـ”سياسة الاختراق المذهبيّ”في الاتجاهين. وعلينا أن نصدّق الغنّوشي في أنّ القرضاوي الذابّ عن دين الحقّ وعقيدة أهل السنّة لا يريد فعلا هداية المبتدعة وإخراجهم من الضلالات! حديث خرافة يا أم عمرو .ولكن هذا التقوّل على القرضاوي ضروريّ للمّ الشمل الإسلاميّ من أجل معركة أهمّ ترفع فيها رايات اللّه ليشعّ نور الإسلام في الأمم التي تعيش في جاهليّة جهلاء تنتشر من آسيا إلى الأمريكيّتين مرورا بأوروبا وأفريقيا السوداء.
فالمطلوب واضح تماما وهو نقل المعركة من “داخل البيت الإسلاميّ” إلى “خارج دار الإسلام”(والعبارتان للغنّوشي) فإذا توسّعت دائرة المذهب توسّعت بسببه دائرة الإسلام. يقول الغنّوشي في طمأنينة الداعية الإسلاميّ التي تخفي قلق الداهية السياسيّ من جدل دينيّ لا مخرج منه:”..إنّ من بين كلّ خمسة بشر هناك مسلم واحد على اختلاف مذهبه فلماذا لا تصرف الجهود في موضعها الطبيعي:دعوة مليارات البشر الذين يموت كلّ يوم معظمهم على الشرك بسبب تقصير المسلمين بكل مذاهبهم في أداء الواجب الشرعيّ في إبلاغ كلمة التوحيد؟” إنه سؤال إنكاريّ يحمل في طيّاته الإجابة الشافية: بدل نشر المذهب في البيت الواحد فلينشر في بيوت الآخرين والغنم سيكون لدين الإسلام، وبدل أن تبدّلوا عقائد السنة أو الشيعة بدّلوا عقائد من يتّبع الأديان المحرّفة والأديان غير السماويّة.
ولكنّ الثمن الذي سيدفع للتهوين من الخلاف السنّيّ الشيعيّ لم يكن مرتفعا جدّا. فالخلاف حول سبّ الصحابة مثلا لا يعدو أن يكون عند الداعية الداهية مجرّد خلاف نفسيّ يعود إلى غلوّ في المحبّة والكره: محبّة الشيعة لأهل البيت وكرههم لغالبية الصحابة. وكفى الله المؤمنين، شيعةً و سنّةً، شرّ الخلاف والاختلاف في شؤون الموتى المقدّسين عند هذه الفرقة أو تلك.
والأنموذج المطلوب لتصدير الأزمة، عند الغنوشي في تصريحه للقدس برس، مستلهم، في ضرب من إغراء الإخوة الشيعة وتضميد جرح اتهامهم بالبدعة، من أنموذج حزب اللّه الذي جعل شيعة لبنان يندمجون بصفتهم أقلّيّة ضمن الأغلبيّة ويوجّهون سلاحهم ضدّ العدوّ الخارجي بدعم من إيران متناسيا، ربّما بسبب المقام والموضوع الشائك، الخلافات الداخليّة اللبنانيّة –اللبنانيّة والبناء الطائفي الخصوصي في لبنان الذي لا يسمح بغلبة طائفة على أخرى غلبة مطلقة ودور البلدان الداعمة العربيّة وغير العربيّة للطائفة السنّيّة، غاضّا الطرف عن الوضعيّة غير الطبيعيّة داخل لبنان تزدوج فيه الدولة ويتعملق داخله تيار مسلّح تسليحا جيّدا على حساب بقيّة التيّارات.
{{تصدير الأزمة : ترياق مؤقّت}}
إنّ ما يقترحه الغنّوشي من حلّ يستند إلى تكتيك تصدير الأزمة وتوجيه الطاقة نحو عدوّ خارجي لا يعدو أن يكون ترياقا مؤقّتا فاسدا .فالأزمة أعمق من التصريح الساذج للقرضاوي والحلّ يتطلّب جهدا أكبر من التكتيكات الظرفيّة.فالمطلوب من المسلمين جميعا التخلّص نهائيّا و إلى الأبد من عقليّة تقديس الموتى الذين يحكمون الأحياء بموجب استعادة عصابيّة مرضيّة لتصوّر تاريخي يعود إلى صدر الإسلام أصبح ذا بعد عقديّ مؤسّس على الإقصاء المتبادل.ونحن نعلم أنّ لهذا الانعتاق من القيد الوجداني التاريخي ثمنا باهظا ينبغي أن يدفع ليبنى الإسلام على الوعي التاريخي الفعليّ لا الاستيهاميّ وعلى الحداثة التي غزت جميع مجالات حياتنا على نحو لا رادّ له دون أن نستوعبها عميقا فيكون القبول بالفصل بين المجالين الديني والدنيوي، على نحو من الأنحاء لا يسمح للمواقف الدينيّة بأن يكون لها تأثير على السياسة ولا يسمح أيضا للمواقف السياسيّة المناورة أن توظّف الدين لتأبيد شقاء الناس واستنزاف طاقاتهم على الفعل في صراعات دنكيشوتيّة لم يعد التاريخ الراهن يسمح بها.
إنّ المفرقعات التي أطلقها القرضاوي وتورّط فيها الغنّوشي ليست إلا تعبيرا دينيّا عن صراع سياسي سيجعل العالم الإسلامي ،لو تتبّعنا المنطق الثاوي وراءه،صورة مصغّرة من لبنان بآذاريّيه المتصارعين وبالاصطفاف البائس الذي يقوده أهل السنة وأتباع أهل البيت.فاللّعبة اللبنانيّة صورة من اللعبة الإقليميّة ولكنّها حين تتوسّع لن يكون فيها أيّ ضمانات للتوازن الهشّ الضروريّ كي لا تنفجر حرب الجميع ضد الجميع.ونحتاج إلى كثير من الغباء حتّى لا نرى وراء هذا التدافع السني الشيعي في التوقيت بالذات تدافعا بين الصعود الإيراني في المنطقة بغية لعب دور استراتيجي في الخليج وفي الشرق الأوسط وبين الجبهة الأمريكيّة التي أوكلت بعض المهام لفاعلين في المنطقة على رأسهم مصر والسعوديّة.
وإذا أخذنا هذه المعطيات، مهما تكن منقوصة ،بعين الاعتبار فإنّ ما يقترحه الغنّوشي ليس هو الحلّ بل هو استمرار في ممارسة لعبة النعامة عبر تصدير الأزمة بدل الانكباب الجذريّ على الخروج من هذه الثنائيّة القاتلة التي ستقود الجميع إلى الهاوية:هاوية لا يقدّرها الداعية ،في ما يبدو، حقّ قدرها وليس في مقدور الداهية بحلوله الوهميّة الخبيثة أن يردمها…ولو مؤقّتا.
