حول كتاب (ارسطو في جبل سان ميشال)(1) هل يدين الغرب المسيحيّ للشرق الإسلاميّ بشيء؟

في كتاب نقديّ أثار ضجّة كبيرة في فرنسا، قلل المؤرخ سيلفان غوغنهايم من أهمّية تأثير المسلمين الإيجابيّ على أوروبا المسيحية في القرون الوسيطة. تقول أطروحة “أرسطو في جبل السان ميشال، الجذور اليونانية لأوروبا المسيحية” الصادر عن دار لوساي 2008، إنّ الإرث اليونانيّ لم يصل أوروبا عن طريق المسلمين كما روّج المؤرّخون حتى الآن، بل انتقل بشكل مباشر في القرنين الحادي عشر والثاني عشر دون أن يكون للفلاسفة العرب دور فاصل. وبناء على ذلك، يمكن استنتاج أنه لم يكن للمسلمين التأثير الحاسم في النهضة الأوروبية “كانت ستكون مسيرة الأوروبيين نفسها حتى لو لم يكن لهم أية علاقة بالعالم الإسلامي “، يكتب المؤرخ بالحرف الواحد.

أثار هذا الرّأي المخالف لجمهور علماء القرون الوسطى زوبعة في الأوساط الثقافية الفرنسية، بل اعتبر زلّة علمية وفضيحة عنصرية، وقد استغلّ بعض المتأسلمين أطروحة الكتاب المثيرة واعتبروا ذلك بمثابة الدليل القاطع على تنامي معاداة المسلمين والإسلام في الغرب. فالدكتور طالب الإبراهيمي، وزير الخارجية الجزائري الأسبق، نظر إلى الكتاب على أنه جزء من حملة التنصير التي تتعرّض لها بعض البلدان الإسلامية كالجزائر والحملة الغربية ضد الإسلام عموما. وذهب كثير من دارسي الإسلام الفرنسيين نفس المذهب، كان أشهرهم آلان دو ليبرا الذي نشر رسالة عنيفة اللّهجة، على صفحات أسبوعية تيليراما، ردّ فيها الاحتفاء بالكتاب إلى ما أسماه إسلاموفوبيا مألوفة.

يمكن أن نقول إنّ الانتقادات الموجّهة للكتاب لم تذهب إلى صلب الموضوع بل اكتفت بالإشارة إلى أخطاء الكتاب في قضايا تفصيلية، بهدف تبيان عدم جدّية الكتاب. نُظر إلى الكتاب على أنّه أطروحة جامعية في حين أنه كتاب موجّه لقراء عاديين لا تهمّهم التفاصيل ولا الببليوغرافيا الأكاديمية الصارمة.

أخذ النقاش مسارا غريبا، ابتعد المعارضون لأطروحة الكتاب عن النقد الفكريّ ومقارعة الحجّة بالحجّة وراحوا يقدحون في شخصية الرجل ويفتّشون في نواياه ويتّهمونه بالتعاطف مع اليمين المتطرف العنصريّ. وهكذا سيّست المسألة، وخرج56 فيلسوفا ومؤرخا يطالبون برأس الرجل حيث أمضوا نصّا رافضا لما جاء في الكتاب تحت عنوان ‘نعم، الغرب المسيحيّ مدين للعالم الإسلاميّ’، نشرته يومية ليبيراسيون اليسارية الفرنسية (30/04/2008) جاء فيه أنّ المؤلف اقترح قراءة مخادعة للعلاقة التي ربطت الغرب المسيحيّ بالعالم الإسلاميّ، مندّدين بالدعم الذي تلقّاه الكتاب من الصحافة المؤثرة، ويقصدون جريدة لوموند التي كانت سباقة بالتعريف الإيجابيّ بالكتاب( 04/04/2008) حيث لم يُعِد روجي بول دروا النظر في أطروحة الكتاب فحسب بل ختم مقاله مادحا في ملحق لوموند ‘عالم الكتب’ : ” على عكس ما نجترّ منذ الستّينات، لا تدين الثقافة الأوروبية في تاريخها وتطوّرها بالشيء الكثير للإسلام، لا تدين بشيء جوهريّ على كلّ حال. يعيد هذا الكتاب الدقيق والموثّق الأمور إلى نصابها بكل شجاعة”. وأشار رافعو العريضة إلى تضامن بعض مواقع الأنترنت المتطرّفة معه.. كما أنّهم فنّدوا في صفحة واحدة وبعجالة ما جاء على طول277صفحة.

لم يسلم الأستاذ الباحث حتى في المدرسة العليا التي يدرّس فيها، إذ طالب زملاء له بتشكيل لجنة للنظر في مدى علمية الكتاب وهو ما جعل صاحبنا ينقطع عن التدريس في انتظار نتيجة التفتيش. لكن جاءه تضامن من مؤرخين بولونيين اختبروا الرقابة جيدا في عهد السوفييت. ذكّر مؤرخو تورون البولونية بما كان يعانيه الباحثون في تلك الأيام السوداء وتساءلوا في ما إذا كانت الأمور ذاهبة ذاك المذهب اليوم في فرنسا؟

فهل صحيح أنّ الغرب المسيحيّ لا يدين في نهضته للشرق الإسلاميّ بشيء؟ وهل اعتبار البعض الرشدية أصلا للحداثة الأوروبية مجرّد وهم من الأوهام التاريخية؟ هل التلويح بالعرائض منهج طبيعيّ للنقاش العلميّ؟ ألم ينقلب السحر على الساحر هنا؟ هل من الضروريّ على العرب أن يهضموا الإرث اليوناني ويقدموه للأوروبيين حتى تكون لحضارتهم قيمة؟ من هو الأوروبيّ- المركزيّ هنا؟ لم تعرف الصين ولا الهند ‘العقل الهيليني ” ومع ذلك لا أحد ينكر عظمة الحضارتين؟ هل الإرث اليوناني سلّم قيم أم هو مجرد معيار تصنيف؟ هل يوجد إرث يونانيّ خالص، نبت من العدم؟ تكفي إطلالة على ردّ الأستاذ جورج طرابيشي على محمد الجابري في ‘ نظرية العقل ‘ لنقف على تفاصيل محدودية بل خرافة مقولة ‘العقل اليونانيّ”. هل تمنطق الإسلام ووضع المنطق فوق التنزيل جراء احتكاكه بالتراث اليونانيّ؟

أليس هذا الكتاب ردّا شافيا على ذاك المرض الذي يحاول فيه بعض الجامعيين الأوروبيين والإسلامويين اختلاق فضل مفبرك للإسلام عبر ابتكار دور مضخم له في التطور الحضاريّ الإنسانيّ؟

ألا تعتبر عريضة الـ56 وما تلاها من ردود ضدّ أطروحة لها الحقّ في الوجود كباقي ما يطرح، بمثابة فتوى ضدّ المؤرخ؟ فهل وصلنا إلى زمن فرنسيّ رديء قُلبت فيه مقولة فولتير الشهيرة إلى :”لا أتّفق مع ما تقول وسأعمل كل ما في وسعي كيلا تتمكّن من قوله”؟

لماذا نغضب عندما يقول صاحب الكتاب أنّ اللغة العربية لغة شعر وليس لغة مصطلح فلسفيّ إذا كانت الفلسفة مُحرّمة في دول الخليج وإذا كان تدريسها مهزلة في البلدان التي لا تحرّمها لحدّ الآن؟ لماذا تزعجنا التهمة في الوقت الذي يتعرض فيه أدونيس لغزوة فقهية شرسة بمجرد أنّه طالب بالحرية بدل الفقه والعقلانية بدل الخرافة والمصطلح الفلسفيّ بدل البسملة والحمدلة؟

تلك أسئلة ينبغي أن تطرح وتعالج بجدية. لكن ما يحزن فعلا هو صمت المؤرّخين العرب وترك المجال للآخرين ليدافعوا عنّا أو ليحطّوا من شأننا، أصبحنا موضوعا مفعولا به. لماذا نلوذ بالصمت الرهيب حينما يتعلّق الأمر بقضايا دقيقة تتطلب الجهد والعمل الدؤوب الموثّق ونتشدّق حينما يتعلّق الأمر بعموميات وخطب إنشائية لا تكلّف أدنى جهد؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This