هل نشهد قريباً ولادة “إمارة السودان الإسلاميّة”؟

لا تزال التقارير الإخباريّة والتحليلات المتعلّقة بالسودان وأزماته المتعدّدة تشغل حيّزاً كبيراً من الاهتمام السياسيّ والإعلاميّ إقليميّاً ودوليّاً على مختلف المستويات، خصوصاً وأنّ أيّاماً قليلة، فقط، هي ما يفصل السودانيّين عن موعد الاستفتاء المصيري المقرّر إجراؤه في التاسع من شهر كانون الثاني/ يناير المقبل، والذي من المفترض أن يحسم القضيّة الأبرز في الملف السّودانيّ: مستقبل جنوب السودان، بل والسودان برمّته.

الاستفتاء هو أحد أبرز نتائج اتفاق نيروبي للسلام الذي وقّعته (الحركة الشعبية لتحرير السودان) بزعامة (جون غرنغ) مع الحكومة المركزية في الخرطوم بعد مفاوضات شاقّة رعتها القوى الدولية والإقليميّة ذات الصلة. وقد نتج عنه تقاسم للسلطة بين الطرفين حيث أدّى (غرنغ) اليمين الدستوريّة بوصفه النائب الأول للرئيس السوداني ورئيساً لحكومة الجنوب ـ وقد لقي مصرعه لاحقاً في حادث تحطّم طائرة بعد حوالي شهر من توقيع اتّفاق السلام ـ كما نصّ اتّفاق السلام الذي أنهى عقوداً من الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب على إجراء استفتاء لتقرير مصير جنوب السودان بعد فترة انتقالية تمتد لست سنوات.

أمّا وقد انتهت الفترة الانتقاليّة، فمن المنتظر أن تقرّر نتيجة الاستفتاء مصير السودان وجنوبه ومستقبلهما. هل سيحافظ السودان على وحدته التي أنهكتها عقود مريرة من الحروب الأهليّة وما نتج عنها من أوضاع سياسيّة واقتصاديّة واجتماعية متردّية، أم أنّ الجنوبيّين سيختارون الانفصال عن الشمال ـ أو “الاستقلال” كما يفضّل زعماؤهم تسميته ـ وتأسيس دولتهم المستقلّة، وهو ما سعت لتحقيقه قوى ومنظمّات جنوبية عدّة على رأسها (الحركة الشعبية لتحرير السودان) طيلة العقود الماضية، غالباً بقوّة السلاح ونادراً بالسياسة، مدعومةً في كلا الحالتين من قبل لاعبين دوليين وإقليميين، كلّ تبعاً لمصالحه.

الاحتمال الأول ـ الوحدة ـ يستبعده غالبيّة المراقبين والمحلّلين، بل حتّى أنّ أحاديث قادة الشمال وخطاباتهم باتت لا تخلو من تلميح أو تصريح يرجّح حدوث الانفصال، بما يهيّئ الأجواء بين أوساط مناصريهم لذلك. المثال الأبرز على هذا التوجّه نحو الاعتراف رسميّاً بالانفصال منذ الآن جاء على لسان مساعد الرئيس السوداني، حيث أعلن صراحةً في أحاديث صحافية أنّ “الجهود الرامية للحفاظ على وحدة السودان قد فشلت”، المفارقة تكمن في أنّ هذا المساعد يصنّف من بين نخبة الحكم الشماليّة كأحد أكثر المتمسّكين بالوحدة، والمتشدّدين ضد الانفصال.

أمّا عن آخر مستجدّات الوضع في السودان وأبرزها، فبطلها بلا منازع الرئيس السودانيّ نفسه، حيث نقلت وكالة (رويترز) للأنباء يوم الأحد 19/ 12/ 2010 عن (البشير) تعهّده “بالتشدد في تطبيق التعاليم الإسلامية، ووضع دستور يتوافق بالكامل مع الشريعة إذا انفصل الجنوب بعد الاستفتاء، وإن الشمال سيغيّر الدستور ولن يكون هناك مجال في ذلك الوقت للحديث عن تنوع الثقافات والأعراق”. كلام الرئيس السودانيّ جاء خلال لقاء حاشد مع أنصاره في مدينة (القضارف) الواقعة شرق البلاد. وبحسب الخبر فقد دافع  فيه ـ وهو المطلوب للمحاكم الدولية لاتّهامه بجرائم ضدّ الإنسانيّة ـ عن رجال الشرطة السودانيّين الذين ظهروا في تسجيل مصوّر بثّه قبل أيّام موقع (يوتيوب) على شبكة الإنترنت، يبيّن التسجيل قيامهم بجلد فتاة سودانية في الشارع وعلى الملإ غير مكترثين لاستغاثاتها ودموعها، حيث أكّد “عدم إجراء تحقيق في حالة جلدها وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية”!

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذه ليست المرّة الأولى التي تُسجّل فيها حالات “جلد وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية” حيث شهد العام الماضي حوادث مشابهة. وكان (الأوان) قد نشر في 23 تموز /يوليو 2009 ضمن ركن (خارج الإطار) تحت عنوان (صحافيّة سودانيّة تتهدّدها أربعون جلدة بسبب لباسها “غير المحتشم”!) مادّة تحدّثت عن توقيف الشرطة للصحفيّة السودانيّة (لبنى أحمد حسين) لأنها كانت تلبس حجابا خفيفا داخل مطعم عموميّ في الخرطوم بغية محاكمتها بتهمة اللباس “غير المحتشم”، وهي التهمة التي تمثّل في قانون العقوبات السودانيّ جنحة عقوبتها الجلد. كما اقتادت الشرطة عشر فتيات كنّ في المطعم نفسه لارتدائهنّ “السراويل” وتم تنفيذ حكمُ الشريعة فيهنّ وهو عشر جلدات لكلّ واحدة منهنّ. وأرجئ البتّ حينها في أمر ثلاث أخريات منهنّ الصحافيّة المذكورة ريثما تقع محاسبتهنّ بحسب الفصل 152 من قانون العقوبات السوداني. يبدو أنّه أول الغيث في الأسلمة القادمة التي يعدّها (البشير) للسودانيّين.

من الواضح أنّ كلام الرئيس السوداني ليس مجرّد تهويل إعلامي وإنّما يعكس حقيقة التوجّهات والسياسات التي سيتّبعها النظّام في المرحلة المقبلة. وممّا يؤكّد هذا الاستنتاج كلام الدكتور (ابراهيم أحمد عمر) مستشار الرئيس السوداني ونائب رئيس الحزب الحاكم لشؤون الفكر والثقافة، والذي أوضح لقناة (بي بي سي العربية) في معرض الإجابة عن سؤال حول الموضوع أنّ البشير يقصد تطبيق ما أسماه “الإسلام الشامل” في الاقتصاد والشورى والمساءلة، وحسب رأيه ستكون خطوة تحمل الديمقراطيّة للسودان كون البشير “يؤمن بالشورى”!

إنّ محاولة فرض نظام إسلامي في السودان قد بدأت منذ أيام حكم الرئيس (جعفر النميري) حين استفادت “الحركة الإسلاميّة” بزعامة (حسن الترابي) من أجواء المصالحة الوطنيّة التي أشاعها النميري في أواسط فترة حكمه فتغلغل الإسلاميّون في النظام ودفعوا النميري إلى إعلان قوانين سبتمبر عام 1983 ذات الصبغة الإسلاميّة. وكانت هذه القوانين من الأسباب التي أدّت إلى تصاعد حركة التمرد في الجنوب، والتي كان (جون غرنغ) قد بدأ بإعادة تنظيمها وقادها من خلال (الحركة الشعبية لتحرير السودان) التي تبنّت طرحاً يقوم على العلمانية وفصل الدين عن الدولة. ولم يتأثّر حضور الإسلاميين على الساحة السياسيّة بسقوط نظام (النميري)، وصولاً إلى عام 1989 حين دعموا الانقلاب الذي قام به (عمر حسن البشير) باسم “ثورة الإنقاذ” وكان منظّرها الأول الزعيم الإسلامي (حسن الترابي) الذي وضع ما أسماه “المشروع الحضاري الإسلامي” كدليل عمل للنّظام الإسلامي الذي يسعى له. كما احتضنت حكومة الإنقاذ (أسامة بن لادن) والأفغان العرب، إلى أن اضطرّت تحت ضغوط دوليّة إلى ترحيلهم. كان ذلك من بين جملة أسباب أدّت إلى وقوع خلافات بين (التّرابي) والنظام اعتُقل على إثرها، في محاولة جزئيّة للحدّ من التوجّهات الإسلاميّة، أراد منها النظام تحسين صورته وتحسين موقفه في المفاوضات مع متمرّدي الجنوب.

كلّ ذلك لم يخفّف من حدّة الضغوط الدّولية والأزمات الدّاخليّة، والتي تفاقمت وتكاثرت من الجنوب إلى دارفور وغيرها.
الآن وقد وصل النّظام السّوداني في أزمته إلى الجدار الأخير، نتساءل : هل سنشهد قريباً ولادة (إمارة السودان الإسلاميّة)؟!

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This