تصحيح لواقعة تاريخية تم تزويرها! خلدون النبواني

–” لا يمكن للقوّة أن تتكشَّف في الأصل إلاّ داخل السُّرعة ” ( نيتشه: الفلسفة في العصر المأساويّ الإغريقيّ )

في السباق الشهير بين الأرنب والسُّلحفاة تذكر الرواية أنّ الأرنب، بعد أن ركض منطلقاً، وجد أنّ المسافة التي تفصله عن السُّلحفاة كبيرة جداً، فقرَّر أن يستريح ويأكل. بعد حين استطاعت السُّلحفاة بجدِّها ومثابرتها الّلحاق به من جديد. غير أنّه تدارك الموقف ببساطة بأن عاود الجري مُخلِّفاً منافسته وراءه بمسافةٍ طويلةٍ أيضا. وهنا قرَّر النوم مُطمئنّاً لسرعته وبُطء غريمته. لكنّ السُّلحفاة تجاوزته، مرَّةً أُخرى، عندما كان يغُّط في نومٍ عميق مُستسلماً لغروره، وقطعتْ خطّ النهاية، هذه المرَّة، مُنتصرةً على الأرنب مُقدّمةً أُمثولةً حيَّة عن الصبر والمواظبة في مقابل الغرور والتكبُّر.

إنّ زعمي ينصبُّ هنا على أنّ الرواية مُزَوَّرَة وأنّ الراوي مُزَوِّرٌ أيضاً. ويعود السبب في تعاطفه مع السُّلحفاة إلى كسله وبلادته وقرب طبيعته من طبيعتها البطيئة وتشابه الزمن الميّت البطيء الرتيب لدى كلٍّ منهما ممّا جعل القصّة ظالمةً للأرنب ذي الأخلاق النبيلة. بل إن حقيقة ما جرى هي التالي:

ما أن بدأ السباق بين الأرنب والسُّلحفاة حتّى وجد الأرنب أنّ المسافة التي تفصله عن غريمته هي مسافةٌ ضوئيةٌ كبيرةٌ جدَّاً. عندها، توقّف بملء إرادته مُقرِّراً وهو بكامل قواه العقلية موقفاً شُجاعاً نبيلاً يُجسِّدُ فيه احترام الذات. أقصدُ هنا: الانسحاب وترك الميدان، إذ رأى أنّ المنافسة غير عادلة والقوى غير مُتكافئة وأنّ انتصاره الحتميّ في هذا السباق لن يُعتبر نصراً بأي معنى من المعاني ولن يجد فيه مكسباً أبداً. حتّى الآخرون لن يعتبروا فوزه – وهو الأرنب السريع – شيئاً يستحقّ التقدير على السُّلحفاة البطيئة المتثاقلة الخطوات. لذلك وأُسوةً بأخلاق صديقه الحصان الذي يترك السباق للخيول الهجينة احتراماً لذاته، قرَّر الأرنب ترك السباق والانسحاب من هذه المهزلة بعد أن لام نفسه على الاشتراك فيها.

بطبيعة الحال كان لا بدّ للسلحفاة بمثابرتها أنْ تصل خطّ النهاية بعد لأي وأن تُعتبر مُنتصرةً ومُحقِّقةً فوزاً ثميناً. ولكنّها، عندما وصلت، لم تجد أحداً بانتظارها ليتوّجها أو حتّى ليهنّئها ويقول لها مبروك، فالجميع قد تعب وملّ الانتظار فقرّر الرحيل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This