في مديح رشيدة داتي! لم لا؟
رشيدة داتي حامل. إن جاز لي التعبير عن مشاعر تجاه حدث خاص كهذا فقد شعرت بالسرور لمّا سمعت النبأ. ولمن لم يسمع النبأ، فقد كشفت وزيرة العدل الفرنسية، غير المتزوجة، رشيدة داتي عن حملها، من دون الإفصاح عن أب للجنين. بالطبع قدّمت رشيدة داتي مادة دسمة للصحف والمواقع الالكترونية التي انهمكت في التكهنات حول من يكون أباً لطفلها، واحتلت عدة شخصيات معروفة، على رأسها الرئيس ساركوزي، مركز الأب المجهول. لكنني أعتقد أن الحدث يتجاوز بأهميته معرفة هوية الأب، فمنذ فترة قصيرة أيدت الوزيرة المذكورة حكم محكمة ليل بإبطال الزواج بسبب فقدان البكارة، وأثار تصريحها آنذاك حملة انتقادات عنيفة من المنظمات الحقوقية، لذا يكتسب سلوكها اليوم وقعاً مختلفاً، خاصة أنه سلوك غير مسبوق على صعيد الحكومات الفرنسية.
للتذكير كانت سيغولين رويال، المرشحة الاشتراكية للرئاسة الفرنسية، أمّاً بلا زواج، لكن رويال لم تُنتخب رئيسة لتسجّل سابقة في الحياة السياسية الفرنسية. كانت داتي حينها ناطقة باسم حملة ساركوزي، ثم كوفئت بأن عُيّنت وزيرة للعدل لما أظهرته من كفاءة، وكانت في يمينيتها نموذجاً لأولئك المهاجرين الذين يشعرون بعقدة نقص فيغالون في إظهار الولاء، ويزايدون على أبناء البلد “الأصليين”. ترجع داتي إلى أبوين مغاربيين، وكان موقفها من قضية محكمة ليل طعنةً مزدوجة؛ فهي خالفت موقعها المفترض كوزيرة للعدل بأن أيّدت تمييزاً بحقّ المرأة عموماً، وعلى نحو خاص كان عليها تفهّم موقف المرأة المدّعى عليها بسبب اشتراكهما في الأصول العرقية والثقافية ذاتها، ومعرفة الوزيرة بما تعانيه المرأة المسلمة من قمع وكبت.
لم تخرق رشيدة داتي القوانين الفرنسية بحملها بلا زواج، هو فقط خروج عن الأعراف السياسية المعتادة، وبيت القصيد هنا أن الطبقة السياسية عموماً لم تكن تحت القانون وحسب، بل هي على الدوام أكثر محافظة مما تتيحه القوانين للمواطن العادي. كأنما العرف المضمر يقتضي بأن تكون القوانين للعامّة، بينما تبقى الحياة الشخصية للنخبة السياسية محكومة بتقاليد مغايرة، ويحاول أفرادها باستمرار عيش حياة “مستقيمة”، ما يذكّرنا بالقسمة الأثينية بين النبلاء والعوام. ما يزال التصور السائد يُلزم الشخصية العامة بأطر صارمة، ولا يفصل بين الكفاءة المطلوبة منها في ممارسة عملها وشؤونها الخاصة؛ تُوضع الشخصية العامة في موقع المثال الذي يُحتذى به، وقد عنى هذا المثال دائماً الاعتدالَ في ممارسة الحقوق الشخصية، إن لم يكن التزمّت فيها؛ أي أن النموذج الغالب اجتماعياً متخلف عن القوانين المعمول بها.
{{* الحقّ في الأمومة}}
من الشطط النظر إلى رشيدة داتي بموجب أصولها، فهي كما أسلفنا أظهرت فرنسيةً فوق العادة، ومع ذلك يكتسب سلوكها قيمة مضافة بالقياس إلى أقرانها من ذوي الأصول المهاجرة؛ أولئك الذين أقاموا غيتوات عرقية وثقافية، وتحول الكثير منهم إلى تطرف وعداء تجاه مجتمعاتهم الجديدة وقيمها. وكما نعلم لا مجال للسؤال عن نتائج حمل رشيدة داتي فيما لو كانت مقيمة في إحدى الدول العربية، فهي ستُعاقب اجتماعياً وقانونياً على أنها زانية، ومع ذلك سأنطلق من قضية داتي إلى مناقشة حقّ لا يُثار فيه النقاش في مجتمعاتنا؛ هو حقّ الأمومة.
ربما يرى البعض في مسألة الأمومة قضيةً متعلقةً فقط بالجانب الجنسي، أي أنها ملحقة بالحرية الجنسية في المجتمعات التي تبيحها، ومقترنة بمؤسسة الزواج في المجتمعات التقليدية. لكن الفصل بين المسألة الجنسية والأمومة ينبغي النظر فيه لاعتبارات اجتماعية ونفسية وأخلاقية، وهذا يستتبع الفصل بين مؤسسة الزواج وحقّ المرأة في الأمومة، بغية إزالة التمييز عن شريحة كبيرة من النساء.
في الفصل بين المسألة الجنسية والأمومة، من المعلوم أن الإحساس أو الرغبة في الأمومة تنشأ عند الفتاة غالباً قبل الإنجاب، سواء رُدّت هذه الرغبة إلى تنشئة اجتماعية أو إلى خاصية بيولوجية، وعلى ذلك قد لا تقترن الرغبة في الأمومة بالرغبات الجنسية، وعلى سبيل المثال لا شيء يحول بين امرأة مثلية جنسياً والرغبة في أن تصبح أماً. بعبارة أخرى، قد لا تتطابق الرغبة في الأمومة مع النشاط الجنسي للمرأة، وما يتصل بهذا النشاط من نواحٍ سيكولوجية، وهذا يرتّب الفصل المفهومي والحقوقي، وعدم قصر الحقّ في الأمومة على المرأة كفاعل جنسي.
من جهة أخرى قد لا يكون الزواج متاحاً لكافة النساء، وتشير الإحصائيات إلى أن معدل العنوسة آخذ في الازدياد في المجتمعات العربية، ولا توجد إحصائيات عن عدد النساء اللواتي تجاوزن سنّ الإنجاب وهنّ بلا زواج، وبالتالي بلا إنجاب. أي أننا أمام عدد متصاعد من النساء اللواتي لا يتزوجن، ليس لأنهن يرفضن الزواج، ولا ينجبن، مع وجود الرغبة في الإنجاب لديهن، وإذا كانت الرغبة في الزواج تتعلق بوجود شريك دائم فإن الرغبة في الإنجاب لا تتوقف على هذا الشرط، وتدلّ الوقائع على أن النساء في أغلب الأحيان أكثر تمسكاً بأمومتهن من تمسكهن بالزواج، وهذا لا ينفي طبعاً وجود نساء لا يرغبن في الإنجاب، وهو حقّ لهن أيضاً.
تنطلق التشريعات المعمول بها في الدول العربية من أن الزواج مؤسسة للإنجاب، وترجّح التشريعات موضوعة الإنجاب على استمرار المؤسسة إذ تجيز الطلاق لعلّة عدم الإنجاب، أي أنها تعطي لحقّ المرأة في الأمومة أولوية وتجيز لها الطلاق من زوج لا يُنجب، وإن كانت لا تصل إلى منح حقّ الأمومة بإطلاق، فعلى المرأة المطلقة في هذه الحالة معاودة الزواج بغية الإنجاب. إذن الاعتراف بحقّ الأمومة يبقى مشروطاً، من دون الالتفات إلى الآثار السلبية التي تعاني منها النساء الباقيات خارج مؤسسة الزواج لسبب أو لآخر. يستند قانون الأحوال الشخصية في هذه الدول إلى التشريعات الدينية، وهذا ما يدفع إلى التساؤل: إذا كان الفقه الديني وضع الأمومة في مرتبة تفوق الزواج فلماذا تحجب التشريعات هذا الحق عبر تقييده؟ على صعيد متصل تجرّم التشريعات الإجهاضَ، فكيف تحرم المرأة الراغبة في الإنجاب من حقّها؟ وللتنويه، خاصة لأولئك الذين تثير الحرية الجنسية حفيظتهم، لم يعد الإخصاب وقفاً على الممارسة المعتادة للجنس، وصار الحمل ممكناً مع عدم توفر الأركان المطلوبة لفعل “الزنا”.
نستطيع الجزم بأن مئات الآلاف، وربما الملايين، من النساء يُحرمن من الأمومة في مجتمعاتنا، وهذه المجتمعات ذاتها تنظر إليهن بعين الشفقة، وهي نوع آخر من الضغط الاجتماعي، كما أنهن معرّضات مع تقدّم السنّ إما للوحدة أو العيش تحت رحمة ووصايات اجتماعية تزيد في اضطهادهن، هذا بخلاف المكابدة الناجمة عن الحرمان العاطفي. مع الأسف لا تزال حقوق تلك النساء غير مطروحة للنقاش المجتمعي، ولا نجد في أجندة الحركات النسوية العربية تبنّياً لهذه القضية، ربما بسبب الاعتياد على ربطها بالحرية الجنسية، والتخوّف من الاتهامات المعدّة سلفاً كالاتهام بالإباحية.
أخيراً ليس من شأن مقالة أن تستوفي الحوار في قضية شائكة كهذه، بقدر ما تطمح إلى إثارة النقاش حولها. قد ينبري لنا كالعادة مَن يلوّح بقضايا “كبرى” من أفغانستان إلى دارفور، ويتهمنا بالانعزال عن قضايا “الأمة” والتلهّي بقضايا هامشية أو ثانوية؛ من جهتي لا أستوعب هذا النبل في الأخلاق الذي يدفع بالبعض إلى التعاطف مع نوع واحد من المظالم، ويشيح بوجهه عن أنواع التمييز والمظالم الاجتماعية التي ترتكب يومياً على مقربة منه، أو تقع على أفراد عائلته.
