أصل العالم ، ملء العين
سألني صديقي الرسّام:
– هل تعرفين ما هو أصل العالم؟
فكّرت قليلا، ثم أجبته :
– الكلمة؟
ربّما مستندة على مقولة ” في البدء كانت الكلمة “، فأجابني:
– كلاّ، ليس هذا أصل العالم، انتظري، سأريك أصل العالم.
نهض عن الأريكة التي كان يجلس عليها، وتوجّه نحو ركن لوحاته وألوانه وأوراقه المبعثرة، ركن الرسم والجنون، وعاد ببطاقة ” كرت بوستال ” وقدّمها لي:
– انظري، هذا هو أصل العالم.
وما أن رأيت الصورة، حتى علت الحمرة وجهي.
فقال مفسّرا:
– اقرئي المكتوب خلف البطاقة. أصل العالم، هذه لوحة مشهورة، اسمها هكذا.
خلف البطاقة، ثبّتت الكلمات التالية: “لُـ أوريجين دو موند ـ غوستاف كوربيه ـ أورسي”.
شعرت يومها بخجل من نفسي، لعدّة أسباب:
– لأنّي شعرت بالخجل، كامرأة قروية لا تعرف شيئا عن الحضارة، بمجرّد رؤيتي للبطاقة، أمام صديقي الرجل وزوجته التي تعاملت مع الأمر بعادية شديدة.
– لأنّي، للحظة، أسأت تقدير دوافع الرجل، الذي لم يكن يفكّر بمغازلتي كامرأة، بل يقدّم لي معلومة، باعتباري إنسانة.
– لاطّلاعي على تلك اللوحة، في عمر متأخّر.
2
لم أكن أجد طريقة لأعبّر فيها عن تقديري للشخص، أو الأشخاص، القائم على اختيار اللوحات المصاحبة لمقالات “الأوان”. ففي الوقت الذي درجت فيه عادة نشر صور الكتّاب، يقوم “الأوان”، بنشر لوحات متميّزة، ولا أجد كلمة أدقّ من هذه: متميّزة.
ولكنّ اختيارات ” ملء العين ” كانت تثير اهتمامي في أغلب الأحيان. وذات مرّة قلت لأحد الأصدقاء ” لم يتبقّ أمام الأوان سوى نشر لوحة أصل العالم “. كنت أظن آنذاك أنّ الفكرة خيالية. وأنّ هذا ما لا يمكن أن يتمّ. فأنا أعرف التابوات التي تحيط بنا. والفضائح التي يثيرها القرّاء، لمجرّد نشر صور ممثّلات تظهر فتحات صدورهنّ، وإن كانت الصورة لامرأة في مايوه السباحة، لطبّق الحدّ على ناشري الصورة. أمّا نشر ” أصل العالم “، كان هذا في مخيّلتي، قمة الفانتازيا.
إلا أنّي فتحت موقع الأوان، يوم الجمعة العاشر من أكتوبر، لأرى ” أصل العالم ” تتألّق في ” ملء العين” فأحسست بغبطة واحترام، لا بدّ لي من إظهارهما، تقديرا للشخص الذي اختار، ونفّذ اختياره، بأن فتح نظر العالم العربيّ، على أصل العالم.
3
في زيارتي الأولى لمتحف أورسي، أوّل شيء قمت به، هو البحث عن لوحة غوستاف كوربت وما إن وصلت إلى جناح تاريخ الفنّ الحديث حتى رأيت اللوحة معلّقة في ركن من الجدار، دون تهليل أو ترويج . مثلها مثل اللوحات الأخرى. ينظر إليها الجمهور، كما يتعامل مع غيرها، باعتبارها لوحة. ويعبر، للوحة أخرى.
أما في زيارتي الثانية لمتحف اورسي، وكنت مصحوبة بمجموعة من الصحافيات والصحافيين العرب، فلم يكن الانطباع ذاته.
فقد تهامسنا قبلا، دارلين وأنا، عن ردّة فعل الشباب العرب حين رؤية اللوحة. وهذا ما حدث.
كما لو أنّ حفلة مباغتة قامت في المكان. بدأ الشباب بالتحدّيات والمراهنات، في التقاط صورهم جانب ” فرج ” عشيقة كوربيه.
وبدأت التعليقات والأصوات العالية. فانضمّ إلينا الكثير من زوّار المتحف، كما لو أنهم لم يروا اللوحة من قبل، بل أعادوا رؤيتها عبر عيون الرجال العرب، الممزوجة بالصدمة والخجل والتحدّي.
أحدهم رجاني أن لا أري صورته لأحد، وقد التقطت له الصورة، بناء على طلبه، كمراهنة بينه وبين زميل آخر. إلا أني حذفتها فيما بعد، احتراما لرغبته في الكتمان، إذ قال لي : ” ستكون فضيحة أخلاقيّة لي”، مع أنّ اللوحة معروضة في متحف، وليست جسد امرأة في غرفة خاصّة، أو غرفة فندق!
اجتمع كثير من الزوّار، على تجمّعنا قرب لوحة ” أصل العالم ” مندهشين من دهشتنا.
قلت للصحافية التي كانت معي: لماذا لا تلتقطين الصور هنا أيضا؟
فأجابتني بوقاحة: عندي أفضل منه، يكفيني أن أضع الكاميرا بين ساقيّ، وأضغط زرّ التصوير.
4
أصل العالم، اللوحة المرسومة من قبل غوستاف كوربت عام 1866، لوحة زيتية بقياس 46 سم على 55 سم . تعرض ” فرج ” وبطن امرأة مستلقية، منفرجة الساقين.
قام كوربيه برسم اللوحة وكان له من العمر 37 سنة، بناء على طلب الدبلوماسيّ التركيّ ـ المصريّ خليل بيك، الذي كان مقيما في فرنسا. ظلّت مخبّأة في حمّام الدبلوماسيّ. ثم انتقلت ملكيتها من شخص لآخر إلى أن استقرّت لدى المحلّل النّفسانيّ جاك لاكان. وانتقلت وراثتها النهائية لمتحف أورسي عام 1995.
أكثر من مائة عام مضت على إنجاز كوربيه للوحته، وتمّ التكتّم عليها آنذاك. أما اليوم، فهي معلّقة على جدار المتحف، “ملء عينِ”.. العالم . في الوقت الذي لا يزال العالم العربيّ يتكتّم على لوحة امرأة مكشوفة الصدر مثلا، فهل لا يزال العالم العربي فكريا، ينتمي للمائة عام التي تفصل ثقافتي التكتّم التي عاشها الغرب، والمجاهرة التي يعيشها الآن. هل لا نزال نعيش ثقافيا في عام 1866؟
