الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة(17) حول النتائج السياسية للدولة كرقيب: إعدام محمود محمد طه نموذجا

{{مفتتح}}

في واحدة من أكثر المحاضرات تأثيرا في تطوّر العلوم الاجتماعية، خالف المفكّر الألمانيّ ماكس فيبر (1864-1920) جمهور الحاضرين عام 1918 بعدم الحديث عن المأزق السياسيّ الراهن في القارّة الأوروبية(على خلفية نشوب الحرب العالمية الأولى) وإنّما فضّل طرح مجموعة من الأسئلة العامّة حول حقيقة “الفعل السياسيّ” والمغزى من “السياسة”.

في هذه المحاضرة التي حملت عنوان ” Politics as a Vocation” قدّم المفكّر الألمانيّ تعريفا للدولة مفاده أنّها الفاعل الذي يحتكر استخدام العنف وأدوات القهر. لا يوجد فاعل ما دون الدولة يمكن أن يلجأ إلى أنواع معيّنة من العنف والقهر، بغية ضبط المجتمع الحديث.

ما استقرّ عليه العرف في فترة التنوير الأوروبية فيما يتعلّق بفكرة الدّولة كان ذيوع نظرية العقد الاجتماعى وقوامها حالة من تنازل الفرد النسبيّ لحريته مقابل نشوء جهاز ضبط وقهر ينظّم حركة العلاقات بين الأفراد بعضهم البعض.

كان فيبر يتحدّث عن نمط الدولة التي خرجت من رحم نظام “ويستفاليا”، الذي لم يقصِ الدين جانبا وإنما اعترف بخطوط التماسّ الدينية والخلافات لكنّه أبى أن تشكل أساسا لقيام الدولة، وبدلا منها نسجت الدول الأوروبية حول نفسها أسسا أخرى للشرعية السياسية كانت أبرزها صياغة نسخ مختلفة ما بين العلمانية والديمقراطية ترسّخ لفكرة المواطنة وحقوق الافراد.

خلال هذه الفترة كانت القوى الأوروبية تحاول إحكام القبضة على شعوب المنطقة العربية، بعد أن ثبّتت أرجلها في القارّة الأفريقية، بموجب تقسيم سايكس –بيكو 1916 لنصل إلى صورة الدولة العربية على ما هي عليه الآن.

في هذا السياق تباينت الأسس التي أقامت عليها الدولة العربية (ما بعد سايكس- بيكو) شرعيتها، فهناك من وجد في النظام القبليّ حلاّ للدولة، وهناك من رآه في مؤسسة الملكية، وآخرون رأوا في النظم الثورية حلاّ. وفي كلّ هذه النظم كان الدّين حاضرا ولكن بتوظيف مختلف من دولة إلى أخرى.

إلا أنّ ما يجمع هذه النظم على اختلافها هو استيراد مقولات ماكس فيبر عن احتكار الدولة لأدوات العنف والقهر، وبدلا من حقوق الأفراد، استفاضت الدولة العربية في توسيع مساحة “حقوق النظام” ومنها احتكار تفسير معيّن للظاهرة الدينية بحيث تجعل من نفسها رقيبا عليه متفنّنة في خلق عقوبات ضدّ معتنقي التفسير المخالف.

{{دراسة حالة}}

في مايو من عام 1969 أنهى عسكريّ سودانيّ هو جعفر النميري تجربة ما يعرف بـ “الديمقراطية الثانية” في بلاده عن طريق انقلاب عسكريّ دمويّ نحّى بموجبه حكومة الرئيس السودانيّ آنذاك إسماعيل الأزهري.

أفصح النميري في البداية عن وجه ناصريّ على غرار تنظيم الدولة، الذي كانت القاهرة تتبناه في هذا الوقت، ثم سرعان ما غيّر وجهته نحو قوى جديدة كانت -ولا تزال- سمة وخصيصة في عصرنا الحديث أي قوى الأصولية الإسلامية.

تزامن تحالف النميري هذا مع إجراءات للرئيس المصريّ الراحل أنور السادات للانقضاض على ما تبقى من التجربة الناصرية وذلك بإعادة صياغة العلاقة ما بين النظام الحاكم والقوى التي يمكن أن تشكّل سندا له.

قفز النميري إلى سدّة سلطة نظام سياسيّ، رنا منذ الاستقلال عن مصر وبريطانيا إلى تطبيق مفردات المؤسسية السياسية بمعناها الحديث، أي الفصل بين السلطات الثلاث.

وفي الوقت الذي قبضت فيه السلطة الناصرية على الدولة وحاولت تأميم السياسة، كانت الجارة الجنوبية تعدّ عدّتها نحو تدشين انتخابات نزيهة(مع كثير من التحفّظ) وإعلاء من شان المدنية في العمل السياسيّ.

انقلاب النميري كان ردّة عن معركة الاستقلال السوداني، محاولة دمج السلطات الثلاث معا تحت مظلّة نظام الحاكم الفرد المطلق، مستعيرا بصورة عملية منطق ماكس فيبر في احتكار الدولة أدوات العنف والقهر.

ومع احتكار الفعل السياسيّ والقهر، احتكر أيضا تفسيرا محدّدا للدين بإعلانه الشهير تطبيق الشريعة الإسلامية أو ما عرف بقوانين سبتمبر 1983 التي أطلقت يد القضاة في تفسير نصوص القوانين وإصدار االأحكام وفقا لما يتراءى لهم، فضلا عن مقترحاته بشأن تعديل الدستور السوداني ( في يونيو 1984) حتى تتوافق مع مفهوم ساذج للشريعة الإسلامية ترتكز بنيته على مجموعة من الأفعال الصورية من عينة تطبيق الحدود على فئات محددة من الناس (قطع الأيدي مثلا)، فضلا عن زيادة جرعة المفردات الدينية في الخطاب السياسي.

في مقترحات النميري لتغيير الدستور، جاء تصوّره حول المادة 80 مثلا التي تحدّد مدّة الرئاسة (ستّ سنوات) مستعيرا ما درجت عليه الخلافة الإسلامية من أنّ مدة الرئاسة تبدأ من “تاريخ البيعة”، وتكون مدى الحياة (أي إلغاء الظاهرات السياسية الحديثة من عيّنة الانتخاب) . أو مقترحه لتعديل المادة 115 الخاصة بمساءلة رئيس الجمهورية والتي غيّرها إلى “لا تجوز مساءلة رئيس الجمهورية أو مخالفته”، مستعيرا ظلال نظرية قروسطية ترى في الحاكم ظلا لله في الأرض.

وفيما يتعلق بالقضاء، فقد نزع النميري استقلاله ووضع نصّا غريبا مفاده أنّ “الهيئة القضائية مسئولة مع رئيس الجمهورية أمام الله”.

ردود الأفعال على هذه التعديلات القانونية والدستورية كانت جاهزة، تحفّظت عليها النخبة المدنية التي كانت لا تزال تحتفظ بقوّتها، ولم يكن للجنوب، الّذي وقّع النميري معه اتفاقية حكم ذاتيّ، إلا أن يعلن تمرّده ( في حرب أهلية استمرت عقدين من الزمان وراح ضحيتها 2 مليون نفس).

وبنفس الدرجة من الحدّة (وإن كانت بدون دماء هذه المرة) أشهر فاعل آخر، هو “الإخوان الجمهوريّون” ، أسلحته الفكرية بضراوة مهاجمين التجربة ومنفّذها ومقدّمين نعتا فكريا أصيلا بأنّ خطوات النميري كانت تحمل مخالفة صريحة للإسلام ذاته.

لكن صوت “الإخوان الجمهوريين” وزعيمهم محمود محمد طه بدا خافتا للغاية في ظل تغلغل خطاب الإسلام السياسيّ في المؤسسة الدينية الرسمية في العالم العربيّ.

ورغم ندرة التحليلات التي ترصد طبيعة الموقف العربيّ من تجربة النميري، إلا أن مفكرا مصريا ليبراليا هو فرج فودة أرّخ لهذه التجربة برصد ردود الأفعال المصرية على تطبيق النميري للشريعة.

في كتابه “قبل السقوط”، أورد فودة مقتبسات لشيوخ الإسلام في مصر حيال تجربة النميري، تواطأت جميعها في الإشادة بالتجربة والتفنّن في الهجوم على منتقديها.

الشيخ الراحل عبد الحميد كشك كان الأشدّ عنفا في سرد ايجابيات التجربة عندما وضع النبى (ص) وجعفر النميري في سلّة واحدة، ناعتا معارضي إجراءات الرئيس السوداني بالكلاب ” “إنّ الحملة التي يتعرّض لها الرئيس نميرى الآن بسبب تطبيق الشريعة الإسلامية-قد تعرّض لها من قبله سيّد الأنبياء والمرسلين، وتعرّض لها جميع دعاة الإصلاح، وقد عوّدتنا الحياة أنّ القافلة تسير مهما كانت الذئاب تعوي، وهل يضرّ السحاب نبح الكلاب؟”.

الشيخ ذائع الصيت محمد الغزالي كان أقلّ حدّة في دعمه للنميري، إلا أنّه استرسل في توهّمات غريبة قائلا “وأعتقد أنّ السودان لا يهنأ بشيء كما يهنأ بهذه المرحلة النقية الطيبة، التي جعلته يتخلّص من وباء الأحكام الوضعية”.

مفتى الديار المصرية في ثمانينات القرن الماضي، الشيخ عبداللطيف حمزة، استخدم الصيغة الرسمية ليهنّئ النميري بإجراءاته “إننا جميعا في مصر شعبا وحكومة نرحّب كل الترحيب بتطبيق الشريعة الإسلامية في السودان الشقيق ونحيّي الزعيم المؤمن الرئيس جعفر محمد نميري”.

آخر الاقتباسات التي اخترتها من كتاب فودة كانت للمرشد العام للإخوان المسلمين الشيخ عمر التلمسانى، الذي شرعن إطلاق يد النميري لاتّخاذ أيّ إجراء لقمع مناوئي هذه الإجراءات قائلا “إنّ هذه الخطوة الذكية، لن تمرّ بهدوء أو في صمت، عند الذين لا يريدون أن يروا نور الإسلام مشرقا على ربوعه….. فعلى القائد الحصيف أن يحذرهم وأن يكبح جماحهم، وألاّ يفسح لهم في غيّهم بحجّة حرية الرأي والكلمة، فالحرية تكون فيما يضعه البشر لأنفسهم وأمّا شرع الله فلا نقاش فيه”.

الفكر المناوئ لرقابة الدولة

سأحصى هنا ما أعدّه أوجه الأهمية الفكرية لتراث لمحمود محمد طه( المولود في عام 1909) وذلك من خلال مقارنة أطروحاته الفكرية بتلك الأطر التي كانت على تماسّ (رافض أو مؤيد) للأفكار التي أخرجها على الناس.

من ناحية أولى مثل طه (أو الأستاذ كما يطلق عليه تلاميذه) صوتا إسلاميا مختلفا في الفترة التي انحسرت فيها الموجة القومية في العالم العربيّ، ليستلم خلالها تيّار الإسلام السياسيّ زمام المبادرة الفكرية والسياسية.

في هذا السياق خالف “طه” الطرح الذي سيطر على حركة الإسلام السياسي بتحديد مواجهة ثنائية الطابع ما بين الإسلام وخصومه (الاشتراكيين أو العلمانيين أو الليبراليين) والتي وصلت إلى أقصاها بإعلان تكفير الدولة الحديثة ومؤسساتها فضلا عن تكفير المجتمع (أطروحة معالم في الطريق لسيد قطب).

نحا طه منحى مختلفا في خطابه، حيث الاجتهاد من أجل تجاوز نطاق الفقه التقليديّ وبحث أطر جديدة للمواءمة ما بين العقل والنقل، ما بين الحاضر ونصوص القرآن.

وفي منحاه هذا انشغل بتحرير ثنائية الحرام والحلال من التقليدية التي رسخت فيها، اعتمادا على قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة وليس المنع. وفي كل هذه المحاولات تجذر التسكين عند طه بمفردات التعايش الديني والعرقي في الداخل السوداني، وإبداع مقولات وصياغات جديدة وفريدة تستهدف بناء دولة قائمة على الحرية السياسية والدينية، شعارها”الحرية لنا ولسوانا”.

يتشابه الخطاب الفكريّ لطه من ناحية أخرى مع مرحلة مؤقتة خبرها العالم الإسلامي في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، والمتمثلة في أفكار جمال الدين الأفغاني. ما يجمع طه بالأفغانى هو الدعوة لاستلهام الإسلام كوسيلة ناجعة لتحقيق الاستقلال ومناهضة الاستعمار والسير على طريق نهضة الدول الشرقية. تحقيق هدف الأفغاني كان من خلال اقامة تحالف عريض من مجمل الأصوات التي يمكن أن تشكل رافعة هذا المشروع، سواء كانت هذه الأصوات ليبرالية أو علمانية.

سللك طه الطريق ذاته من خلال تشكيل حزب سياسي مناهض للاستعمار (الحزب الجمهوري الذي تأسس في 1945)، علاوة على دائرة من المريدين الذين ساهموا في نشر أفكاره. يضاف إلى هذا محورية دور النساء في تجربة طه التنظيمية والفكرية.

وفي صياغته لبرنامج حزبه قدم طه رؤية مختلفة نسبيا عن باقي القوى السياسية السودانية مفادها أنّ السودان مهيّأ لاستقلال تامّ وكامل عن دولتي الاستعمار وقتها (بريطانيا، ومصر).

وبفعل هذه الرؤية جرى اعتقاله مرتين من قبل السلطات الاستعمارية. وبعد خروجه من المعتقل في المرة الثانية توقّف عن العمل السياسي (يقال إنه أمضى ثلاث سنوات معتكفا)، ليخرج على الناس بعدها طارحا رؤيته حول “المذهبية الإسلامية الجديدة”.

وبهذا الفهم خالف مشروع طه- المستند إلى مقاومة ا لمخاطر الحقيقة ممثلة في الاستعمار وتأثيراته السياسية والاقتصادية والفكرية أيضا- مشروع الصراعات الوهمية التي سجلها أمام الحركات الإسلامية السياسية المعاصرة حسن البنا الذي رأى في القاهرة ما لم يكن موجودا في باريس، وبدلا من ان ينشغل بالوضع المزري الذي رزحت فيه البلاد تحت الاستعمار، كان هاجسه هو ما اعترى البلاد من “موجة التحلل في النفوس وفي الآراء والأفكار باسم التحرر العقلي، ثم في المسالك والأخلاق والأعمال باسم التحرر الشخصي، فكانت موجة إلحاد وإباحية قوية جارفة طاغية، لا يثبت أمامها شيء، تساعد عليها الحوادث والظروف”. (حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية).

لطه أهمية أخرى تقرأ في سياقها السوداني البحت. ففي سياق ثقافي يتميز بغلبة النقل الشفاهي، ظهر المفكر السوداني وهو يدعو إلى فعل الكتابة التي كانت تعبيرا عن الرغبة في التغيير من ناحية، وتعبيرا آخر عن ولع “طه” بالفكر والمفكرين. فمثلا أهدى طه الجزء الأول من كتابه “أسئلة و أجوبة” إلى “كل كريم، مؤمن بكرامة الفكر”.

للكتابة عند طه ملمح آخر وهو رغبة “طه” في تقديم منظومة متكاملة من الحلول السياسية والفقهية للقضايا المعاصرة. فمثلا في الكتاب سابق الذكر قام طه بالإجابة على أسئلة متنوعة طرحها نفر وصفهم بأنهم “فضلاء ينفتحون على العرفان…. ومهتمون بقضايا الفكر المعاصر”.

وتختلف هذه الإجابات طولا وقصرا، تفصيلا واختصارا، وتختلف موضوعاتها من أسئلة حول وجود الله، وقضية خلق القرآن وصولا إلى أسئلة حول الطهارة. وتختلف الإجابات أيضا فبعضها مناقشة فلسفية وبعضها على أسلوب حكميّ، فمثلا ورد سؤال لطيف مفاده”إلى أيّ حدّ تؤمنون بأنّ الغاية تبرّر الوسيلة؟”، وكانت الإجابة: الغاية لا تبرّر الوسيلة، ولكنها تحددها، لأن الوسيلة طرف من الغاية …. فالغاية العليا، كالحرية، لا يمكن التوسل إلى منازلها بالوسيلة الدنيا، كالنفاق مثلا.

وعن طريق الكتابة عبّر طه عن أفكاره، في كتابه “قل هذه سبيلي” الذي أصدره عام 1952 تناول ببعض من التفصيل البرنامج الخاص بالحزب الجمهوريّ طارحا شعاره التاريخيّ”الحرية لنا ولسوانا”،وكذلك مبدأ الحزب المتمثل في “تحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة والحرية الفردية المطلقة”.

وتباعا أصدر طه مجموعة من الكتب التي تشتبك مع الظاهرة السياسية والدينية في السودان والعالم العربيّ، مثال ” أسس دستور السودان”(1955)، و”الإسلام”(1956) الذي غلب عليه سجال تلك المرحلة حول علاقة الإسلام بالعلم، وكذلك كتاباه “رسالة الصلاة” و”طريق محمد” (1966).

الرسالة الثانية من الإسلام

في يناير من عام 1967 (عام النكسة) أصدر محمود محمد طه كتابه الأشهر ” الرسالة الثانية من الإسلام”. يحمل الكتاب فيما يحمل بحثا جديرا بالقراءة والتأمل في أصول الفقه من أجل هدف أوسع هو محاولة بناء منظور حضاريّ جديد ورؤية فلسفية مختلفة عن التقاليد الفقهية الكلاسيكية في العالم العربي.

في هذا الكتاب قدم طه طرحا لم يألفه الفكر العربيّ كثيرا، وتعلّق الطرح بتفعيل تصوّر مختلف لموقع الفرد في منظومة العلاقات الاجتماعية كما يراها الإسلام.

عند طه الفرد في الإسلام هو الغاية وكل ما عداه وسيلة إليه. وهذه الفردية هي مدار التكليف والتشريف. وبالطبع ستحيل هذه الرؤية إلى محاولة فكّ التناقض ما بين الفرد والجماعة، التي يقدّمها طه كالتالي، حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، امتداد لحاجة الجماعة إلى العدالة الإجتماعية الشاملة، ومن الناحية الفقهية فالفرد هو العبادات، والجماعة هي المعاملات. وينتهي “طه” إلى تقديم محتوى أخلاقيّ لهذا المنظور الفلسفيّ وهو أنه “ليست للعبادة قيمة إن لم تنعكس في معاملتك الجماعة معاملة هي في حدّ ذاتها عبادة”.

يمضي الكتاب في الصفحات اللاحقة لمناقشة القضايا المتعلقة بعلاقة الفرد والجماعة وحدود إرادة الفرد. حتى نأتي إلى الفصل الخامس في الكتاب والذي يعرض فيه للرسالة الأولى والتي هي رسالة المؤمنين. حيث أورد “طه” مجموعة من النتائج الفقهية الخطيرة. وقدم “طه” حصرا لثماني قضايا رأى أنها ليست أصولا في الإسلام، هذه القضايا هي الجهاد، الرقّ، الرأسمالية، عدم المساواة بين الرجال والنساء، تعدّد الزوجات، الطلاق، الحجاب، المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه.

في طبيعة ردّ الدولة

من البديهيّ بالطبع أن تسبّب هذه الأطروحات نقاشا وردود أفعال واسعة ومتباينة، لكنّ تباين ردود الفعل هذه أفضى إلى أن تكون “الدولة” هي الطرف صاحب ردّ الفعل الأكثر تطرّفا، حيث قدّمت “طه” للمحاكمة بتهمة “الردّة” مرّتين، الأولى في عام 1968 والثانية في 1985.

ينعت الإخوان الجمهوريون فترة الديمقراطية الثانية في السودان (1964-1969) بأنّها كانت طائفية، ولذلك كانت فاقدة المناعة أمام قوى الإسلام السياسيّ ” الهوس الدينيّ” بتعبير الجمهوريين.

في سياق مثل هذا كان طبيعيا أن يحكم على الأستاذ بالردّة من قبل محكمة الاستئناف الشرعية بالخرطوم في نوفمبر 1968 في بروفة لما سيحدث لاحقا في عام 1985.

أمّا نظام النميري (او نظام مايو نسبة للشهر الذي وقع فيه انقلاب 1969) فلم يتسامح إطلاقا مع الأفكار التي يطلقها “طه” في غدواته وروحاته. فصدر قرار بمنعه من إلقاء المحاضرات العامة في 1975.

لكن في هذه اللحظة التي صدر فيها قرار المنع، كان قد مرّ على خروج أفكار طه إلى المجال العام أكثر من ربع قرن، وهو ما يعني أنّ هذه الأفكار سلكت طريقا إلى عقول جيل جديد خصوصا في الجامعات السودانية، حيث نشط الجمهوريون في عرض هذه الأفكار في الشكل الحواريّ الذي يعرف في الجامعات السودانية بأركان النقاش. في لحظة تالية (أواخر عام 1976) تمّ اعتقال طه، ليجدّد ذكرياته في المعتقلات ولكن بفارق بسيط أنّ هذه المعتقلات ليست معتقلات المستعمر بل معتقلات سودان ما بعد الإستقلال. وعلى هذا تميّزت العلاقة بين “طه” ونظام مايو بالشدّ والجذب فأعيد اعتقاله مرّة أخرى في مايو 1983 على خلفية صدور كتاب بعنوان “الهوس الدينيّ يثير الفتنة ليصل الى السلطة” الذي وجّه انتقادات شديدة الوطأة لنائب النميري ورئيس جهاز الأمن عمر محمد الطيب.

إبان مكوث طه لفترة الاعتقال صدرت في سبتمبر من نفس العام قوانين تطبيق الشريعة الإسلامية التي لم يخفِ الأستاذ معارضته لها من داخل المعتقل.

تمثل هذه القوانين مرحلة منحطّة من الانتهازية السياسية، حيث تمّ فيها استخدام ورقة الدّين لسحق المعارضة ولكسب الشرعية. إلى جانب أنّ هذه التجربة لا تقدّم إطلاقا محاولة للاجتهاد بقدر ما تمثل تعبيرا عن تحالف غريب ما بين جعفر النميري و”الإخوان المسلمين” في السودان. لقد أراد النميري الإمساك بخيوط اللعبة السياسية في الداخل السوداني عن طريق التحالف مع الإخوان المسلمين.

وكما يشير منصور خالد (في كتابه النخبة السودانية وإدمان الفشل) أنّ الإخوان الذين وصفوا نظام النميري بأنه “النظام العسكريّ البشع” قد تحالفوا معه. إلى الدرجة التي قدم فيها الترابي وصفا لجعفر النميري بأنه “مجدّد المائة” (المرجع السابق ص 619).

لكنّ خروج طه من المعتقل في ديسمبر 1984، كان إيذانا برفع درجة العدواة مع النظام إلى أشدّها، ذلك لأنه أصدر بعد مرور أيام على خروجه بيانه الشهير ” هذا أو الطوفان” (25 ديسمبر1984 )

البيان عبارة عن صفحة واحدة يتكوّن من ثلاث فقرات وثلاث مطالبات، في الفقرة الأولى يتحدث البيان عن غايتين للإخوان الجمهوريين هما الإسلام والسودان، وفي الفقرة الثانية اشتباك فقهيّ مع منظومة تطبيق الحدود، فتحدّث البيان عن النتيجة السياسية المباشرة وهي أنّ قوانين سبتمبر ” شوّهت الإسلام في نظر الأذكياء من شعبنا، وفي نظر العالم، وأساءت إلى سمعة البلاد”.

تلا هذا الاشتباك إشارة إلى نتيجة فقهية مفادها أنّ ” هذه القوانين مخالفة للشريعة، ومخالفة للدين” ومن أشكال مخالفتها أنّ هذه القوانين ” أباحت قطع يد السارق من المال العام، مع أنه في الشريعة، يُعزّر ولا يحدّ لقيام شبهة مشاركته في هذا المال” ومن ناحية أخرى أضافت هذه القوانين إلى الحدّ ” عقوبة السجن، وعقوبة الغرامة، مما يخالف حكمة هذه الشريعة ونصوصها”كذلك هناك منطق آخر وهو أن هذه القوانين ” قد أذلت هذا الشعب، وأهانته، فلم يجد على يديها سوى السيف، والسوط ” وفي النهاية ” تشاريع الحدود والقصاص لا تقوم إلا على أرضية من التربية الفردية ومن العدالة الاجتماعية، وهي أرضية غير محققة اليوم”.

واختتم البيان بطرح ثلاثة مطالب، الأوّل خاصّ بإلغاء هذه القوانين، وتمثل في حتمية الحل السياسي والسلمي، بدل الحلّ العسكري في قضية الجنوب. أما المطلب الثالث فهو “إتاحة كل فرص التوعية، والتربية، بهذا الشعب، حتى ينبعث فيه الإسلام في مستوى السنّة (أصول القرآن) فإن الوقت هو وقت السنة، لا الشريعة (فروع القرآن)”، وذلك لأنّه يكمن في هذا البعث “الحلّ الحضاريّ لمشكلة الجنوب، ولمشكلة الشمال معا‍ … أمّا الهوس الديني، والتفكير الديني المتخلف، فهما لا يورثان هذا الشعب إلا الفتنة الدينية، والحرب الأهلية”.

بسبب هذا البيان اعتقل طه وأحيل إلى المحكمة، وصدر حكم الإعدام ضده بتهمة معارضة للسلطة واثارة للكراهية ضدها. وبعد أسبوع واحد من هذا الحكم أصدرت محكمة الاستئناف حكمها بتأييد حكم أوّل درجة ولكن بعد أن قامت بتحويل التهمة من معارضة السلطة واثارة الكراهية ضدها، إلى اتّهام بالردّة ضدّ الأستاذ وأربعة من تلاميذه.

لنقرأ هذه السطور التي أوردها طه شفاهة في محاكمته التي سجّلت بالصوت والصورة للجمهور:

“أنا أعلنت رأيي مرارا، في قوانين سبتمبر 1983، من أنها مخالفة للشريعة وللإسلام. أكثر من ذلك، فإنها شوهت الشريعة، وشوهت الإسلام، ونفّرت عنه. يضاف إلي ذلك أنها وضعت، واستغلت، لإرهاب الشعب، وسوقه إلي الاستكانة، عن طريق إذلاله. ثم إنها هددت وحدة البلاد. هذا من حيث التنظير. وأما من حيث التطبيق، فإنّ القضاة الذين يتولّون المحاكمة تحتها، غير مؤهلين فنيا، وضعفوا أخلاقيا، عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية، تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب، وتشويه الإسلام، وإهانة الفكر والمفكرين، وإذلال المعارضين السياسيين. ومن أجل ذلك، فإني غير مستعد للتعاون، مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل، ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحر، والتنكيل بالمعارضين السياسيين”.

وفي يوم 17 يناير 1985 تلا النميري بيانا تليفزيونيا أعلن فيه مصادقته على حكم الاعدام الذي نفذ في اليوم التالى بحق الأستاذ في الوقت الذي ألغى فيه قرار حكم الإعدام بحق تلاميذه الأربعة وذلك لأنهم استتابوا ورجعوا عما كانوا عليه!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This