مفارقات التاريخ الفضائي (2/1)

المعروف عن التاريخ العربي الإسلامي افتقاره إلى التدوين خلال القرون الأولى، والثابت أنه قد كتب على أيدي الأجيال اللاحقة من لدن كتاب غير ثقاة على الأغلب، وبشكل كانت الأماني والأهواء فيه غالبة على الوقائع والحقائق، أي إنّ المؤرّخ قد كتب ما كان يريد له أن يكون، لا ما كان بالفعل، وخلط بين مشاعره وميوله، وبين المجريات المادية التي رآها أو سمع بها. يتّضح هذا الأمر أكثر ما يتّضح في الكتب التاريخية التي تناولت تاريخ العرب وركّزت على العهد الإسلاميّ منه، وثلاثة أرباع التاريخ العربيّ، كما يعلم الجميع، تاريخ إسلاميّ صرف انطلق مع مطلع القرن السابع الميلادي ليستمرّ إسلامياً حتى يومنا هذا. يؤرّخ الطبري – مثلاً لا حصراً – للسيرة النبوية كمؤرّخ مسلم أصيل يدلي بدلو رأيه حيث لا يجب أن يفعل، فيبارك من أخلص للدين وللرسول، ويلعن من خاصمه وحاربه، وبالطبع وفقاً لما كان قد تكشّف للناس حتى ذلك العهد (عهد الطبري) من المعارف. ورغم ذلك كان الرجل أصدق وأكثر موضوعية من كثير من مؤرّخينا الحاليين، فهو يورد أحاديث ووقائع يأنف رواة اليوم من نسبتها إلى أبطالها الذين حوّلهم طول العهد إلى أشباه آلهة، وحوّلهم الفكر الدينيّ المسطّح إلى معصومين عن الباطل ومنزّهين عن الفعل البشريّ قولاً وفعلاً بل وصوتاً وصورةً. وبناءً على ذلك، أسّست الدول القومية والدينية الحديثة تاريخاً خاصّاً بها، هو “التاريخ المدرسي”، وخصّص للتدريس وتعليم الناشئة في المدارس والمعاهد الحكومية لغايات أيديولوجية بحتة، وعلى هذا النهج الانتقائي ذاته سار لاحقاً مؤرّخو العصر الحديث ( كتّاب السيناريوهات ومخرجو المسلسلات والأفلام العربية التاريخية)، ولا غرابة فهم في نهاية الأمر خرّيجو تلك المدارس وتلاميذها، منها مصدرهم وإليها مرجعهم. ومنذ انطلاق السينما والتلفزيون في العالم العربي قبيل منتصف القرن الماضي بقليل فرضت المرجعيات الدينية، وباجتهاد شخصي، على أرباب هذه الفنون عدم إظهار شخصية الرسول مجسّدة على الشاشة، وذلك لاستحالة التشبّه به خَلقاً وخُلُقاً من قبل أيّ ممثل وتلا ذلك تحريم إظهار والدي الرسول وبعض كبار الصحابة، كالخلفاء الراشدين الأربعة ومعاوية بن أبي سفيان وجعفر الطيار وسواهم، وبذلك اقتصر أبطال المسلسلات الإسلامية، وهم من كبار الممثلين في السينما والتلفزيون العربي، على أداء أدوار الشخصيات الثانوية في أحداث التاريخ الفعلي. يظهر خالد بن الوليد (أسلم لاحقاً) في أحد المسلسلات العربية التاريخية الأسطورية، بعد أن هزم جيش المسلمين في أحد، وكأنه نادم لا يكاد يرفع رأسه عن الأرض من شدّة الحزن والألم والخزي، بينما باقي فرسان قريش يقصفون ويعربدون ابتهاجاً بالنصر العظيم، وهذه قمّة السخرية والضحك على عقل المشاهد! أليس من المنطق الفنّي والواقعيّ أن يكون ابن الوليد، وهو صانع هذا النصر، أكثرهم زهواً وابتهاجاً وهو المشرك السابق الشديد على المسلمين كما هو ثابت في التاريخ؟! ويظهر أبو لهب (لم يسلم قطّ) في مسلسل آخر في المرحلة التي سبقت ولادة الرسول محمد كنموذج سيّئ وشرير، لا وقار يبدو عليه ولا خير يرجى منه، على عكس ما يرويه التاريخ عنه من نصرته للرسول بعد وفاة أبي طالب. فيما يكون أبو سفيان(أسلم فيما بعد) وهو سيد مكة وأشدّ الناس على الرسول أقلّ شراً ومكراً وأكثر حلماً ومهابةً ووقاراً. ولئلا يكون الكلام عامّاً وسهام النقد شذر مذر، لنناقش مسلسلاً بعينه تمّ عرضه في رمضان 2008 على أكثر من قناة فضائية (اشترته 20 قناة فضائية) وهو مسلسل (قمر بني هاشم)، تأليف وسيناريو وحوار (محمود عبد الكريم)، نقلاً عن 300 مرجع !!وإخراج (محمد شيخ نجيب)، ومن إنتاج قناة “ساهور” الفضائية السودانية، بتكلفة تزيد عن المليوني دولار ومشاركة حوالي 220 ممثّل من أكثر من بلد عربي. لن نتعرّض لمتن القصة لأنها لم تخرج، ولا ينبغي لها، عن نطاق السيرة النبوية الشريفة المتعارف عليها. ولم يزد إبداع الكاتب على بعض الرتوش في السيناريو من خلال بعض الإضافات على الحوار الوارد وبعض التفاصيل الصغيرة على الأحداث المروية في كتب التاريخ. منذ بداية المسلسل أي قبل مبعث الرسول بأربعين عاماً، يظهر جدّه عبد المطلب وعمّه أبو طالب وورقة بن نوفل كمسلمين حقيقيين، وذلك من خلال كلامهم وسلوكهم في المسلسل فيما يظهر أبرهة الحبشي، القادم لغزو مكة وهدم الكعبة، كنموذج بدائيّ للشرّ وكملك أسود غبيّ لم يتّعظ ممّا روي له عن قصم الله للجبابرة من قبله، الذين راموا الكعبة بشرّ. وبالطبع كطاغية لا يحمل شيئاً من أخلاق المسيحية (وهو الذي يصرّح في المسلسل أنه على دين المسيح). ألا يذكّركم ذلك بالصورة التقليدية البائسة والمكرورة لبني إسرائيل في المسلسلات ذاتها (يظهرون كخفافيش قبيحة لا تتقن سوى التآمر) وللعثمانيين في المسلسلات الشامية (دمى بشوارب طويلة تتكلّم عربية ركيكة)؟!. تقف جميع شخصيات المسلسل بدون استثناء حائرة مبهوتة مشدوهة، بمن فيهم اليهود والنصارى والمجوس وأحناف قريش، حين يعلن مولد الرسول (نسي كاتب السيناريو أنّ الرسول كان حتى قبل بلوغ الأربعين مجرّد طفلٍ من أطفال قريش ثمّ رجلاً من رجالها)، أمّا ممثّلونا الأمّيون، فقد تناسوا أنفسهم وانساقوا مع عواطفهم الدينية الجيّاشة منسجمين مع مراد كاتب السيناريو العبقريّ صاحب المراجع الثلاثمائة، فتقمّصوا وهم خلف الكاميرات شخصياتهم الحقيقية كشوامّ مسلمين تقليديين، وليس كقرشيين كما كان المطلوب منهم نظرياً. ودون أن ينتبه المخرج العبقري لهذه النقطة. كلّ الشخصيات النسائية تتمنّى لو تكون أمّاً لمحمّد اليتيم، وهو بعد يرضع أو يحبو، وكأنهن جميعاً قد نظرن في التوراة أو الإنجيل ورأين البشارة بالنبي الهاشميّ، أليس في ذلك مبالغة وافتئاتاً على التاريخ ؟! جميع الأقوام والطوائف والمذاهب وأهل الديانات في المسلسل يعلمون بقرب ظهور نبيّ كما يوضّح لنا “التاريخ المدرسي” وكاتب السيناريو معاً ( رقية بنت نوفل – ورقة بن نوفل – خديجة بنت خويلد – سيف بن ذي يزن في اليمن – اليهود في المدينة – المجوس في بلاد فارس …)، ومع ذلك فما أن أعلن الرسول نبوّته حتى كذّبه أقرب الناس إليه نسباً ومكاناً عمّه أبو لهب، وأبى عمّه الآخر أبو طالب وابن عمّته عاتكة أن يتبعاه وكذلك عمّاه الآخران حمزة والعباس لم يكونا من السابقين في الإسلام، بل إنّ قريشاً، وهم أهله الأقربون، لم يدخلوا الإسلام إلا بعد فتح مكة وتحت ظلال السيوف. أليس من الأجدى التدقيق في روايات المؤرخين بشأن ما سبق ظهور النبيّ من تنبؤات تفوق حدود المعقول، ولعل البحث يثبت أنّ أكثرها موضوع بعد ظهور الإسلام. الرسول الطفل محور المسلسل من أوله إلى آخره إلى درجة غير تاريخية وغير منطقية، على الأقل في بداية المسلسل، ومع إهمال وتهميش لوقائع تلك الفترة التي لا دخل للرسول بها على قلّة ما يُعرف عن الرسول إبان مولده وصباه. ولكن الخيال الشعبي والعاطفة العقائدية لا تعجز عن تخصيب ذلك القليل ونسبة السابق واللاحق إلى الشخصية الرئيسية حتى تحوّله إلى جبل من المرويات لا يحيط به التاريخ كله على اتساعه. ليس في المجتمع المكّيّ شيء من مظاهر الأخلاق والعادات البدائية التي قرأناها في كتب التاريخ وجاء الإسلام لتصحيحها أو إبطالها. فما من مكّيّ كاذب ولا غشّاش ولا جبان ولا بخيل ولا وائد للبنات ولا متعامل بالربا، ولا امرأة مزواج أو عاهرة أو ساحرة، وإذاً فعلى من نزل الرسول وبأية أخلاق مغايرة جاء ما دام القرشيون، بل وأحلافهم جميعا، على هذه الدرجة الرفيعة من (الأخلاق الإسلامية)؟! أما الخطاب الذي تتعامل به شخصيات المسلسل، فهو الخطاب الذي نشأ عليه كاتب السيناريو ولا يعرف سواه؛ أعني الخطاب الإسلامي المعاصر ذاته، بمفرداته كلها دون نقصان، وبشكله الذي عرضته علينا السينما في بداياتها. في مقطع آخر ثمّة مفارقة تاريخية وقع فيها المؤلف: يظهر عبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وأبو ذر الغفاري وآخرون من المسلمين الأوائل في مرحلة الدعوة السرية في مكة يتحدثون عن الرسول، وكلما ذكروا اسمه الشريف ألحقوا به عبارة (صلى الله عليه وسلم)، المعروفة عند جميع المسلمين دون استثناء، لكن الذي لا يعرفه الكثيرون هو أن هذه العبارة لم يجرِ تداولها على الألسنة إلا بعد نزول آية قرآنية هي (إن الله وملائكته يصلون على النبيّ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) من سورة الأحزاب وهي، كما هو ثابت في تاريخ القرآن، سورة مدنية. تمنع المراجع الدينية، كما أسلفنا، تمثيل أدوار الرسول وآل بيته والخلفاء الراشدين الأربعة (أخيراً أفرج الرقيب اللاهوتي عن أصواتهم)، بالإضافة إلى العشرة المبشّرين بالجنّة، وكانت مشاركة ممثّلتين سوريتين مسيحيتين “جيني إسبر” بدور أسماء بنت أبي بكر و”فيلدا سمور” بدور عاتكة عمّة الرسول، وعرض صور أربعة من المبشّرين بالجنة منهم “سلمان الفارسي”، سبباً في حظر محاكم التفتيش الأزهرية لهذا المسلسل في مصر غير ملتفتين إلى ممثلنا الكبير والمبدع “باسم ياخور” الذي لعب دور عبد المطلب بن هاشم جدّ الرسول، ولا إلى “رشيد عسّاف” الذي قام بدور حمزة بن عبد المطلب سيّد شهداء المسلمين. ومن جهة أخرى يتصرف الممثلون (المشركون) بأدب جمّ مع رسول الله (مراعاةً للنظّارة المسلمين في القرن الحادي والعشرين وليس لواقع الحال في القرن السابع الميلادي)، فترى عتبة وشيبة وأبا سفيان وأبا الحكم وسواهم يتوجّهون إلى الكاميرا (فنفهم من هذه الحركة أنهم في مواجهة الرسول ويكون ردّ الرسول الكريم عبر ممثّل وسيط دائماً) وعلامات الخشوع والرهبة تصبغ وجوههم !!! وحين يتكلمون ويحاجّون المسلمين الأوائل، وهم من ضعاف قريش ومستضعفيها، لا تسمع سوى بعض الأعذار الواهية والحجج المتهافتة التي لم تكن لتليق بجحاجح قريش ودهاتها في ذلك الزمان. في الحلقة الثانية عشر يقول الوليد بن المغيرة للقرشيين وقد سمع بعض آيات القرآن من الرسول: “والله ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر “. وهكذا انساق كاتب السيناريو خلف بعض الروايات التاريخية الكاذبة التي أغفلت أن هذه التفاصيل الدقيقة في فنّ الشعر (البسط والقبض والهزج والقريض … ) أوّل من أبتدعها هو الخليل بن أحمد الفراهيدي (100 – 173ﻫ) أي بعد الوليد بن المغيرة بحوالي قرن ونصف من الزمان!!! وعلى هذا يمكننا الاستنتاج أنّ المفتري الأوّل لهذه الرواية على لسان الوليد بن المغيرة ( قبل مؤلف العمل) قد عاش في القرن الثالث الهجري على أقلّ تقدير. وفي الحلقة العشرين، يرتقي الصحابي عبد الله بن مسعود منبراً ويعلن أنّ الله أمر بالصيام مضيفاً من عنده أنّ ذلك في السنة الثانية من هجرة رسول الله إلى المدينة يعني قبل معركة بدر، والمعلوم أنّ ابن مسعود وسواه من الصحابة لم يكونوا على علمٍ بعدُ بتاريخ اسمه “التاريخ الهجري” لأنّ المسلمين لم يعتمدوا هذا التأريخ إلا في عهد عمر بن الخطاب الخليفة الراشدي الثاني، أي بعد حوالي عقدين من السنوات. أظنّ – وبعض الظنّ إثم – أنّ الغاية الحقيقية من وراء هذا اللهاث خلف تاريخ الإسلام فضائياً، هو الكسب المادّيّ المضمون، وهو أوّل أهداف الرأسمال، وأنّ السياسة العامّة التي تخطط لها الجهات الواقفة خلف إنتاج مسلسلات كهذه لها هدفان؛ الأوّل تدريب المواطن العربيّ والمسلم على الغباء والبلادة والتقبل السريع للمرويات الدينية والتاريخية دون تمحيص، والثاني إشعاره بمدى حقارته وسوء أخلاقه ونذالته مقارنةً بالرعيل الأوّل من الصحابة الذين كانت الملائكة تشبههم. يا كتبة السيناريوهات الإسلامية في الفضائيات العربية، نرجوكم أن تترفّقوا بعقولنا ويكفينا ما تلاقيه من الفقهاء المتشدّدين والدعاة والمفتيين الذين نجحوا وعلى الهواء مباشرة في اختراع دين جديد يحمل اسماً قديماً ما أنزل الله به من سلطان. واجعلوا من ضمن مراجعكم أن تعودوا إلى أحاديث الرسول الكريم التي يكشف فيها عن بشريته الصريحة وتواضعه الجمّ واستغفاره المستمرّ. لا تصوغوا إنشائيات التاريخ المدرسي السخيفة على شكل أفلام ومسلسلات لا تريدون بها وجه الله. وكونوا على الأقلّ متوافقين مع التاريخ الإسلامي المكتوب على علّاته. قدّموا لنا أبطال التاريخ وشخوصه كما كانوا فعلياً، بشراً لا ملائكة ولا شياطين، واعرضوا علينا التاريخ على الأقلّ كما رواه الطبري وابن كثير وابن هشام بعجره وبجره، لا لأننا نريد نزع التبجيل والتوقير عمّن يستحقه، ولكن لأنّ التاريخ في النهاية عقلنا الباطن والمرشد الذي يلهم أجيالنا القادمة والله من وراء القصد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This