الأقلّيّات والمواطنة في العالم العربيّ
الأقلّيّات الدّينيّة والمذهبيّة والأتنيّة واللّغويّة:هل في الأمر جدران مرئيّة أم لامرئيّة؟
فئات لها تعريف في القانون الدّوليّ يحسن الوقوف عنده وعند تبعاته الدّستوريّة والقانونيّة في بلداننا…
فئات ربّما يجمع بينها في معيشنا اليوميّ أنّ الإشارة إلى الانتماء الدّينيّ أو المذهبيّ أو الأتنيّ تسبق اكتشاف الشّخص أو معرفته، تسبقنا إليه، وقد تقف حائلا دون أبعاده الأخرى..
فئات قد تكون مجرّد أسماء أفرادها حملا ثقيلا ينوؤون تحته.. وقد يستغرب وجودَهم عامّة النّاس في بعض الأصقاع، لأنّ العروبة ارتبطت بالإسلام، والإسلام ارتبط بالعروبة ارتباطا أدّى إلى إقصاء المجموعات غير المسلمة وغير العربيّة على أنحاء شتّى يمكن أن نقف عند مظاهرها وتحوّلاتها المختلفة.. هل نحتاج إلى لحمة من هذا القبيل لبناء الرّابط الاجتماعيّ؟
فئات صامتة أو معتّم عليها أو منبوذة أو مهمّشة في مجتمعاتنا، لا تكاد تبرز إلاّ في تقارير حقوق الإنسان الموجّهة إلى أوساط مخصوصة، أو في شكوى الأفراد وبوحهم، أو في الحدث الاستثنائيّ الذي يخطف الأبصار كالمكبوت إذ يعود بغتة: عندما تحرق أماكن عبادة أو تفجّر، أو تحصل مجزرة، أو يعتقل أشخاص بتهمة إقامة عبادة، أو تنظّم هجرة سرّيّة، أو يتنازع على أرض، أو على بطاقة هويّة، أو على حضانة أبناء، أو على الحقّ في استعمال لغة، وفي تسمية طفل باسم جدّ غير عربيّ..
متى تكلّم هؤلاء الصّامتون وكيف؟ وهل الكلمة متاحة لهم وكيف؟ كيف يمكن أن يصبحوا جزءا فاعلا من هويّات خلاّقة قائمة على التّعدّد، بدل أن يكونوا ضحايا، أو أسرى لانتماء أضيق من الانتماء إلى وطن؟
هل من المفيد فتح هذا الملفّ؟ وهل فُتح هذا الملفّ كما ينبغي بعد استقلال بلداننا؟ أيّ دور لعبته الإيديولوجيّات القوميّة بأنواعها والدّينيّة بأنواعها، وأيّ دور لعبته فنتازمات الأمّة الواحدة والصّفّ الواحد والبنيان المرصوص والمجموعة “الملتفّة” حول حزبها أو زعيمها في فتح هذا الملف أو طيّه أو إبقائه مغلقا؟
وأيّ دور لعبه الخطاب الرّسميّ، ومثقّفو المشهد الرّسميّ في قبول هؤلاء المختلفين عن الأغلبيّة أو إقصائهم، أو إنكار وجودهم؟ هل الأغلبيّة ترتبط في أدهاننا وتشريعاتنا بالغلبة، والأقلّيّة بالقلّة، قلّة العدد وقلّة الحيلة، وقلّة أمور أخرى؟
وأيّ دور لعبه رجال الدّين الإسلاميّ ومنظّماتهم الرّسميّة، وأيّ دور لعبته حركات الإسلام السّياسيّ في التّخلّي عن أحكام أهل الذّمّة أو التّمسّك بها؟ هل تتطوّر هذه التّعبيرات الدّينيّة في هذه النّقطة بالذّات أم تجدّف ضدّ التّيار، تيّار تنامي الوعي والمطالبة بالحقّ في الوجود والمساواة؟
وكيف تقيم أجهزة السّلطة السّياسيّة والدّينيّة المراتبيّات بين الأديان المهمّشة، فتميّز بين أديان أقلّ هامشيّة لأنّها “توحيديّة”، وأخرى وثنيّة أو مبتدعة؟ وهل طوّر الخطاب المتضخّم عن التّسامح وحوار الأديان المنظومات العقائديّة في اتّجاه القبول بمواطنة المختلفين في الدّين والمذهب، أم بقي خطاب مجاملات ومناسبات؟
وكيف تتصرّف المذاهب المنتمية إلى دين واحد وكأنّ كلاّ منها يمثّل دينا بحاله، فتنفصل أماكن العبادة ويحرّم الزّواج المختلط وتتأجّج النّزاعات؟
وأيّ دور لعبته الدّول الأوروبّيّة في العصر الحديث لحماية حقوق بعض الأقلّيّات أو لتحويلهم إلى “جاليات” غريبة ولتشجيع هجرتهم؟
وأيّ دور لعبته الحروب والنّكبات في تصاعد الوعي الانطوائيّ الضّيّق؟
وكتابة التّاريخ؟ وواجب الذّاكرة، وحروب الإبادة والتّشريد، والعنف اليوميّ بأنواعه، والجدران العازلة المانعة من الحبّ والتّزاوج؟ وأمثالنا الشّعبيّة وعباراتنا التي تُكال فيها أقبح النّعوت لغير المسلمين وغير العرب.. أمثال وعبارات ترتجف اليد عند تذكّرها ولا نجرؤ على كتابتها ونشرها.. على الأقلّ في هذه الورقة الافتتاحيّة..
أيّ مركزيّات وفنتازمات سياسيّة يجب الانكباب على تفكيكها حتّى تقبل مجتمعاتنا ودولنا مبدأ المواطنة، أي مبدأ الانتماء إلى الدّولة، والمساواة في الانتماء إلى الدّولة لكلّ من يعيشون على رقعة واحدة، بقطع النّظر عن الدّين والمذهب واللّغة والأصل؟ ثمّ هل تتناقض مبادئ المواطنة والدّيمقراطيّة مع قيام أحزاب ذات أساس دينيّ أو أتنيّ؟
وكيف يمكن العمل من أجل بناء حياة سياسيّة ومدنيّة تقوم على المواطنة بدل الطّائفيّة، والتّعدّد بدل الدّين الواحد واللّغة الواحدة؟ كيف يمكن العمل من اجل أن تتوفّر الإرادة السّياسيّة لتحقيق هذه المواطنة وترسيخها؟ وكيف يمكن بناء تجارب حرّيّة صغيرة من أجل تحقيق هذا الهدف الكبير؟
ملفّ آخر نفتحه، التزاما بالحوار في ما يطرحه الفكر النّقديّ من زحزحة للمركزيّات، ومراجعة للهويّات المغلقة، ولصيغ الانتماء التي تتسبّب في آلام اللاّمساواة.
