القرآن/الشعر: سورة المسد أنموذجا

       دأب المسلمون على اعتبار لغة القرآن قانونا نافذا على الدّهر؛ فلا ينبغي لعصر يأتي إلاّ أن يكون من جنس زمن الوحي. ولعلّ هذه القداسة المثيرة التي أسبغوها على لغة القرآن ـ وهم الذين جرّدوه من رقّ الزّمان والمكان ـ كانت من أهمّ الأسباب التي صرفتهم عن العامل الزّمنيّ في تطوّر اللّغة بل ربّما حجبت عليهم ما تعكسه لغة القرآن نفسها، من تأثّر بالشعر ومن مراحل متفاوته في تطوّر العربيّة اللّغويّ ومن فروق شتّى بين أداء شفهيّ وأداء كتابيّ قد يتداخلان في النصّ الواحد.

       والحقّ أنّ القرآن يستلهم  الكلام المألوف في عصره، مثلما هو يستلهم أيضا “الشّعبيّ” وهو ليس  اللّغة المحكيّة،وإنّما مستوى أدنى منها. ومثال ذلك “سورة المسد ،مكية “؛ ففيها من عناصر الكلام المألوف ما يدلّ على أنّها تجري في الكلام الشّعبي الذي هو أقلّ صحّة وضبطا من “المألوف”، إذ يجري عادة على ألسنة العوّام الذين لم يرزقوا حظّا وافرا من المعرفة:ف”تبّت يدا أبي لهب” من قولهم في الدّعاء: تبّا له أي ألزمه الله خسرانا وهلاكا. وتبّب فلانا أي قال له تبّا لك، بمعنى أهلكه. وتبّت يداه أي خسرتا.

وكذلك قوله” في جيدها حبل من مسد” فالمسد حبل من ليف أو حبل محكم الفتل:صورة استعاريّة  للمرأة وقد مسخت دابّة.

ولا نخال سورة كهذه إلاّ صورة من الكلام الشّعبي الشّائع بين النّاس الذي يتّخذ وسيلة للنّيل من “المهجوّ ” والدعاء عليه والغضّ من شأنه وإذاعة مثالبه(برغم أن لا مثالب لأبي لهب في السّورة،خاصّة أنّ النصّ القرآني لا يشير إلى طلاق بنتي النّبي من ولدي أبي لهب). بل يرد اللّفظ  في السّورة عامّا فضفاضا،خاصّة أنّه لا بيرح مدار الدعاء.وهو،من ثمّة، يجري مجرى ” بديل انفعاليّ” ذي ميزة شفهيّة.

وربّما لا مناص هاهنا من التّسليم بالتّفسير الذي يقدّمه “جيرود” ، فالعوّام ” يأنفون من التّعبير عن المشاعر النّزيهة [المترفّعة] ومن إظهارها إذ يرون فيها علامة أنوثة وصبيانيّة، ويتّقون انفعالهم بأنواع من العنف والفحش يعتاضون بها عن شعور بالضّعف…والميزة الأسمى [لديهم] هي أن تكون فظّا “.
      (Guiraud,l’argot,Paris 1966,p44)

       وهذه إشارة يمكن أن نستثمرها في تعليل هذا النّوع من ” التّهجين” اللّغوي  الشائع في شعر العرب وبخاصّة في غرض مثل الهجاء محكوم بانفعال المخاطب.فكلّما كان انفعال الشاعر أو المتكلّم أشدّ، ابتعد عن التّركيب النّحويّ “الكتابيّ” وعن مصطلحه، وتمخّضت التّعبيريّة لديه باستجلاب الشّفهيّ القائم على نوع من التّنسيق”الاستطراديّ” الذي يحلّ محلّ التّنظيم الكتابيّ المحكم. ونقدّر أنّ هذا الضرب من الدعاء في سورة “المسد” نوع من الهجاء أو هو شكل وراثيّ “تأسّليّ” أي عودة إلى طباع الأسلاف والتّشبّه بهم في الأخلاق والشّّمائل أووراثة الأفكار والتّصرّفات المتحدّرة من الأجيال السّابقة.

(Heuvel ,Piere Van Den,Parole Mot Silence ,Librairie José Corti 1985

, pour une poétique de l’énonciation p.53  ) 

Le Skaz (ترجمة تودوروف ب Récit direct غير دقيقة في نظر فان دان هوفل) و Atavique انظر للتّوسّع: Jakobson, « Du réalisme artistique » p.98-108ـ

وروبرت شولز” البنيويّة”، ص.73 ومابعدها)

       وقد يبلغ الانفعال درجة قصوى يعجز التّخاطب الكتابيّ عن أدائها، فيترجّح الخطاب في الشّفهيّ على قاعدة نوع من التّرخيم Syncope أو الحذ ف قد يكون نحويّا وقد يكون “موسيقيّا” وذلك بتأخير ” النّبر”؛مثلما يترجّح على قاعدة من التّداخل أو التّرا كب اللّغويّ Télescopage.

       ومن ثمّ تنوب الكلمات “الشّعبية” أو” السّوقيّة” مناب الكلمات الكتابيّة ” القاصرة” وتردّ عليها قيمة الشّفهيّ التّعبيريّة. ونحن نؤثر أن نسمّي الأولى الكلمات الشّفهيّة، فهذا اصطلاح جامع مانع يجنّبنا الوقوع في أحابيل ثنائيّة ضدّية لا سند لها، من وجهة نظر لغويّة علميّة.ونعني “شرافة” الألفاظ        و”وضاعتها”، إذ لا امتياز لكلمة على أخرى ولا لحرف على آخر. ومن البديهيّ أن تنهض العلامة المكتوبة بهذا الاستبدال الذي يتحصّل من محاكاة الشّفهيّ سواء في التّركيب الشّاذ المتخلّع القائم على الحذف والإضمار والإيجاز،أو في المعجم المتنافر حيث يجاور النصّ القرآني بين فصيح وعاميّ ويملي على الثّاني ما ليس من خاصّة بنيته وتركيبه.

       ثمّة آيات غير قليلة تتأدّى في حيّز هذا السّجلّ الذي يمكن أن نسمه ب”كلام العامّة”، وليس من اليسير الوقوف عليها كلّها. والملحظ الأوّل الذي نسوقه على حذر،أنّ هذه الآيات تتعارض وإكراهات الكتابة،وتتصرّف تصرّف الكلام الشّفهيّ، بما يمكن أن يمثّل قطيعة وفسخ عقد وفصم رباط وتصدّعا في النّص، وأسلوبا” خلاسيّا” في الخطاب حيث سجّل التّنظيم الكتابيّ المطّرد أو المتّسّق نسبيّا، يقاطعه سجلّ الشّفهيّ ويخترقه. فإذا الخطاب منتظم في أسلوبين جدّ مختلفين جدّ متعارضين. ولكلّ منهما قوانينه الخاصّة، وإذا الكلمة وقد لابسها الشّفهيّ أشبه بـ ” صوت متقطّع” تشرخه” تأثّريّة” حادّة Emotivité .وقد لا نعدو الصّواب إذا اعتبرنا ذلك نوعا من إنزلاق الكتابيّ أو من جنوحه إلى الشّفهيّ حيث ينعطف الكلام وينثني ويرتدّ بعضه على بعض، أو عدولا خطابيّا وانعطافا أسلوبيّا يتنكّب السّبل المطروقة المعهودة.

       ولكنّ هذا الوصف على” رجاحته”، لا يسلم من التّناقض : فالنّص المحكوم بهذه المشادّة بين شفهيّ وكتابيّ،ينزع- افتراضا- إلى مناسبة ” أفق التّوقع” لدى المتلقّي (الجمهور) مادام يأخذ بـ ” المشترك” اللّغويّ أو بالكلام اليوميّ المحكيّ الجاري على ألسنة النّاس. وفي ذلك دلالة على أنّ الخطاب القرآني شأنه شأن الخطاب الشّعريّ يمكن أن يقترب من هذا الكلام، مثلما يمكن أن يبتعد. فإذا اقترب وأفرط في استخدام هذا المشترك ولبّى حاجة الجمهور أو مالق تطلّعه، فقد ينحدر به ذلك إلى التكلّف والحذلقة ، ويجرّده من قيمته الفنيّة أو الجماليّة.أمّا إذا ابتعد، فإنّ العدول الشعريّ قد يسوق إلى عزوف القارئ أو المتلقّي المضمر( الموجود بالقوّة) عن الأثر، أو إلى صدّه ورفضه.

       غير أنّنا نشير إلى أنّ الاقتراب من الكلام العاديّ، ليس ابتعادا عن الشّعريّة أو ضآلة حظّ منها. فمن الكلام العاديّ أو المشاع، ما يترقّى إلى مستوى الكلام المملوك كما هو الشّأن في القرآن     والشعر (الهجاء خاصّة). ونحن لا نعدم في شعر القرنيين الأوّل والثّاني للهجرة،وربّما في بعض الشعر الجاهلي، تأثّرا بخصائص العربيّة المحكية أوالمولّدة أو بخصائص لهجات أخرى. ففي الشّعر المرتجل، وأكثره نمط شفهيّ خالص، يتحرّر بشّار بن برد من لغة الشّعر البدويّة، ولا يتحرّج وهو صاحب صنعة، من استعمال عبارات عامية ورطانة نبطيّة. وكثيرا ما اطّرد ذلك عنده في غرض الهجاء أو في الهزل.

        هذه الظّاهرة التي نسمّيها بـ “الكلام المبذول” أو “كثير الاستعمال”- على قلق التّسميةـ إذ لا نملك مصطلحا آخر يفي بالمرام، قد تكون من أهمّ الظّواهر الي تسترعي النّظر في صناعة الشّعر عند العرب وفي القرآن.والمسوّغ في استرفادنا هذا المصطلح trivialité الذي لا يعني “المشترك” أو “العاميّ” أو”السّوقيّ” فحسب (1)،وإنّما الانتظام الخاصّ لأنظمة الرّموز الثّقافيّة،في سياق التّخاطب أيضا، أنّه  ” مفهوم” يحيل على الشّفهيّة، ويدلّ على أهميّة التلقّي من حيث هو قانون من قوانين صناعة القصيدة أوالسّورة وقاعدة من قواعدها.و هو يعيننا- فضلا عن ذلك- على فهم العدول الشّعريّ أو البعد الجماليّ ، فهما أدقّ،في نصّ  مثل القرآن يقبل على هذا “المشترك” أو “العاميّ” لا وجلا ولا متردّدا، على قدر ما يقبل على  ” الغريب” ،ولا هو في هذا كليل الحدّ ولا هو في ذاك ناضب المعين.

       ولا يغيّر منه في شيء قول علماء الإعجاز بنفي شبهة الشّعر عن القرآن، وسعيهم إلى اصطناع مصطلحات له،تنأى به عن مصطلحات القصيدة. فقد سمّى الفرّاء نهايات الآيات “رؤوس الآيات”) أثر القرآن في تطوّر النّقد العربي ص.240( وهي تسمية لا تبعد كثيرا عن مصطلح القافية. جاء في الحديث ” على قافية أحدكم ثلاث عقد”، أراد بالقافية ” القفا ” ( مؤخّر العنق) كتاب القوافي الأربلي ص.91. ويفهم من كلام أبي هلال على عمل الشّعر وما يقتضيه من وضع القوافي، أنّ القافية هي رأس البيت. قال : ” ولأن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجيء سلسا سهلا ذا طلاوة ورونق خير من أن يعلوك…” كتاب الصّناعتين ص.139 ؛ بل أنّ الفرّاء استشعر لمح الصّلة بين قوافي الشّعر ورؤوس الآيات وحاول أن يقارن بينهما. وهو ما عابه عليه ابن قتيبة كتاب القرطين ص.149 , نقلا عن أثرالقرآن ص.240 . وسمّى أبو الحسن الأشعري نهايات الآيات ” فواصل” حتّى لاتلتبس بالسّجع والقافية. ولعلـّه أوّل من قال بنظام الفاصلة في القرآن، وقصرها على نظمه.

       وترسّمه الرمّاني فعرّف الفواصل من حيث هي ” حروف مشاكلة في المقاطع توجب حسن الإفهام للمعاني” وعدّ الفواصل بلاغة والأسجاع عيبا. وحجّته لذلك أنّ الألفاظ تابعة للمعاني، وأمّا الأسجاع فالمعاني تابعة لها.وذهب الباقلاّني مذهب الرمّاني، فنفى أيّ شبهة بين أوزان القرآن وفواصله، وبين أوزان العرب وأسجاعهم. نكت الانتصار ص.148 ـ 149 ولم يكن ذلك بالمستغرب منهم، فقد قطعوا كلّهم بإعجاز القرآن وبخروج نظمه عن سائر نظوم العرب وأنماط كلامهم. ولعلّ عبد القاهر الجرجاني أن يكون أقربهم إلى ما نحن فيه، فالفاصلة عنده إيقاع ،وهي تقع من الآية موقع القافية من البيت. دلائل الإعجاز ص.267.جاء ذلك في ردّه على من يزعم أنّ التحدّي مخصوص بالعجز عن الإتيان بكلام له مقاطع وفواصل كالتي في القرآن؛ فليس ذلك في تقديره ” بأكثر من التّعويل على مراعاة وزن، وإنّما الفواصل في الآي كالقوافي في الشّعر…” ومثال ذلك السورة التي نحن بها فهي تراعي الفواصل مراعاة القوافي:” تبّت يدا أبي لهب وتب/ ما أغنى عنه ماله وماكسب/ سيصلى نارا ذات لهب/وامرأته حمّالة الحطب/ في جيدها حبل من مسد/.” والحقّ أنّنا لا نرى سببا وجيها في فصلهم بين القافية والفاصلة من حيث الوظيفة، إلاّ أن يكون لحرج دينيّ. وهو عندئذ ليس بالأمر الذي يعتدّ به ويعوّل عليه؛ بل إنّ تعريفهم الفاصلة القرآنيّة ووظائفها المعنويّة والإيقاعيّة، يكاد لا يختلف عن تعريف القافية عند العروضيّين أو نقّاد الشّعر. فقد لاحظ الفرّاء أنّ رؤوس الآيات تخضع لنظام خاصّ من التّوافق، فيه عمد أحيانا، واختيار معيّن لألفاظ دون أخرى.ونبّه الرمّاني على ما تنهض به الفاصلة من حسن إفهام للمعاني.والتفت ابن قتيبة إلى ما في وزن القرآن وفواصله من جمال الصّوت ومتعة السّمع، بما يجعله”متلوّا لا يملّ على طول التّلاوة ومسموعا لا تمجّه الآذان،وغضّا لا يخلق من كثرة التّرداد “. وهذا وغيره ممّا نحن في حلّ منه، فلسنا بصدد البحث في الإعجاز القرآني، ينصبّ على تفسير القافية وإن سمّوها فاصلة، تفسيرا عضويّا فنيّا. فهي تحفظ للنصّ نظامه وتحول دون انسياحه،وتجمع بين الممتع والمفيد إذ تجد فيها النّفس راحة واستجداد لنشاط السّمع. ويجد فيها العقل حسن إفهام للمعنى،فبالقوافي تتمايز المعاني أوهي تتواصل أو تتقابل.

       قد لا يكون النّظم، بهذا المعنى إلاّ الخطاب نفسه، بل هو الإيقاع أيضا : فهو ليس مجرّد تعليق الكلم بعضها ببعض، بما يؤدّي الغاية من التّواصل والتّخاطب، وإنّما هو حسن التأليف القائم على فكر ورويّة وعلم بموا قع المعاني المهيّأة في النّفس ومواقع الألفاظ الدّالة عليها في النّطق ورسم الصّورة الأدبيّة في آن؛ إذ لا يتصوّر المرء أنّه يوجد ” معنى عار من لفظ يدلّ عليه” دلائل الإعجاز ص.44 و320 ـ 321و369 ، حتّى في حال الخطاب الصّامت. وإذا كان هذا شأن الكلم عامّة، فإنّه في النصّ القرآني، كما هو في فنّ القول، لا ينفكّ عن الإيقاع الذي يتّصل بكلّ عنصر من عناصر الجملة ويلابسه ملابسة، فهو جرسه الصّائت ومعناه المجرّد في آن : يحلّ حيث تحلّ اللـّفظة، ويجري حيث تجري الجملة، ويتوقّف حيث تتوقّف الفاصلة، أي هذه الحروف المتشاكلة في المقاطع التي “لا تخضع للضّرورة”، بخلاف القافية. ومن هذا الجانب فإنّ الإيقاع قائم في تآلف الحروف في النّغم وفي انتظام الجمل، مثلما هو قائم في الفواصل واطّرادها وتغيّرها من نسق إلى آخر. وهو، بعبارة مجازيّة، ولكنّها تشجه بأصله على نحو ما أوضحنا في العتبة الموضوعة له، ” في دوّمات الماء وليس في جريان النّهر”. (Henri Maldiney , L’esthétique des rythmes p.158 )

       والنّظم إنّما هو صورة اللـّغة وهي تتأدّى بطريقة فنيّة مخصوصة، وتحمل في فعل نشوئها حيث تتجلـّى، لحظة بداءتها. وهذه اللـّحظة لا تتعلـّق بالكلام وإنّما بالكلم أو بـ”الخطاب” إذا أردنا، وهو يصنع جزءا جزءا ببنى الأثر وهي تكون. والقاعدة هنا واضحة جليّة- على نحو ما بيّن عبد القاهر- ففي أثر فنيّ كالقرآن أو الشّعر، ليس ثمّة من عنصر حرفا كان أو صوتا أو جرسا أو كلمة، لا ينضوي إلى فضاء النّظم الكـلـّي. والنّظم- بهذا المعنى- هو فعل الشّكل بعينه أي الفعل الذي يتشكّـل به وفيه شكل ما. ولذلك يمكن أن نعدّه الإيقاع نفسه، لأنّ الإيقاع ليس قاعدة خارجيّة يخضع لها الشّكل الشّعريّ، أو يمكن استنباطها من هذا الشّكـل، وإنّما هو تكوّنه أو تولـّده الذ ّاتي Autogenèse. الإيقاع في النّظم والنّظم في الإيقاع. وهو أبعد من أن يكون خطّا مستقيما يحدّد وجهة اتّجاه ومقدوره، إذ لا يكون إلاّ وهو يفتتح سبيله إلى تكوّنه الخاصّ، بحيث لا يمكن تعيينه أو إحصاؤه، مادام يبتدع نظامه في كلّ لحظة من تكوّنه. وهذا ما يجعله يستعصي على أيّ نوع من الإدراك الصّوري، إذ تتظافر فيه الكتابة والتّعليق تعليق الكلم وهو يتحرّك في خطّه الخاصّ ويتشكـّل ويعلق بعضه ببعض، في تحوّل دائم. وربّما وهمنا بسبب من القافية في الشّعر، أو الفاصلة في القرآن أن لا تحوّل، وإنّما عودة الشّيء عينه (الهو- هو). وهو فعلا وهم وانطباع خادع، فثمّة عودة لا شكّ، ولكنّها عودة متحوّلة تقع في” زواج الزّمن” وحركة الكلّ في الكلّ التي لا يقرّ لها قرار. وكأنّ قدر الإيقاع ـ النّظم أن يترجّح بين حدّين أو طرفين : فلا هو يسكن أو يهمد ولا هو يتبدّد أو يتشتّت.بل هولا يمكن إلاّ أن يقع في ما وراء الظّواهرالفيزيقيّة وعناصرها المؤسّسة.                                            

         ومن المعاصرين من يذهب إلى أنّ الإيقاع في معناه الدّ قـيـق “ميتا-فيزيقيّ “.(L’esthétique des rythmes ,p.158  )

وبما أنّه  “نتاج ” فإنّ المفهوم والحدث واحد لا ينقسم. وكذلك شأنه من حيث هو تلفـّـظ الزّمن بالزّمن تلفـّـظا وقتيّا، فإنّ النّـفسيّ والمعيش فيه واحد أيضا. ومن هذا الجانب فإنّ الفواصل القرآنيّة شانها شأن القوافي لا تعدو كونها الكلمة- المحور التي تنهض بصورة الآية أوالبيت وتحدّد النّغميّة الوجدانيّة التي تتسلـّط بها الذّات على عالم سورتها أو قصيدتها وهي تتشكّل في لحظة صمت. وقد لايكون هذا الصّمت في مستوى الفاصلة أو القافية المنصوبة إلاّ إجراءا خطابيّا مقصودا تمليه طبيعتها نفسها من حيث هي ” وقفة” Pauseتتيح للمتكـلـّم أن يسترجع النّفس الذي هو الكلام بعبارة أبي بكر محمّد بن زكريّا الرّازي  ف “الصّمت نفس عند السّكون، والكلام نفس في الحركة. وسيّان أن نتكلّم عن هذا أو ذاك”                                           Razi , Abu – Bakr Mohammed ben Zakariyya) 

                                                         Guide du médecin  nomade p.58 
هامش:
1ـ انظر للتّوسّع في ما يخصّ المصطلح trivialité

Parole Mot  Silence , pour une poétique de l’énonciation p.53  

ومابعدها، وما جاء فيه من إشارات دقيقة إلى هذا المصطلح الذي استخدمه الشّكلانيّون الرّوس في بحوثهم المتعلّقة بقوانين اللّغة وسننها، وأنماط استخدامها الفنّيّ وغير الفنّيّ

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This