المقاومة لا تخوّلكم الرقابة على عقول الناس وأذواقهم! – محمّد ديبو

تعرّض مسلسل الفنار( إخراج خالد بهجت وتأليف مجدي صابر وبطولة صابرين وطارق لطفي وأحمد راتب)  لرقابتيْن كلّ منهما أغرب من الثانية. أوّلهما منع المسلسل من العرض على محطّتيْ قناة النيل للدراما وقناة « دراما رمضان” بحجّة أنّ بطلته (صابرين) محجّبة. وثانيهما قيام  قناة ” المنار ” بحذف مشاهد عدّة من مسلسل ( الفنار ) وتعديل مقدّمة المسلسل وخاتمته الغنائيتيْن وإلغاء مشهد اغتصاب أدّته الممثلة  إيمي لا يستقيم البناء الدرامي للمسلسل دونه وفق تعبير المخرج نفسه، كما قام قسم المونتاج بالمحطّة المذكورة بـ” تستير” الأذرع العارية للممثّلات  الخادشة للحياء العروبيّ المقاوم، عبر إلباسها  أكماماً مستعارة، وقامت أيضا بحذف الأغاني التي  تعرض معاناة الشباب المصري العامل في إسرائيل لتأمين لقمة عيش ضاقت بها أوطانهم العربية، واستبدالها بأغان وأناشيد دينيّة تردّد ( الله وأكبر ولله الحمد ) إضافة إلى حذف أسماء الممثّلين وغيرها من التجاوزات الرقابية التي أثارت حفيظة المخرج ودفعته لـ ” بق البحصة ” التي عضّ عليها كثيرا كرمى لعيون قناة المقاومة، ولكن يبدو أنّ الأمور فاقت الحدّ ولم تعد تحتمل الصبر، فدفعته إلى التصريح للإعلام بما حدث.
بين هذين الحدثين ينتابنا العجب. قناة تريد الحجاب وقناة تمنع بسبب الحجاب، الأمر الذي يُدخل الفنّ والإبداع في متاهات لا يمكن ضبطها، ويضع المخرجين والمبدعين تحت رحمة المنتجين الذين لا يهمّهم في النهاية سوى الربح وبيع العمل ولو خرّبت المحطّة بعد ذلك العمل وشوّهته ونسفت فكرته الرئيسة. وهنا رغم أنه لا عذر للمحطّات الثلاث في جنايتها على العمل ، تبدو المحطّتان المصريّتان أكثر انسجاما مع قوانين الرقابة الرديئة بكافة أشكالها، إذ اكتفت بمنع العملين من العرض، بينما قامت قناة المنار بالتشويه والتحريف والتعديل ممارسة بذلك وصاية فوقيّة ودينيّة على عقل المشاهد الذي قالت عنه بأنّه ( مشاهد المنار) لا يتقبّل هذه المشاهد، الأمر الذي يعني أنّ القناة لها مشاهدها الخاص بها وهي بذلك تطرد كل من لا يريد الالتزام بتلك الصبغة الأخلاقية من مشاهدتها، الأمر الذي يدفع المرء للعجب والتساؤل: ماذا عن جمهور المقاومة ؟ أنا مثلا من جمهور المقاومة ومؤيّديها ولكنّي لست مع المنع والتحجيب ولست مع خيار القناة  الدينيّ!
الإجابة عن هذه الأسئلة معقّدة ومربكة في حالة القناة التي خلطت بين الدين والسياسة والمقاومة، حيث استطاعت صفة المقاومة التي اكتسبتها أن تلغي مثالب القناة الأخرى وهي متعدّدة وساهم في ذلك صمت الكثير من المثقّفين والمفكّرين عن ذلك لعيون المقاومة وتقديرا للظروف التي مرّت بها مؤخّرا، وهم بذلك ساهموا– وأنا منهم- في انحراف القناة نحو مهاوي التحريف والمنع والحجب وفي إسكات كلّ صوت يطالب برأي مغاير، والحجّة الجاهزة دوما ” تشويه صورة المقاومة ” التي نريد حمايتها نحن من تصرّفات القناة التي تسيء للمقاومة وسمعتها العربية. وهنا سنسلط الضوء على بعض مثالب القناة.
علّمتنا قناة المنار على الصدق وعلى أنّها قناة المقاومة في العالم العربي. وصدقا كنّا نتابعها بمحبّة عبر حرب أيلول وكنا نستقي منها وحدها الخبر ” الصادق “، بل لم نكن نصدّق خبرا يتعلّق بالحرب ما لم تذعه قناة المنار بنشرتها الإخبارية، ولكنّ هذا وجه من وجوه القناة المتعددة التي تقدّم نفسها على أنّها ” قناة المقاومة وقناة المسلمين في العالم العربي والعالم أجمع “. للقناة وجوه متعدّدة ووظائف متعدّدة، منها أنّها صوت الشيعة في العالم العربي لا صوت (المسلمين) كما تقول عن نفسها، إذ يستحيل أن نجد على القناة برنامجا دينيّا يذكر أحدا من الصحابة أو الخلفاء الراشدين، كما أنها الصوت الإيراني شئنا أم أبينا. مثلا، نرى، دائما، أخبار الخامنئي وأخبار السيّد نجاد تتصدّر نشرات الأخبار، الأمر الذي يجعلنا نتساءل ما الذي يجعل خبرا إيرانيّا يتصدّر مقدّمة نشرة أخبار محطّة تنطق باسم حزب  ديني عربيّ مقاوم يتبنّى خيارات المقاومة والعروبة من أوسع أبوابها؟
ولكن أكثر ما حزّ في نفسي وفي كرامتي كشخص يحبّ المقاومة هو عدم عرض أغنية أحبّائي التي قدّمتها المغنّية الرائعة جوليا بطرس وجعلت ريعها يعود لأسر شهداء حرب تموز الذين نفخر بهم على قناة المنار. (هذا ما صرّحت به المغنّية للتلفزيون الذي استضافها بعد انتهائها من جولة أحبّائي، رغم أنّها قدّمت تبريرات للمحطّة المذكورة قائلة إنّها تتفهّم الأمر عن طيب خاطر). لماذا؟ هل لأنّها غير محجّبة؟ أإلى هذا الحدّ يهيمن الدينيّ على السياسيّ في سياسة القناة؟
أغنية غنّيت للمقاومة ومجّدت شهداء المقاومة، وعاد ريعها لأسر شهداء المقاومة، وتمنع من العرض على ” قناة المقاومة ” ! فعلا، أمر يثير  العجب ! بالعودة إلى المسلسل برّرت إدارة المنار ما قامت به على أنّه ” أمر طبيعيّ أن تختار «المنار» أعمالاً دراميّة تتوافق مع ضوابطها الأخلاقيّة والشرعيّة التي تحرص على مراعاتها. إضافة إلى الرسالة والأهداف التي تحضّ على تطوير الحالة المعرفيّة لدى المشاهد وليس من أجل الترفيه غير الهادف ”   (الأخبار  -عدد الثلاثاء ١٦ أيلول ٢٠٠٨). فإذا كان المسلسل يخرّب الأخلاق ويخرج عن الصراط المستقيم ولا يتوافق مع الضوابط الأخلاقية والمعرفية للقناة ويسعى لتقديم ترفيه غير هادف … فلم اشتروه إذن؟ من خلال ردّ القناة نرى أنّ القيميّن على القناة مقتنعون تمام الاقتناع بشرعيّة ما قاموا به وأنّ من حقّهم (من أين أتوا بهذا الحق؟)  حذف أي مشهد لا يتناسب مع طبيعة القناة ومشاهديها، ويحقّ لهم باسم الدين والمقاومة الرقابة على عقول المشاهدين وأذواقهم لتضمن تربيتهم بشكل جيّد وكي لا ينحرفوا عن الضوابط الأخلاقية والشرعية التي يبثّها المسلسل الذي اشتروه !
وهذا ما جاء في رد القناة على المخرج ” نعمد إلى حذف أي مشهد لا يراعي الأخلاق العامّة. لذا، فمن الطبيعي أن نستبعد مشهد الاغتصاب، وإن كان المخرج يؤكّد أنه نُفّذ بطريقة لا تثير الاشمئزاز. ذلك أنّ فئة معيّنة من الجمهور، وخصوصاً مشاهدي قناة المنار، لا يتقبّلون مثل هذه المَشاهد..”  ( الأخبار عدد الثلاثاء ١٦ أيلول ٢٠٠٨). وكلّ مَن يخرج عن هذا الرأي تُهمته جاهزة ” خلق نوع من الإثارة واتّهامه بعدم الموضوعيّة مطلقاً، ويضعه في خانة استكمال الهجوم على القناة، وتصويرها على أنّها قناة متخلّفة ورجعيّة ». (الأخبار، العدد نفسه ).
على قناة المنار أن تحترم مشاهديها، وأن تدرك أنّ مشاهديها ليسوا فقط أصحاب اللّحى وليسوا من الملتزمين دينيا على طريقة حزب الله الدينية، فهناك علمانيّون يؤيّدون المقاومة ولكنّهم يرفضون الوصاية على عقولهم ويرفضون الانصياع داخل مجتمع المقاومة الذي يجب تربيته وتهذيبه. هذا إذا أرادت القناة أن تكون صوت المقاومة، أمّا إذا أرادت أن تنزلق نحو مزالق محطّات التشنّج الديني والطائفي فعندها عليها أن تكفّ عن القول أنّها ناطقة باسم المقاومة وجمهورها لأنّ المقاومة لا تخوّلكم الرقابة على عقول الناس ولا تخوّلكم بتر الأعمال الإبداعية الجميلة لصالح نظرة دينية مغلقة ومتزمّتة.
هل يرضى المقاومون أن يقوم أحد ببتر مشاهد من خطاب السيد نصر الله وتوظيفها في سياق آخر؟ هم حتما لا يقبلون ولذلك عليهم الكفّ عن اللعب على الخط الفاصل بين الدين والسياسة والمقاومة. عليهم أن يتقبّلوا الإبداع والفن وفق منطلقات الفنّ لا وفق ضوابط النهي والمنع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعلى المخرجين والمبدعين أن يطالبوا بحقوقهم، ويمنعوا ” تمريق ” هذه الظواهر ويعاقبوا من تمتدّ يده إلى نصوصهم  تحت اسم حماية قناة المقاومة وعدم توريطها، لأنّهم، بصمتهم، يسيئون للمقاومة فعلا ويخبّئوا مثالبها التي نتمنّى أن تتخلّص منها لصالح خطاب عقلانيّ منفتح لا مكان فيه للحجب والمنع والتكفير.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This