صراع القوارير الشرق الأوسط في منظومة “الأمن بالتراضي”
ربّما كانت المخاصمة التاريخية بين جناحي حزب البعث في كلّ سوريا والعراق، من أشرس الصراعات وأطولها في منطقة الشرق الأوسط خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فانقطاع العلاقات السياسية عام 1978 كان عقب اكتشاف ـ أو ادّعاء اكتشاف ـ المخابرات العراقية لوجود مؤامرة سورية عبر دعم السفارة لمحاولة انقلابية، كان سينفّذها بعثيّون عراقيون، حيث اقتحمت السلطات العراقية السفارة السورية ببغداد، والتي تعتبر أرضا سورية حسب الأعراف الدبلوماسية، فحدثت القطيعة بين البلدين لمدة قاربت الربع قرن.
طوال تلك القطيعة لم يوفّر أيّ من الطرفين أيّة وسيلة، للضغط أو زعزعة الاستقرار في منطقة الطرف الآخر. وقد كان الأمن أبرز تلك الأدوات الضاغطة، وذلك باعتبار أنّ الطرفين لم يكونا يستندان إلى شرعية شعبية طاغية في كلتا الدولتين، حيث وصل الطرفان إلى الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية. فكان الدّعم السياسيّ وحتى الماديّ العسكريّ للتيارات المناوئة لكلّ طرف تحظى بقبول الطرف الآخر.
فقد كان الدعم العراقيّ لحركة الإخوان المسلمين السورية واضحا، خلال الأحداث الدامية التي شهدتها سوريا بين عامي 1979 – 1982، وبكلّ السبل، كما كان البعثيون السوريون المقيمون في بغداد يحظون بمكانة خاصة لدى نظام البعث هناك، وكان الدعم العراقيّ للكثير من العشائر العربية في المناطق الشرقية من سوريا بارزا، حيث كان المزاج العشائريّ العامّ في تلك المناطق من غير المتآلف من نظام الرئيس حافظ الأسد. مقابل ذلك، كان نظام الرئيس الأسد يدعم بشكل علنيّ تمرّد الحركة القومية الكردية في العراق على السلطة المركزية، فعقب انهيار الثورة الكردية التي كانت بقيادة الملا مصطفى البارزاني عام 1975 ولجوء ثوارها إلى الدولة الإيرانية، أرسل جلال الطالباني الذي كان موجودا وقتها في بيروت، حسب رواية بعض الشهود الأحياء، إلى البرزاني في منفاه الإيرانيّ، بقدرته على الحصول على دعم سوريّ مباشر لبدء الحراك المسلح من جديد، وفي نفس العام ( 1975 ) أنشأ جلال الطالباني في العاصمة السورية دمشق تجمّعه السياسي ” الاتحاد الوطني الكردستاني” حيث استمرّ دعم السوريين للحركة القومية الكردية في العراق بعد ذلك التاريخ لعقود. وفي نفس الوقت كانت الأحزاب العراقية المعارضة الأخرى، ذات التوجّهات الدينيّة مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية أو حزب الدعوة، أو القومية مثل جناح قطر العراق من التنظيم السوريّ لحزب البعث. كانت تلك الحركات تملك الدّعم السوريّ الكامل، إمّا من خلال فتح مكاتب لها في العاصمة السورية، أو من خلال أشكال الدعم الأخرى.
طوال تلك الفترة الطويلة من الصراع الأمنيّ بين الندّين السياسيين، لم تخضع أدواتهما الأمنية لظروفهما السياسية، أو بقول آخر، لم يساوما على ما هو أمنيّ في سبيل ما هو سياسيّ، فكلّ طرف كان لا يرى في المساومة السياسية طريقا لحلّ المعضلة الأمنية. فحركة الإخوان المسلمين شلّت تماما بالحلّ الأمنيّ بيد الدولة السورية، وكذلك لم يمنح نظام الرئيس الأسد أيّ طمأنينة أمنية للعشائر البدوية شرق البلاد، وظلّ الجفاء السياسيّ بينهما بسبب ذلك القلق الأمنيّ. على الطرف المقابل استعملت الدولة العراقية اليد الحديدية كأسلوب وحيد للتعامل مع التمرّد العسكريّ للأكراد العراقيين، ولم تمل حتى في فترة قوتهم النسبية بعد استحواذهم على الحكم الذاتي عام 1992 ، لم يمل النظام العراقي إلى ممارسة نوع من المساومة عليهم مع داعمهم الأقوى في دمشق. وكذلك فعل الرئيس صدام حسين مع الحركات الشيعية المناوئة لنظامه، فتوتّر العلاقة بينه وبين إيران لربع قرن لم يوازه توتّر للعلاقة بينه وبين الحركات السياسية العراقية المدعومة من طهران.
ربما كانت تلك نماذج ليس إلا، من طريقة تصفية المسارح الأمنية من الصراعات الشرق الأوسطية . فالدولة التركية بتهديدها العسكري المباشر للجار السوري عام 1998 أنهت قضية دعم هذا الجار لحزب العمال الكردستاني، وقد كان ملاحظا أن تطور العلاقات السياسية بين البلدين كان لاحقا لتلك التصفية للملف الأمني بينهما، فالسياسية كانت كتابع ورديف للإحكام الأمنيّ. وكذلك كانت تفعل إسرائيل في الكثير من أطوار صراعها مع الفلسطينيين في الداخل أو في الساحات الأخرى لصراعها معهم. فنموذج ” الدولة المُحْكمة أمنيا أولا ” كان الخيار السباق لنظيراتها من الخيارات المطروحة في تعامل الدول الشرق أوسطية مع بعضها البعض، حيث لم تخضع الملفات الأمنية للمساومات السياسية، وبقيت الدول ترغب في الإحكام عليها بيدها المباشرة، لا عبر المساومة عليها بغيرها من الملفات. حيث كان التعامل والصراع بين تلك الدول الشرق أوسطية يدور على مسارح شتى، ومنها المسرح الأمنيّ.
{{تبدّل الحال}}
ذلك النموذج من استباق ” الإحكام الدولاتي ” على الملف الأمني على الملفات الأخرى، للعلاقة بين الدول الشرق أوسطية بدأ يخفت. فالدولة الأمريكية كطرف سياسي أقوى في معادلة الشرق الأوسط، إمّا عبر وجودها العسكري المباشر، أو من خلال نفوذها في العلاقات والتحالفات مع دول بعينها من المنطقة أو عبر نفوذها النفسيّ السياسيّ المنبعث من قوة اقتصادها وجبروت حضورها الدبلوماسيّ في المحافل الدولية، تساوم منذ فترة طويلة الند الإيراني على الملف الأمنيّ في العراق، وذلك عبر طاولة التفاوض الإيراني الأمريكي حول العراق. فما لإيران في العراق لتفاوض الأمريكان به غير عبثها بالأمن العراقي، وهي – حسب العرف البريء – جار كغيره من الجيران ليس إلا. فتلك المساومة – وإن تحت الطاولة وليس فوقها لحفظ ماء وجه الطرف الإيراني – قائمة على فهم إيراني للحساسيات الأمنية الأميركية في العراق، وذلك بوقف الدعم الإيراني للجماعات العنفية العراقية المدعومة والمدارة من قبل أجهزة المخابرات الإيرانية، أو بعض المجموعات المخابراتية الإيرانية الناشطة في العراق، الفهم الإيراني لذلك سيكون مقبل عطايا أميركية أخرى تمنح لإيران، إن في العراق مباشرة أو في غيرها من الملفات العالقة بين البلدين، والتي ربما يكون منها أيضا ما هو أمنيّ، كتخفيف الدعم الأمريكي للجماعات المسلحة المناهضة للنظام الإيرانيّ، مثل تنظيمات مجاهدي خلق، أو التنظيمات السنية الدينية شرق البلاد، أو القومية الكردية في غربه. حيث أن ذلك التواطؤ الأمني بين الطرفين والقائم على مقابل سياسيّ أو أمنيّ، يعني بشكل مباشر استئمان طرف لآخر في الملف الأمني. حيث يترجم ذلك بخضوع التواتر الأمني للتوافق السياسي، وتعليق الحالة الأمنية على ظرف العلاقة السياسية مع الدولة الأخرى. أي التحول نحو منظومة ” الأمن بالتراضي ” بين أطراف الصراع الشرق أوسطيين.
ربما ليس النموذج الإيراني الأمريكي للمساومة الأمنية في العراق هو الحالة الوحيدة في المنطقة، مع بقائه الأكثر فجاجة. فالطرف السوري مارس ما يشابه ذلك تماما مع الدولة العراقية. فخفوت الدعم السياسي السوري للجماعات العراقية غير الداخلة في العملية السياسية في البلاد، وتطوير مراقبها للتيارات العنفية التي كانت ترى في الأراضي ضفة للانتقال إلى العراق، كان دية أمنية سوريا للجانب العراقي مقابل مزايا اقتصاديا متمثلة بفتح أنبوب النفط بين كركوك وبانياس ووعود الحكومة العراقية بحل مشكلة اللاجئين العراقيين في الأراضي السورية، والتي كانت تشكل معضلة اقتصادية للدولة السورية. وهذا لا يعني فقط استئمانا أمنيا عراقيا للطرف السوري، يمكن انقلابه في أي وقت لتبدل تلك المصالح الاقتصادية، فحسب. بل أيضا استئمانا من قبل الدولة السورية على القلق الأمني الذي يراودها من جراء عراق مستقر قد يورد الجماعات العنفية التي به إلى دول الجوار، ومنها وأكثرها أمكانية، سوريا، وذلك بسبب مناطق التجاور العراقية السورية. وكذلك هي الحال بالنسبة للتوافق التركي – الكردي العراقي على ملف حزب العمال الكردستاني . فالأكراد العراقيون الذين كانت أنقرة تراهم خطرا استراتجيا بالغا على أمنها القومي المباشر، ها هي تفاوضهم وتعترف بهم، بل وحتى تستأمن طرفهم بشيء من الثقة في شأن ملف الأمن الأخطر بالنسبة لها. وكذلك ثمة شيء من الأمر نفسه فيما يخص الهدنة الأمنية بين الدولة الإسرائيلية وحركة حماس، وكذلك بالنسبة للتعهدات السورية فيما يخص لبنان، وحتى القرار الأممي 1701 الصادر عقب حرب تموز 2006 يستبطن مثل ذلك الخيار الأمني القائم على الثقة المتبادلة بين طرفي النزاع وتوافقهما بضبطه …. الخ حيث بالمجمل يبدو الشرق الأوسط يوما بعد آخر أكثر ميلا لحل القضايا الأمنية بالمساومات الأخرى، وإن لم يكن لذلك الحل يسمى “حلا ” بالضبط، فهو في منزلة وسطى بين التهدئة والحل، ومقرون لتطور غيره من القضايا في علاقات الأطراف.
الملمح الأبرز لهذا النموذج ” الأمن بالتراضي ” للعلاقات الأمنية بين الدول هو قلقيته – من قلّق – أي أنه معتبر أمنا بشكل نسبي فقط، فخسوف الهجمات على القوات الأمريكية من قبل الجماعات المدعومة من قبل إيران لا يعني البتة موات تلك الجماعات أو استسلامها، بل فقط تهدئتها للّعب، وربما كان ذلك هو السبب المباشر لرفض الدولة لهذا النموذج من الحلول الأمنية فيما مضى، فورقة تلك الجماعات ستبقى في يد الطرف الإيراني تهدد به في أي وقت تراه مناسبا، لتعود إلى كسب جديد مقابل تهدئة جديدة، لذا فإنّ الممارسة الضابطة هنا تكون في مقام تحويل النار إلى جمرة لا إلى إطفائه. كما أن أهم أسبابه هو اضمحلال نموذج ( الدولة – الحديقة ) حتى في أكثر الدول قوة وديمقراطية، كما هي حالة الدول الأوربية، أو في أكثرها مركزية كما في الشرق الأوسط . حيث أن مجموع التطورات التقنية الاتصالية، وفر كمّا كبيرا لقدرة التدمير التي يمكن أن تستحوذها أو تمارسها حتى اصغر الجماعات العنفية، فأقوى الدول يمكن أن تدخل في مساومات من ذلك الشكل مع أصغر الدول، أو حتى مع جماعات أو أفراد. فكيف بمنطقة متداخلة سياسيا وجغرافيا وديموغرافيا كالشرق الأوسط.
لكن السؤال يبقى: ما الضير من ذلك، فالأمن ” بالإحكام الدولاتي ” أثبت نجاعته، لكنه قطر دماء غزيرة في طريق ذلك.
ربما يصح القول أن أمن الدول في أغلبها قائم على كتلة الواجبات الدستورية والأخلاقية والمصالح الاقتصادية التي تحملها الدول المجاورة تجاه جارتها. فلا يمكن في المنظور أن نتوقع أي توتر أمني بين فرنسا وجارتها الأضعف منها بكثير، هولندا، مهما تعاظمت قوة الدولة الفرنسية حاليا، أو مستقبلا، وحتى لو علقت الكثير من الملفات بين الدولتين في أكثر من جهة. فكتلة الواجبات الدستورية التي تحملها الدولة الفرنسية تجاه الجار الهولندي حاجز منيع بينها وبين مجرد تفكير في تلك الخلخة الأمنية في حق الجار الهولندي. وهو نفسه السبب – الضير الذي يعيق تحول المنظومة السياسية الشرق الأوسطية نحو علاقة من ” الأمن بالأعراف ” دستوريا . فغياب الدولة الدستورية ( حيث تشكل الديمقراطية أهم شروط حضورها) مانع في حضور ذلك النموذج من العلاقات الأمنية بين دولنا. وهو النموذج الذي يحرم على الدولة ” الابتزاز الأمني ” بحق الدولة الجارة، في أية حالة كانت، وعلى أية درجة كانت الخصومة في غيرها من الملفات الأخرى بينها وبين الدول الأخرى. هذا الشكل الذي يتباين تماما مع شكل منظومة ” الأمن بالتراضي ” والذي يعني الابتزاز الأمني كخيار أولي لاستحصال الممكن في ملفات أخرى من يد الند.
في خمسينات القرن المنصرم، حينما حدثت خلافات سياسية بين الدولتين السورية واللبنانية، أمر الزعيم السوري آنذاك خالد بك العظم بقطع كل تجارة برية مع الجار اللبناني، حيث كان ذلك الإجراء الاقتصادي أفظع ما كان يتصوره من إجراء عقابي يمكن أن تمارسه دولة ما ضدّ دولة جارة !! . حينما مات خالد العظم لم يكن من شارع واحد في الدولة السورية باسمه. أين لنا زعماء مثله في الشرق الأوسط الراهن، وأين لنا دول دستورية كما كانت الدولة السورية وقته !؟ .
سؤال له علاقة مباشرة، دونما شك، بشكل المنظومة الأمنية الممكنة في الشرق الأوسط
