تتميم مكارم الأخلاق… في عصرنا
من ثوابت تاريخ الإنسانية الشامل سعي الإنسان باستمرار إلى تحسين سلوكه وإضفاء معنى وقيمة عليه إلى حد الحديث في هذا الصدد عن “تربية الجنس البشري” [عنوان كتاب للفيلسوف الألماني ليسنج (1729-1781)].
وهذا التحسين وهذه “التربية” ليسا مطلقين ولا هما سارا دوما في خطّ مستقيم خلا من كل تعرّجات بل وانتكاسات. كما أنّ مضمونهما ليس مقدّرا سلفا على الإنسان.
فالإنسان ليس خيرا تماما ولا شريرا تماما ولكنه يحمل في ذاته بذرة أصلية لهذا وذاك، والتربية هي ما يقرّر غلبة بذرة الخير أو بذرة الشر. والتربية هنا لا يمكن أن تعني إلا شيئا واحدا: ربط السلوك الأخلاقيّ بإرادة الفرد الحرّ العاقل وتضمين هذا السلوك مبدأ التحسين المستمر لذاته…بمعنى أنّ كلّ عصر تاريخيّ يتضمّن مبدأ وإمكانية “تتميم” مكارم أخلاق عصر سابق. وليس هذا الأمر-ضرورة- سقوطا في نسبوية أخلاقية مذمومة. فالفعل الأخلاقيّ يكون كذلك بمقدار استمداده لشرعيته من ذاته وليس من “آمر” أو “غاية” خارجيين.كما أنه ليس نزعة تاريخية فلسفية تسطيحية وساذجة. فلا شيء مقدّر سلفا في تاريخ المجتمعات الإنسانية.هذا أوّلا.
ثانيا: لقد ورث الإنسان المعاصر مكارم أخلاقية جليلة تدخل في نطاق ما ندعوه بـ”المشترك الإنسانيّ” أخلاقيا… وهي “مكارم” حصلت نتيجة ثورات وحركات إصلاحية جذرية وعميقة مهّدت لها وقادها حكماء وأنبياء وفلاسفة وزعماء، كلّ واحد في عصره كان “يتمّم”-وبمعنى من المعاني- مكارم أخلاق عصر سابق، فيكسب الإنسان –على درب تربيته كجنس- مزيدا من التقدم الحضاريّ… الأخلاقيّ.
ثالثا: إن وضع الإنسانية اليوم أخلاقيا هو معقّد وملتبس: فمن جهة، هناك قيم ومثل وفضائل أضحت في حكم المكتسب حقوقيا وقانونيا (مثال: وثيقة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا)، ومن جهة أخرى، هناك الخرق والاستهتار والتنكر لكل هذه القيم والمثل و الفضائل كما تمارس على أرض الواقع. بل إن هناك ما هو أفظع: تهديد الإنسان في كينونته الأخلاقية ذاتها (أي تهديده في صميم وجوده ككائن حرّ يضفي معنى وقيمة أخلاقيين على وجوده ذاته) من جراء استفحال وتسرطن عناصر وشبكات التسطيح والتشويه والتخريب التي تطال -أعمق ما تطال- إيمان الإنسان بقدرته على إنجاز تراكم دائب لمكارم الأخلاق و”تتميمها” من داخل شروط العصر/الراهن القائمة…
رابعا: و”تتميم” مكارم الأخلاق في عصرنا هذا هو رهن –من جهة- بتخليص الفضاء العموميّ العالميّ من نزعات الشكّ والعدمية المطلقين ودعوات المحافظة والرجوع إلى سلف موهوم –ومن جهة أخرى- الانخراط في حوار يحترم أخلاقيات الحوار ويؤصل لها: المعقولية، الحقيقة، الصواب، المصداقية. بتعبير آخر: إنّ الخروج من شرنقة الوعي المحصور (= الوعي الذاتيّ، الوعي الإثنيّ، الوعي الملّيّ…) إلى فضاء التواصل الإنسانيّ الأرحب، واعتماد أخلاق الحوار كما هي مقرّرة في جسم اللغة التي هي أداة التواصل الإنسانيّ بامتياز مما يكسب الفرد قدرات الحجاج والمناقشة العقلانيين النقديين، إنّ هذه الواقعة –في تقديري- لهي المكرمة الأصيلة التي بها –إذا تحققت وتعمّمت- “يتمّم” عصرنا “مكارم الأخلاق” الموروثة والمختزنة عن سلف الإنسانية الصالح والمستنير!
