السياسة والنسوية : المرأة وغياب الدافع الجنسي في السياسة
في سؤال مباغت، وجّهه دافيد بوجاداس، مقدّم نشرة الأخبار الرئيسية في القناة الفرنسية الثانية، إلى إنجيلا ميركل، عن العلاقة بين السلطة التي تمارسها المرأة والدافع الجنسي، أو فيما لو كان ثمّة وسيلة أنثوية أو أسلوب نسوي في ممارسة السلطة . نفت ميركل، أن يُلصق عليها أي “إتيكيت” أو عناوين مسبقة.
كانت مناسبة السؤال، هو التصريح الجريء والمفاجئ، الذي أدلت به كريستين لاغارد، وزيرة الاقتصاد الفرنسي، أثناء مقابلة أجرتها معها محطة إي بي سي الأميركية، في برنامج “هذا الأسبوع”، وذلك على هامش اجتماعات الجمعية العمومية السنوية لصندوق النقد الدولي، حيث تناقلت فيما بعد، عديد المواقع والصحف الفرنسية ما قالته لاغارد، عن ممارسة المرأة للسلطة، وعلاقتها بالرغبة الجنسية.
تعتقد لاغارد، بأن للمرأة نهجا مختلفا عن الرجل في ممارسة السلطة. حيث ينخفض تدخّل الدافع الجنسي “الليبيدو” لدى المرأة، عنه لدى الرجل، كما يقلّ لديها التستوستيرون . أو ما يسمّى بـ هرمون الخصية. لذلك، ووفق كريستين لاغارد، ثمة تقارب في ممارسة السلطة لدى الرجال، مع الدافع الجنسي. هذا التقارب غير موجود لدى المرأة، أو هو أقلّ وجودا لدى المرأة مقارنة بالرجل، ويعدّ بمثابة “مساعدة” في ممارسة المسؤوليات السياسية.
“هو مساعدة لأننا لسنا مضطرّات لتوظيف الأنا في المفاوضات، من خلال فرض وجهة نظرنا المهيمنة، على الطرف الأخر” .
تعتقد لاغارد إذن، بأن الرجال يخلطون الأنا ذات الأصل الجنسي، مع أفكارهم وممارستهم لسلطاتهم.
” أنا متأكدة أنّ هناك نساء يتصرّفن هكذا.. بعد ثلاثين عاما من الحياة المهنية، أعتقد بأمانة، أنّ لغالبية النساء اللواتي يشغلن مواقع للسلطة، نهجا مختلفا”، تقصد عن الرجال.
أما ميركل، فهي تعتقد أنّ ثمّة اختلافا ما، في ممارسة السلطة، بين المرأة والرجل، إلا أنها ترفض الاعتقاد، بأنّ للمرأة أسلوبا مختلفا، أو خاصا بها.تقول ميركل” من تاتشر إلى كلينتون، مرورا بكريستين لا غارد وبي أنا، تختلف كل منا عن الأخرى، كما يختلف أوباما عن ساركوزي أو كاميرون … لا أقبل بأن تلصق عليّ أي مقولات مسبقة” . وهكذا ترفض ميركل الربط بين “أنوثتها” أو جنسها، وبين ممارستها للعمل السياسي، أو للسلطة، بينما تؤمن لاغارد، بأن غياب الدافع الجنسي وهرمون الذكورة المهيمن على الآخر، من خلال شخصية الرجل يجعل أداء المرأة أكثر حيادية .
في الوقت الذي اقتصرت فيه أغلب دعوات ” النسوية” المتعلقة بالسياسة، بإشراك المرأة في العملية السياسية، بغية مساواتها مع الرجل، وانحصرت تلك الدعوات والمطالب بـقنوات رفع القهر عن المرأة، فإنّ القول اليوم، بإمكانية نزوع المرأة في ممارسة العمل السياسي إلى النزاهة أكثر من الرجل، نتيجة غياب الأنا القاهرة للآخر التي ترتكز عليها الشخصية الذكورية ونرجسية الهرمون المذكّر، هو موقف جديد يستحقّ التنبّه له، بغض النظر عن القبول به أو رفضه.
موضوع لا يمت بصلة إلى العلاقة بين النسوية والإيديولوجيا، ولا بحقوق المرأة ومساواتها، بل بمفهوم السلطة من وجهة نظر جنسية؟
هناك الكثير من الدراسات حول النسوية وعلاقتها بالسلطة، ولكنّ تلك الدراسات والأبحاث، قام بها أشخاص يمكن أن نعتبر أنهم “نسويون” أو “نسويات”، أو باحثون أو باحثات، لكنّ ما صرحت به وزيرة الاقتصاد الفرنسي، لا يدخل ضمن فئة الأبحاث، بل يمكن اعتباره شهادة من شخص في السلطة.
من ناحية أخرى، فإن المطالبات النسوية راحت تتحدث عن حقوق المرأة للمشاركة في الفعل السياسي أو الاجتماعي، أما أن تتحدث النساء المتواجدات مسبقا في السلطة، وبشكل لافت للنظر، كما هي الحال لدى وزيرة الاقتصاد، أو بشكل أكثر حضورا لأنجيلا ميركل، باعتبارها المحرك الكبير في السياسة الألمانية، والمتواجدة بشكل فعال في الدوائر السياسة الأوربية والعالمية، فهو أمر ينقل ملف النسوية من جهة المطالبة بها، أي من كفة الطرف الضعيف، المستبعد، إلى جهة الطرف القوي، الممارس للسلطة .
أعتقد أن أهمية تصريح لاغارد، ليس في كونه يمثل الحقيقة أو لا، ولكن في كونه موقف امرأة متواجدة في السلطة، امرأة لا تعاني من فقدان السلطة لتطالب بالحصول عليها.
هذا أيضا يستدعي برأيي، الأخذ بعين الاعتبار، مواقف النساء العربيات في السلطة. هل تواجد المرأة العربية في السلطة هو متابعة لدور الرجل الحاكم وامتداد له، باعتبار أن جميع الحكام العرب هم من الرجال، وهل تستطيع المرأة العربية المتواجدة في الحكم، الرد على سؤال إن كانت هناك وسيلة ” أنثوية” أو “نسوية” مختلفة في الحكم تتبعها المرأة وتتميز بها عن الرجل الحاكم؟
لا أنفي عن المرأة الغربية تبعيتها أيضا للحاكم، إنما ليس بوصفه رجلا، بل بوصفه حاكما. وثمة الكثير من الأنظمة الديمقراطية المخيبة للآمال في الغرب. إضافة إلى أن القاعدة الشعبية، حتى في الغرب، غير مهيأة بعد، وبشكل واسع، لتقبل شكل المرأة الحاكمة.
شخصيا، كنت معجبة في فرنسا بوجود سيغولين رويال كمرشحة عن الحزب الاشتراكي في الانتخابات الرئاسية، ورغم خسارة رويال، إلا أن الحزب حاول لملمة أوراقه المبعثرة، وانقساماته، ليعود من جديد، محاولا التوحد تحت إدارة امرأة، هي مارتين أوبري. ورغم أن زعيم الجبهة الوطنية جان ماري لوبين قد ترك مكانا واسعا أمام ابنته مارين لوبين، لتكاد تحل محل أبيها في الحزب، إلا أن كل هذا لا يدعو كثيرا إلى التفاؤل ، أو الاعتقاد بأن القاعدة الشعبية في فرنسا، مستعدة للوقوف إلى جانب امرأة في الانتخابات القادمة. أليس العائق الجنسي أو الجنسوي، هو ما يؤخّر وصول المرأة إلى أعلى درجات السلطة ؟ أم أن الذهنية الذكورية، والنرجسية الجنسية، وفقا لشهادة كريستين لاغارد، حيث “أنا” الذكر، النابعة من قوته القضيبية، وتفوقه القضيبي، هي لبّ المشكلة؟
أوليس ثمة دافع جنسيّ، أو ليبيدو لدى المرأة، يختبئ خلف قراراتها السياسية أو الأخرى، حسب موقع السلطة التي تمثلها. هل هرمون الخصية” التستوستيرون”، يلعب دورا أكبر من أي نرجسية أو حبّ للظهور، تحرك أفعال وقرارات بعض النساء، حتى تستميت الواحدة منهن من أجل تنفيذ قرارها وتحقيق سلطتها؟
فيما لو صح كلام لاغارد، فهل تدفع المرأة ثمن اختلافها العضوي، وعدم تدخل الدافع الجنسي، الذكوري، اللاغي للآخر، والفارض للأنا، بحيث يحيّدها دوما ويجعلها تقف في الصف الثاني خلف الرجل؟
الإجابة طبعا تستدعي الكثير من البحث، وشهادات نزيهة، مجردة من انحياز مسبق للنوع . ربما تكون شهادة ميركل، المختلفة عن لاغارد، أولى هذه الخطوات… ويبقى الباب مشرعا أمام كل الأسئلة. إلا أنه من الواضح ، مهما تعددت الآراء والشهادات، في دور الدافع الجنسي أو حياديته، في التدخل في القرارات الحاسمة، والجادة، التي تتطلب صرامة ودراية لا علاقة بالهرمونات الجنسية بها، أو هكذا يُفترض، من الواضح إذن أن الخلاف الجنسي، أو بالأحرى الجنسوي، لن يمهد طريق المساواة الهادئة، وستبقى الأسئلة تقسم الكون إلى قسمين، أو جنسين : امرأة ورجل!
