في‮ ‬ضرورة تصحيح الصحاح

اقتنع العلماء المسلمون في‮ “‬فجر الإسلام‮” ‬وفي‮ “‬ضحاه‮” ‬أنّ المعرفة والحقيقة أمران‮ ‬يشكّلان جوهر ما كانوا‮ ‬يصبون إليه؛ وقد ترسّخ لديهم،‮ ‬في‮ ‬البداية،‮ ‬أنّ الحقيقة هي‮ “‬الله‮” ‬أو فكرة‮ “‬الله‮”‬،‮ ‬وإنّ من مهامّ العلماء البحث و”محاولة‮” ‬الاقتراب من حقيقة هذا‮ “‬الفهم‮” ‬وهذا‮ “‬المفهوم‮”. لذلك لم‮ ‬يتردّدوا في‮ ‬مناقشة ومجادلة ومساءلة كلّ شيء. ‬ فالقرآن ظلّ محطّ نقاش،‮ ‬إلى حين أغلق على النصّ بين دفّتي‮ ‬المصحف،‮ ‬وانتدب له حرّاس أوكلت لهم مهمّة الدفاع عن‮ “‬حقيقته‮” ‬بكلّ الوسائل‮ (‬وهو ما سنعود إليه لاحقا‮). ‬أمّا الحديث فقد كان من الأمور التي‮ ‬نهى عنها الأوّلون،‮ ‬بحيث نهى عن جمعه الرسول،‮ ‬ومن بعده الخلفاء،‮ ‬وشدّد على ذلك عمر حتى لا يختلط بالنص القرآنيّ‮ .‬ولم‮ ‬يكتب لهذا المتن الجمع إلا مع بداية القرن الثاني‮ ‬الهجريّ ‮. ‬فازدهرت صناعة جمع الحديث،‮ ‬وسادت وترتّب عن ذلك ظهور علم،‮ ‬له قواعده وضوابطه،‮ ‬هو ما عرف بعلم الحديث‮.‬

إذا عدنا إلى السياق الذي‮ ‬جمع فيه‮ “‬المتن الحديثيّ‮”‬،‮ ‬سنجد أن ما عرف بـ‮ “الصحاح‮” ‬قد وازتها انتقادات وجدال ومناقشات وتجريح وتعديل وردّ،‮ ‬ومن هنا،‮ ‬فإننا لانفاجأ إذا طالعنا السياق التاريخيّ‮ ‬ووجدنا فقهاء وعلماءَ حديثٍ لا يسلّمون بصحيح البخاري‮. ‬ومن أشهر نقّاد الصحيحين‮ (‬البخاري‮ ‬ومسلم‮) ‬أحمد بن حجر العسقلاني‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ “‬هدى الساري‮” ‬منبها فيه إلى وجود أخطاء من حيث السند والمتن،‮ ‬يقول أحمد أمين في‮ ‬ضحى الإسلام‮ ” ‬ولكنا رأينا عند عد أحاديث البخاري‮ ‬أنه لم‮ ‬يقتصر على الأحايث الصحيحة بهذا المعنى،‮ ‬بل ذكر أحاديث موقوفة ومقطوعة،‮ ‬وقد قالوا إنه إنما ذكرها للاستئناس لا لتكون أساسا للباب‮”،‮ ‬كما نجد الألباني‮ ‬يقول في‮ ‬مقدمة كتابه‮ “‬آداب الزفاف في‮ ‬السنة المطهرة‮”: “ما من شأنه تفكيك آليات الفهم والإدراك التي‮ ‬يمارسها ويستخدمها المتعصب الإسلامي‮ ‬تجعله‮ ‬يحسّ بأنه‮ ‬يقوم بواجبه الدينيّ‮ ‬عندما‮ ‬يرفض كلّ نقد أو مسّ بصحيح البخاري‮!” ‬وقد ذكر العديد من الفقهاء أنه لا إجماع على إمامة البخاري‮.‬

ويذكرالمؤرخون أنّ البخاري‮ ‬لم‮ ‬ينته،‮ ‬في‮ ‬حياته،‮ ‬إلى وضع كتابه في‮ ‬صيغة نهائية،‮ ‬إذ أورد أحمد أمين في‮ ‬ضحى الإسلام،‮ ‬أنه قام بعض الناسخين بضمّ باب لم‮ ‬يذكر فيه حديثا إلى حديث لم‮ ‬يذكر له بابا،‮ ‬وقال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملى‮: “‬انتسخت كتاب البخاري‮ ‬من أصله الذي‮ ‬كان عند صاحبه‮ (‬أي‮ ‬صاحب البخاري‮) ‬محمد بن‮ ‬يوسف الفرَبزي‮ ‬فرأيت فيه أشياء لم تتمّ وأشياء مبيضّة،‮ ‬منها تراجم لم‮ ‬يثبت بعدها شيئا،‮ ‬ومنها أحاديث لم تترجم لها،‮ ‬فأضفنا بعض ذلك إلى بعض‮”. ‬وهذا ما أكّده الباجي‮: “‬إنّ الروايات مختلفة بالتقديم والتأطير مع أنهم انتسخوا من أصل واحد‮. ‬وإنما ذلك بحسب ما قدَّر كل واحد منهم فما كان في‮ ‬طرّة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما فأضافه إليه،‮ ‬ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس فيها أحاديث‮”.‬

يبدو أنّ هذين النصين‮ ‬يحملان عددا من الدلالات التي‮ ‬تجعلنا نعيد النظر في‮ ‬الصحاح انطلاقا من السياق الثقافيّ‮ ‬العامّ الذي‮ ‬أنتجت فيه،‮ ‬ويمكن أن نستخلص عددا من وجوه النقد التي‮ ‬عبّر عنها المحدثون ونقدة الحديث‮:‬

‮–‬ثمة متون وردت في‮ ‬الصحيح وهي‮ ‬تخالف السيرة وما صحّ عن النبي،‮ ‬وتخالف المعقول في‮ ‬الشريعة،‮ ‬بل ومعارضة للقرآن،‮ ‬ومن ذلك مثلا‮: ‬حديث‮ ‬غمس الذباب في‮ ‬السوائل،‮ ‬وحديث نقصان النساء للعقل والدين،‮ ‬والذي‮ ‬سيصبح ملتقى‮ ‬تأويلات واجتهادات أحرجت الفقهاء،‮ ‬وانهمكوا باحثين عن مخارج للمأزق‮. ‬

‮–‬قطع الحديث بذكر بعضه في‮ ‬باب والبعض الآخر في‮ ‬باب آخر،‮ ‬مع اختلاف الرواية،‮ ‬وبعضها‮ ‬يرد متّصلا والآخر منقطعا‮. ‬كما نشير إلى أنّ عدد الأحاديث التي‮ ‬انتقدها حفّاظ الحديث تصل إلى‮ ‬110‮ ‬منها‮ ‬32‮ ‬حديثا اتفق فيها مع مسلم و78‮ ‬انفرد بها البخاري‮.‬

‮–روايته لرجال‮ ‬غير ثقات وقد ضعّف الحفاظ نحو الثمانين من الذين روى عنهم البخاري‮.‬

واضح من خلال ما ذكرناه،‮ ‬أنه قد استقرّ في‮ ‬أذهان المسلمين،‮ ‬السنة منهم على الخصوص،‮ ‬أن ما ورد في‮ ‬المجاميع الصحيحة المنسوبة إلى الرسول،‮ ‬هي‮ ‬متون‮ ‬يستحيل الطعن فيها وفي‮ ‬حُجّيتها وصحّتها،‮ ‬مما رسّخ اعتقادا من الصعب مراجعته‮ -‬حسب بسّام الجمل‮-. ‬والحال أنه‮ ‬يتعذر إيجاد مفهوم واضح للصحة،‮ ‬نظرا لارتباطه لحظة إنتاجه،‮ ‬بعدد من المعايير التي‮ ‬تتّسم بالنسبية المحكومة بالموقف العقدي‮ّ. ‬لذلك ما‮ ‬يراه السنة صحيحا‮ ‬يُعدُّ موضوعا ومختلقا ومحرّفا عند البعض الآخر من المذاهب‮.‬

ونظرا لاضطلاع الحديث بوظائف‮ ‬غاية في‮ ‬الأهمية،‮ ‬بالنظر إلى الآليات المتحكمة في‮ ‬صناعة الحقيقة الدينية‮ (‬السنية على وجه الخصوص‮). ‬فإنه‮ ‬يبقى من الضروري‮ّ ‬إعادة النظر في‮ ‬المسلّمات التي‮ ‬يقوم عليها هذا الخطاب الدينيّ‮ ‬المتأسّس على‮ “‬إطلاقية‮” ‬الحقيقة المستندة إلى مرجعية الحديث‮ (‬باعتباره قولا وتوجيها وتشريعا‮) ‬وينبغي‮ ‬مراجعة ثلاثة اعتبارات،‮ ‬تعامل معها هذا الخطاب،‮ ‬بصورة‮ ‬غامضة ولاعقلانية،‮ ‬وتقديسية‮.‬

‮–‬إنّ المسافة الزمنية بين الحديث وجمعه مسافة لا يمكن الاستهانة بها،‮ ‬فهي‮ ‬تتجاوز القرن،‮ ‬على أقلّ تقدير،‮ ‬وهي‮ ‬مسافة تكفي‮ ‬لكي‮ ‬تتسرّب إلى المتن عدّة تعديلات،‮ ‬وتشويهات،‮ ‬وتدليس،‮ ‬وتقديم وتأخير،‮ ‬وقلب،‮ ‬وحذف وزيادة‮. ‬وهي،‮ ‬أيضا،‮ ‬أمور‮ ‬يصعب التسليم بأنّها ظلّت محفوظة كما نطق بها النبيّ‮.‬

‮–‬اعتقاد العلماء أنّ التبديل والتغيير لا يمسّان بجوهر الحديث،‮ ‬في‮ ‬حين أنّ تغيير لفظ بآخر هو تغيير في‮ ‬الدلالة والمعنى‮.‬

‮–تضخّم عدد الأحاديث،‮ ‬مع تقدّم الزمن‮. ‬علما أنّ أغلب الأحاديث هي‮ ‬روايات آحاد‮. ‬وإنّ البخاري‮ ‬احتفظ بما مجموعه‮ ‬7563‮ ‬حديثا من بين ما‮ ‬يناهز الستمائة ألف حديث كان‮ ‬يتم تداوله في‮ ‬زمنه‮.‬

إذن كيف‮ ‬يجرؤ سدنة الدين،‮ ‬اليوم،‮ ‬على تحصين هذا الخطاب،‮ ‬والإبقاءعليه في‮ ‬برج لا يسمح بالاقتراب منه،‮ ‬علما أنّ الحقيقة تظلّ دائما نسبية،‮ ‬وإنّ ما‮ ‬يهمّ من عمل البخاري‮ ‬واجتهاده،‮ ‬هو طريقته في‮ ‬الاشتغال،‮ ‬وليس المتن الذي‮ ‬قدّمه وصنعه،‮ ‬بحيث إنّ قيمة عمله تكمن في‮ ‬محاولته البلوغ‮ ‬إلى المتن الصحيح‮. ‬وهي‮ ‬مجرد محاولة توسلت سبلا معيارية،‮ ‬من‮ ‬غير أن‮ ‬يعني‮ ‬ذلك أنها بلغت الوجه‮ “‬الصحيح‮” ‬وقبضت على‮ “‬حقيقة‮” ‬المتن‮. ‬لذا فإنّ‮ “‬الصحاح‮” ‬تظلّ في‮ ‬أمسّ الحاجة إلى‮ “‬تصحيح‮” ‬جديد،‮ ‬في‮ ‬ظلّ وجود آليات علمية تساعد على الاقتراب أكثر من‮ “‬الحقيقة‮”.‬

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This