الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة (10) المحرقة اليهودية وحرية التعبير والتفكير في الغرب
هل يمكن أن نقارن بين وضع حرية التعبير في الغرب وحالتها عندنا في العالم العربي الإسلاميّ؟ انّه لمن العيب أن نطرح هذا السؤال مجرد طرح..إنّه لافتئات على الحقيقة التاريخية أن نطرحه ونتوهم أنّ الجواب عليه هو بالإيجاب. ذلك أنّ المجتمعات الديمقراطية المتقدمة تؤمّن لمواطنيها حرية التعبير كاملة غير منقوصة خاصّة في المجال الدينيّ الذي يعتبر التابو أو المحرّم الأعظم والأخطر بالنسبة لنا نحن المسلمين. بل إنّنا نحن المثقّفين العرب المقيمين في الغرب أوّل المستفيدين منها. ولولاها لما بقي كاتب هذه السطور خمس دقائق زيادة في فرنسا. كنا عدنا منذ زمن طويل إلى تلك الربوع..لا يوجد موضوع في الدين أو السياسة أو الجنس أو أي شيء آخر لا تستطيع التحدّث عنه بكلّ حرية دون أن تخشى على نفسك أو وظيفتك أو حتى حياتك. في الماضي كان مفكّرو أوروبا يخافون من سطوة رجال الدين ويعدّون إلى العشرة قبل ان ينشروا مؤلّفاتهم. وكانوا منفيّين عن بلادهم معظم الوقت ويتنقّلون خفية من مكان إلى آخر ويعيشون حياة شبه سرّية. من أشهر الأمثلة على ذلك ديكارت الذي كان يمارس رقابة شديدة على نفسه خوفا من اليسوعيين أو الإخوان المسيحيين. وكذلك فعل سبينوزا وحتى فولتير وآخرون..أما الآن فلم تعد هذه القصّة واردة على الإطلاق. لم يعد أيّ مثقّف فرنسيّ أو أوروبيّ يخشى على نفسه إذا ما أرخى العنان لها وعبّر بكل حرية عن أفكاره دون قيد أو شرط.
بقيت المحرقة اليهودية وهي الاستثناء الوحيد الذي يؤكّد القاعدة ولا ينفيها على الإطلاق. ومن العيب أن نركّز عليها فقط وننسى كل الإنجازات التي تحقّقت في مجال رفع الرقابة عن الفكر وتأمين حرية التفكير والتعبير لكلّ الناس. لا ريب في انّه استثناء مزعج ولا يليق إلا بشعب الله المختار!..وهو ليس مزعجا فقط لنا نحن العرب وإنّما مزعج بالدرجة الأولى بالنسبة للمثقفين الفرنسيين أنفسهم. فعلى عكس ما نتوهّم فإنّهم غير راضين على الإطلاق عن هذا الاستثناء الشاذّ. وحدهم غلاة الصهاينة وسفهاؤها راضون عن الوضع ويدافعون عنه. وهم الذين فرضوه وأضرّوا بسمعة اليهود قبل سواهم. أمّا كبار المثقفين وعقلاء اليهود فقد عبّروا عن امتعاضهم من هذا القرار عندما صدر عام 1990. وهو القانون الذي بلوره النائب الشيوعيّ جان كلود غايسو وصوّت عليه البرلمان الفرنسيّ. وهو يقضي بسجن كلّ من ينكر علنا حصول المحرقة اليهودية أو التقليل من ضخامتها وتدفيعه غرامة قدرها 45 ألف يورو..هذا القرار مضادّ لحرية التعبير والتفكير دون أدنى شك ولا يليق ببلد حضاريّ كفرنسا، بلد التنوير والثورة الفرنسية، البلد الذي صدّر إلى العالم ذلك الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن والذي ينصّ على حرية التعبير كما ذكرنا سابقا.
ثمّ استطاع الأرمن بعد نضال طويل أن يحصلوا من البرلمان الفرنسيّ على نفس ما حصل عليه اليهود قبلهم بستّ عشرة سنة. فقد صوّت البرلمان ولكن بحضور ضعيف جدّا عام 2006 على قرار مماثل يقضي بمعاقبة كل من تسوّل له نفسه أن ينكر حصول المجزرة الأرمينية الرهيبة التي ارتكبها الأتراك العثمانيون عام 1915.
من الشخصيات اليهودية المحترمة التي اعترضت على قرار البرلمان الفرنسيّ نذكر جان دانييل رئيس تحرير مجلة النوفيل أو بسرفاتور، وسيمون فيل الوزيرة السابقة التي عانت في طفولتها من معسكرات الاعتقال النازية ولكنها خرجت منها سالمة بمعجزة. ونذكر أيضا المؤرّخ المعروف المضادّ للاستعمار بيير فيدال ناكيه الذي جمع حوله نخبة من مؤرّخي فرنسا كي يوقّعوا عريضة تدين هذا القانون الذي يريد أن يفرض حقيقة رسمية بخصوص المحرقة اليهودية. وعلى الرغم من انّ جزءا من عائلته قضوا في هذه المحرقة الشنيعة إلا انه اعتبر القانون سيّئا لأنّه يحدّ من حرية البحث التاريخيّ ويجعل التحريفيين الذين ينكرون حصول المحرقة أو يقلّلون من شأنها وكأنّهم ضحايا حرّية التعبير. فسيف القمع والرقابة أصبح مصلتا على رؤوسهم وما عادوا بقادرين على التعبير عن أفكارهم بحرّية. ولكنّ هذا الوضع ينطبق على الجميع للأسف الشديد. فحتى ذوو النوايا الحسنة الذين لا يكنّون أيّ كره لليهود ما عادوا بقادرين على الاستعلام عن المحرقة بشكل طبيعيّ لمعرفة ما حصل بالضبط. ما عادوا بقادرين على البحث عنها بكل حرية الباحث التاريخيّ الحرّ المنقّب المتبحّر في العلم. وهذا من حقّهم أن يعرفوا الحقيقة وخاصّة أنّهم يعيشون في بلد ديمقراطيّ حرّ. من هنا الطبع التعسّفيّ والمتخلّف لهذا القرار المتعصّب غريب الشكل. فالبحث التاريخيّ لا يعرف الحدود ولا القيود. وإذا ما فرضنا عليه مسبقا ما ينبغي أن يقوله أو لا يقوله فإنّه يبطل أن يكون بحثا تاريخيّا.
ثم يقول بعضهم مردفا: يا أخي علم التاريخ ليس دينا! انه لا يقبل أيّ عقيدة مسبقة مفروضة عليك فرضا دون نقاش. فإذا كنت أعرف مسبقا كيف حصلت المحرقة وكم هو عدد ضحاياها فلماذا أبحث إذن؟ وعمّ سأبحث؟ ثم لماذا يرفضون أن نقارن بينها وبين المجازر الكبرى الأخرى في التاريخ؟ لماذا يعتبرونها الاستثناء الوحيد في التاريخ البشريّ؟ علم التاريخ بالمعنى الحرفي للكلمة لا يقبل أي عقيدة دوغمائية ولا أيّ تابو ولا أيّ محرمات أو مقدّسات.. ويمكن أن يزعج الكثيرين بواسطة الحقائق التي يكتشفها..وهذا من حقه أن يزعج ويوقظ الناس من سباتهم الدوغمائي الطويل. انظر ردّ الفعل الهائج للأصوليين المسيحيين على البحث التاريخيّ المطبق على الإنجيل وشخصية المسيح نفسه..
ومعلوم أنّ مجلس الشيوخ الفرنسيّ صوّت ضدّ القرار في القراءة الأولى على الأقلّ. وبالتالي فلا ينبغي أن يعتقد المثقفون العرب أنّ فرنسا بالإجماع صوتّت عليه! فرنسا ليست عمياء إلى هذا الحدّ.. هذا انطباع خاطئ ولكنه للأسف شائع عندنا. والكثيرون هنا انزعجوا من عرضه على البرلمان واعتبروه إهانة للديمقراطيّة الفرنسية. ومن الشخصيات التي صوّتت ضدّ القرار نذكر جاك شيراك وفرانسوا فيون رئيس الوزراء الحالي وآخرين عديدين. ومن الكتاب الذين أعلنوا استياءهم الروائيّ الآن روب غرييه زعيم الرواية الجديدة في فرنسا والفيلسوف الكبير بول ريكور. وجميع هؤلاء ليسوا ضدّ اليهود على الإطلاق ولا ينكرون حصول المحرقة أبدا. بل إنّهم يستنكرون شناعتها كل الاستنكار. ولكنهم يرفضون أن تفرض الدولة حقيقة رسمية على البلاد بهذا الخصوص.
والمؤرّخ المعروف المطلع على شؤون العالم العربي كلود ليوزو صرّح قائلا: نحن، كمؤرّخين، ضدّ هذا القرار لأنّه من الخطر ان تمنع حرّية البحث حتى ولو كان الأمر يتعلق بأنبل القضايا. ومن الأفضل أن نواجه التحريفيين وجها لوجه في معركة الأفكار..نحن ضدّ الحقيقة الرسمية المفروضة على الجميع من فوق فرضا. نحن لسنا في بلاد ستالين أو جدانوف وأمثالهما الذين كانوا يفرضون على الناس ما ينبغي أن يعتقدوه أو لا يعتقدوه..
أمّا المؤرّخ المعروف والوزير السابق ماكس غالو فقد صرح قائلا : من غير المقبول أن يملي البرلمان علينا كمؤرخين ما ينبغي قوله عن هذه المشكلة أو تلك. هذه قضية تخص البحث التاريخيّ الحرّ فقط. ولا يحقّ حتى لرئيس الجمهورية ان يتدخل فيها. وحدهم المؤرّخون المحترفون المسيطرون جيدا على مناهج البحث التاريخيّ يحقّ لهم أن يخوضوا فيها ويقدموا لنا الإضاءات عنها. هذا قانون ذو استلهام سوفيتي لا يليق ببلد حرّ كفرنسا..
تلاحظون أنّي أكثرت من الاستشهادات لكي أبيّن للقارئ العربيّ أنّ فرنسا ليست مجمعة على هذا القانون إطلاقا على عكس ما نتوهّم عندنا في البلدان العربية. ولولا غلاة الصهاينة الذين يريدون التغطية على التوسّع الإسرائيلي المجرم في الأراضي الفلسطينية لما صوّت البرلمان الفرنسيّ على هذا القرار التعسّفيّ ذي الطابع القمعيّ المزعج فعلا. قلت غلاة الصهاينة ولم أقل اليهود ككلّ احتراما للحقيقة الموضوعية وابتعادا عن أيّ كره للشعب اليهوديّ الذي عانى على مدار التاريخ من الاحتقار والاضطهاد.
أين تتوقف حدود حرية التعبير؟
لكنّ الشيء الذي تجمع عليه الطبقة الثقافية والسياسية الفرنسية المستنيرة هو التالي: إدانة كلّ أشكال العنصرية والطائفية واعتبارها خارج نطاق حرية التعبير. بمعنى أنّ الرقابة مشروعة عليها والقانون يعاقب من تسوّل له نفسه أن يعيّر الآخرين بأصولهم العرقية أو الدينية. قلت الطبقة المستنيرة كي أخرج منها اليمين المتطرف المشهور بعنصريته وطائفيته. والواقع أنّ فرنسا سبّاقة في هذا المجال ورائدة. فمنذ عام 1881 بل وحتى بعد الثورة الفرنسية مباشرة راحت تدين النزعات العنصرية وتعتبرها مضادة لحقوق الإنسان. فالمادة الأولى من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الثورة الفرنسية بعد الإطاحة بالعهد الأصوليّ الاستبدادي القديم تقول ما يلي: الناس يولدون أحرارا ومتساوين في الحقوق. وكلّ القوانين الفرنسية التي ظهرت بعدئذ تعتبر العنصرية جريمة لا رأيا يحقّ لك أن تعبّر عنه لسبب بسيط: هو أنّه لا يدخل ضمن نطاق حرية التعبير. يحقّ لك أن تنتقد أيّ شخص على مواقفه السياسية مثلا ويحقّ لك أن تفنّدها تفنيدا كاملا. ولكن لا يحقّ لك أن تنال من أصله الذي ولد فيه لسبب بسيط: هو انه لا أحد يختار أصله وفصله أو العائلة أو الطائفة التي ولد فيها غصبا عنه. فكيف يمكن أن نحاكمه على شيء لا حيلة له فيه؟ لقد سنّ التنويريون الفرنسيون هذا القانون قصدا لحماية الأقلّيات العرقية والطائفية العائشة في فرنسا وبالأخصّ السود والعرب واليهود. فهؤلاء هم الذين يستهدفهم اليمين المتطرّف عادة ويؤلّب عليهم الشعب الفرنسيّ. أو قل إنّه يؤجّج العاطفة الشعبويّة القومجيّة ضدّهم عندما يضرب على وتر العصبية أو العنجهية الفرنسية. ولذلك فإنّ القانون الفرنسيّ ينصّ حرفيا على ما يلي:
كلّ تمييز عرقيّ أو قوميّ أو طائفيّ ممنوع منعا باتّا في فرنسا ويقع تحت طائلة القانون.
وبالتالي فإذا ما عيّرتك بأصلك الطائفيّ أو لون وجهك أو شعرك أو شكلك عموما فإنّي أساق إلى المحكمة فورا وأتعرض للعقوبة مباشرة. وهي سنة سجن ودفع غرامة قدرها 45000 يورو.
وهنا أطرح على القرّاء العرب هذا السؤال: لو طبّق هذا القانون في البلدان العربية كم سيكون عدد الذين سيساقون إلى المحكمة كلّ يوم؟ من يستطيع أن يعدّهم؟ لا يمرّ يوم دون أن تثار النعرات الطائفية أو المذهبية على شاشة الفضائيات العربية ومختلف وسائل الإعلام بما فيها الآنترنيت. هنا يكمن الفرق بين بلدان حضارية متقدّمة كفرنسا والاتحاد الأوروبيّ ككلّ وبين بلداننا نحن..وبالتالي فلنكنس أمام بيتنا أوّلا أيّها الأصدقاء..
حقّ التجديف وتدنيس المقدسات
بعد فضيحة الصور الكاريكاتورية التي تهاجم النبيّ محمد بطريقة غير لائقة اقترح الكثيرون في العالم الإسلاميّ على الغرب إصدار قانون مشترك لمعاقبة كلّ من تسوّل له نفسه النيل من المقدسات الدينية أيّا تكن. وذلك على غرار قانون المحرقة اليهودية. وقالوا للغربيين بما معناه: هل المحرقة أكثر قداسة من الأديان؟ والواقع أنّي عندما أنال من مقدّساتك فكأنّي قتلتك، معنويا، على الأقلّ. وهذا صحيح. وبالتالي فطلب المسلمين وجيه في بعض جوانبه. ولكنّ المشكلة هي أنّه قد يقطع الطريق على أيّ نقد جادّ مسؤول للأديان وعقائدها وشخصياتها ويشكّل حماية للأصولية المتزمّتة. ثمّ إنّه قد يحدث نوعا من الخلط بين النقد الاستفزازيّ المجانيّ على طريقة الرسوم الدنمركية، وبين النقد العلميّ والتاريخيّ للدّين. وهو شيء أحوج ما يكون إليه العالم الإسلامي حاليا. لذلك رفض الغربيون فكرة المسلمين هذه واعتبروها محاولة لقطع الطريق على أيّ تجديد فكريّ أو عقائدي في أرض الإسلام. وهم ليسوا مخطئين في ذلك. ذلك أنّه بشكل من الأشكال لا يمكن أن تقول شيئا له معنى عن الدين في العالم الإسلاميّ. لا يمكن أن تقول إلا ما تقوله الأديان عن ذاتها أو ما يجترّه التقليديون والأصوليون ويكرّرونه منذ مئات السنين. انظروا إلى المماحكة الجدالية الهزيلة والعقيمة التي جرت بين شيوخ الشيعة وشيوخ السنّة مؤخّرا بعد تصريحات الشيخ يوسف القرضاوي. تقريبا لم يتغير أيّ شيء ولم يتبدّل منذ ألف سنة حتى اليوم. نفس المحاجّات القديمة تعاد وتستهلك إلى ما لا نهاية. وذلك لأنّ أحدا لا ينتقل بالمناقشة من الأرضية اللاهوتية إلى الأرضية العلمية أو التاريخية كما يفعل أركون مثلا..وهكذا يظلّ الجميع سجناء الأفكار العتيقة البالية ولا نصل إلى نتيجة جديدة. وتظلّ الطائفية راسخة في العقول والنفوس..هنا ينبغي على حرية التعبير أن تفعل فعلها. ولكن المشكلة هي أنّ سيف الرقابة مصلتُ هنا على عقول المثقفين أكثر من أيّ مكان آخر..وعموما فإنّ النيل من شخصية الأنبياء المؤسسين للأديان الكبرى كالنبيّ محمد شيء سخيف ولا يؤدّي إلى أي نتيجة. فالأنبياء تحميهم حقيقتهم الإلهية على مدار القرون..وكما أنّي ضد إنكار عذاب اليهود وحجم محرقتهم وضد إنكار عذاب الأرمن وحجم مجزرتهم وعموما ضد إنكار كلّ المجازر الكبرى في التاريخ، فإنّي أيضا ضدّ التهجّم على شخصية النبيّ محمّد أو شخصية بوذا أو موسى أو عيسى أو مارتن لوثر مؤسّس البروتستانتية أو حتى الفلاسفة الكبار من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو وديكارت وجان جاك روسو وكانط وهيغل الخ..لماذا؟ لأنّهم عاشوا لحظة الإلهام الخارق وقدّموا للبشرية منارات تضيئها على الطريق. ولم يفكّروا في أيّ مصلحة شخصية عندما انخرطوا وتعذّبوا وعانوا بل وعرّضوا أنفسهم للخطر الأعظم. والنبيّ محمد قدّم للبشرية أحد التجلّيات الكبرى للتجربة الإلهية والروحانية في التاريخ. وعاش لحظة الوحي الصاعق واتصل بالملأ الأعلى..وكان مفعما بحبّ الخير لليتيم والمسكين والضعيف وابن السبيل. وعبّر عن أجمل القيم في القرآن الكريم الذي جسّد الاستلهام الإلهيّ بصيغته العربية لأوّل مرّة في التاريخ. لقد عبّر عن قيم الحقّ والعدل والخير مرات ومرات في آيات بينات.. وليس الذنب ذنبه إذا كانت رسالته قد تحنّطت وتكلّست وتجمّدت كما هو حاصل حاليا.
وأعتقد شخصيا أنّ الوفاء له لا يكمن في التكرار والاجترار كما يفعل الشيوخ التقليديون المستلبون عقليا تقريبا. وإنّما يكمن في حركة ثورية انقلابية تشبه تلك التي قام هو بها عندما انتفض على دين آبائه وأجداده وهزّ الدّين العربيّ من أساساته. إنّها تكمن في تفكيك كل الانغلاقات العقائدية الإسلامية المتراكمة منذ مئات السنين. إنّها تكمن في تطبيق المنهجية التاريخية- النقدية على النص القرآنيّ وكلّ التراث الإسلاميّ كما فعل المسيحيون في أوروبا بالنسبة للإنجيل والانغلاق العقائديذ المسيحيّ. بهذا المعنى أقول إنّ التنوير العربيّ الإسلاميّ أمامنا لا خلفنا. انه آت لا ريب فيه.. فعن طريق هذه المنهجية التفكيكية الهائلة وحدها يمكن للنور أن ينبثق من غياهب الظلام العربيّ الإسلاميّ المطبق علينا حاليا من كل النواحي. ويمكن له أن يبدّد هذه الغياهب وذلك الظلام. هذا ما أثبتته لي تجربتي الشخصية في ترجمة فكر محمد أركون على مدار ربع قرن أو يزيد.
