التخادم البراغماتيّ بين الإسلام السّياسي وبين المركنتيليّة الإعلاميّة

أوضّح بدءا أنّ هذا المقال لا يحاسب النوايا. ولا يقدّم مواقف مع أو ضدّ، فليس هذا مجال المواقف. وإنّما يعتقد كاتب المقال أنّ من واجبه تجاه مجتمعه، باعتباره مثقّفا، أن يساهم في تفكيك الملتبس السّياسي والفكريّ والإيديولوجيّ فيه. إنّ المقال يقرأ المعطيات ويجمع القرائن والتفاصيل والعلامات المبعثرة هنا وهناك واقعيّا ورمزيّا. ثمّ يصل بعضها ببعض ويربط بينها محاولا كشف التباس الواقع.
من هنا، أودّ الإشارة إلى خطورة الدّور الإعلاميّ المعاصر في التأثير في الواقع وفي المستقبل أيضا. لقد كنت ومازلت أعتقد أنّ القنوات الفضائيّة التلفزيونيّة التونسيّة لاسيما الخاصّة منها قد لعبت دورا مؤثّرا في نتائج الانتخابات التأسيسيّة 23 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2013.
ولابدّ من أن أنبّه إلى أنّ الإعلام الميركنتيليّ لا يمارس لعبته الميركنتيليّة عبر البلاتوهات الإخباريّة ولا الحواريّة. فهذه تؤدّي الدّور المحبط المنفّر الذي يحمل المشاهدين على الاستقالة من السّياسة وعلى اليأس من السّياسيّين. والمنهج في ذلك بسيط ولكنّه فعّال؛ إنّه التكرار. فالوجوه أنفسها تتصدّر البلاتوهات وتمارس الفعل نفسه؛ فعل السّردكة والصّراخ والتّكذيب والتّخوين وأحيانا سوء الأدب وقلّة الأخلاق. فتشيع وجوه السّياسيّين، وأثناء شيوعها ورواجها تتلبّس بالسّخافة والتهرئة والتآكلّ. وتخسر من رصيدها الشّعبيّ والانتخابيّ كثيرا.
إنّه لمن المفاجئ أن يمارس الإعلام الميركنتيليّ ميركنتيليّته عبر الأعمال التمثيليّة من أفلام ومسلسلات بدرجة أولى. ولذلك سيعمل هذا المقال على بيان هذه الأطروحة متّخذا فيلم برسي بوليس المدبلج للعربيّة الذي عرض في الصّائفة قبل الماضيّة على فضائيّة نسمة تي في (nessma TV) التونسيّة والمسلسل الدّراميّ التركيّ”حريم السّلطان” المدبلج للعربيّة أيضا الذي يعرض حاليّا على نفس الفضائيّة مادّة للتفكيك والتحليل والتأويل.
• برسي بوليس وبداية التخادم البراغماتي بين الإسلام السّياسي والإعلام الميركنتيليّ:
لابدّ من التذكير، قبل ذلك، بأنّ عرض فيلم برسي بوليس Percépolice صائفة 2011 أشهرا قليلة قبل الانتخابات يعدّ، من النّاحيّة السّياسيّة، ضربة سياسيّة حاسمة قلبت موازين القوى وأربكت التوجّهات الانتخابيّة وبلبلت المواقف الحداثيّة والتقدميّة فجعلت أصحابها يتخبّطون بين السّياسي النّفعي وبين الحقوقيّ المبدئيّ. فهذا الفيلم أثار احتجاجات الإسلاميّين بمختلف انتماءاتهم من نهضويّين وسلفيين وتحريريّين وروابطيّين. وجعل مقرّ القناة ومقرّ سكنى مديرها عرضة لأحداث عنف.
ولم تفوّت البراغماتيّة السّياسيّة الفرصة لتحقيق الكسب السّياسيّ. فانبرت الأطراف الإسلاميّة التي ذكرناها تشنّ هجومات إعلاميّة وجماهيريّة ميدانيّة على القناة وعلى المتعاطفين معها تمكّنت هذه الأطراف على إثرها من إضعاف جبهة الخصوم العلمانيّين والحداثيّين واليساريّين التقدميّين على السّواء. فلقد صارت قناة نسمة تصوّر على أنّها صنو لمعاداة الإسلام. وصار من يتعاطف معها يصوّر بنفس الصّورة. فكان الكسب السّياسي للإسلاميّين مضاعفا. وأنا لا أناقش محتوى الفيلم، هنا، ولا أعبّر عن موقف يقضي بعدم عرضه. وإنّما أنا أقيّم تأثير تلك الأحداث المرتبطة بعرض فيلم برسي بوليس في المشهد السّياسي التونسيّ إبّان الانتخابات.
لابدّ أن نوضّح أنّ السّاحة السّياسيّة التونسيّة قبل الانتخابات التأسيسيّة كانت تجمع أربعة أقطاب: قطب ليبراليّ مشتّت سياسيّا وقطب يساريّ مشتّت سياسيّا وإيديولوجيّا وقطب قوميّ مشتّت سياسيّا وإيديولوجيّا وقطب إسلاميّ غير موحّد سياسيّا وموحّد إيديولوجيّا. وبين القطبين اليساريّ والليبراليّ تقاطعات حقوقيّة لعبت عليها أوراق انتخابيّة عبر فيلم برسي بوليس. فهذان القطبان جعلا الحقوق والحريّات شعارا مركزيّا مع اختلافات جزئيّة بينهما في الأولويّات. وهذه التقاطعات هي التي جعلت القطبين اليساريّ والليبراليّ يندفعان لإعلان موقفيهما المساندين للقناة ضدّ التهجّمات الإسلامويّة. فقد كانت القناة تعدّ البلاتوهات الحواريّة المكثّفة بشكلّ يوميّ وتدعو إليها رموز هذين القطبين الذين كانوا يهبّون للدّفاع الحقوقيّ دون احترازات ولا حسابات ولا مساومات. وكان الخصم الإسلامويّ يحصي عليهم كلّماتهم ومواقفهم ويعدّ لهم ملفّات المزايدة الانتخابيّة.
لا أقول إنّ قناة نسمة تي في أو غيرها من القنوات تتحالف مع هذا الطرف السّياسي أو ذاك. وإنّما أقول إنّها تريد أن تكون فاعلة في السّاحة لترتفع نسبة مشاهدتها فتتضاعف حصّتها الميركنتيليّة. إنّها لا تكتفي بدورها الإعلاميّ التواصليّ في نقل الأخبار والتعليق عليها. فهذا يعني الجري وراء الأحداث. وإنّما الإعلام صار يصنع الأحداث ويوجّه السّاحة السّياسيّة ويؤثّر في المشهد الاجتماعيّ والاقتصاديّ. وهو في كلّ ذلك، لم يعد ينطلق من خلفيات مهنيّة حرفية تواصليّة تقليديّة، بل صارت تحرّكه مصالح ميركنتيليّة ربحيّة قد تدفعه لعقد تحالفات متحرّكة متغيّرة طبقا لمقتضيات مصالحه. إنّ الإعلام بذلك صار يصنع الرّأي العام حسب مصالحه ولم يعد يتابع الشّأن العام وينقل أخباره ويعلّق عليها. وهو لا يهتمّ بالآثار التربويّة ولا الاجتماعيّة لممارسته الميركنتيليّة تلك مهما كانت جسامة تلك الآثار والخسائر.
ههنا، كان الالتباس بين الوجهين الحقوقيّ والسّياسي لدى الأطراف التي دافعت عن حقّ قناة نسمة في عرض فيلم برسي بوليس. فالقناة تحرّكها غايّة ربحيّة ميركنتيليّة من وراء عرض الفيلم، ولم تعنها المسألة الحقوقيّة لأنّ الفيلم لم يكن ممنوعا أصلا. ولقد تمّ عرضه في قاعات سينما تونسيّة. والسّياسيّون دافعوا عنها حقوقيّا بصفاتهم السّياسيّة لا الشّخصيّة. فربحت القناة وأثرت ووولدت منها إثنتان أخريان. وربح مهاجموها وفازوا بالسّلطة. وخسر المدافعون عنها وتعبوا في لملمة جراحهم وتأخّروا في استعادة تواجدهم في السّاحة السّياسيّة.
ولابدّ أنّ نسجّل أنّ الفائزين ميركنتيليّا وانتخابيّا (قناة نسمة تي في والإسلام السّياسي في هذا المقام) لا يبديان الودّ لبعضهما بعضا بل يظهران النفور غالبا والعداء أحيانا. والظاهر أنّ الودّ قائم بين القناة الميركنتيليّة الإعلاميّة وبين الخاسرين انتخابيّا. ولكنّ هذا الودّ لم يوقف تبادل الخدمات أو ما سمّيته التخادم بين الطرفين الفائزين من وراء قضيّة برسي بوليس، بل إنّهما يستمرّان في التخادم البراغماتيّ من خلال عرض مسلسل حريم السّلطان التركي المدبلج إلى العربيّة. ولابدّ من التّدقيق أنّ الفوز الانتخابيّ الإسلامويّ والكسب المركنتيليّ الإعلاميّ لم يكن بمحتوى الفيلم، لا أبدا، وإنّما فقط بعمليّة عرضه. بمعنى أنّ عرض الفيلم جعل القناة في أعلى مستويات المشاهدة وجعل الإسلاميّ يكون حيث يريد حاملا لواء الدّفاع عن الإسلام.
• مسلسل “حريم السّلطان” واستمرار التخادم البراغماتيّ بين الإسلام السّياسي والإعلام الميركنتيليّ:
ما يلفت الانتباه حقيقة أنّ السّياسيّين الحقوقيّين، أقصد اليساريّين والليبراليّين خاصّة، لم يثرهم هذا المسلسل رغم محمولاته الإيديولوجيّة الخطيرة الواضحة وسكتوا عليه، بل لم يناقشوه أصلا على اعتبار أنّهم حقوقيّون في المطلق ولا يمكنهم أن يقفوا ضدّ الإبداع. والحال أنّه ليس مطلوبا منهم سوى النّقاش والتّنبيه وأداء واجبهم تجاه مجتمعهم. إنّهم غارقون في تكتيكاتهم السّياسيّة الموغلة في التعقيد والسّريّة والكتمان فيما البسط جميعها تسحب من تحت أقدامهم تدريجيّا عبر فضاء جماهيريّ علنيّ مكشوف مشترك هو الفضائيّات التي تبثّ موادّها على موائد أطفالهم والمنتسبين إليهم فتستلبهم وتسبيهم من ذواتهم وتستميلهم إلى مواقف تنسجم مع أطروحات إيديولوجيّة أساء القائمون عليها تقديمها حين مارسوا العنف.
إنّ هذا المسلسل إيديولوجيا كاملة مكتملة. وهو ليس في حاجة إلى عسر التنظير والكتابة والتفكير. إنّه فقط شخصيّات وأحداث وحكي وديكور وخيل وسيوف وفخامة ورجل ملتح وقصر من الجواري الخنّس بلا عدد يتنافسن ويتصارعن على الفوز بالحقّ في معاشرة رجل واحد جنسيّا. وما الجاريّة إلاّ مكافأة للسّلطان حين الفوز العسكريّ أو تسليّة حين الكدر أو مجرّد نشوة لابدّ له منها لأنّه فقط السّلطان مالك الرّقاب الذي يقبّل الجميع راحته.
إنّه نموذج كامل مكتمل لرؤية للمرأة تختزلها في الجنس وما يعد به جسدها من ولائم اللذّة للرّجل الواحد متى طلبها وجدها مانحة خيرات جسدها الباذخ بل واهبة، وحتى إن لم يطلبها عرضتها عليه وأغرته بها بل توسّلته بغوايتها وحتى بمكيدتها ليقبل دعوتها للوليمة. ولا شيء آخر تفعله سوى العيش في انتظار دورها في أن تنكح إذا كان لها فيه نصيب. وكلّ شيء تحت إشراف أمّ السّلطان التي ترمز إلى الدّولة.
من أين جاءت هذه الإيديولوجيا؟ وما علاقتها بالميركنتيليّة الإعلاميّة والبراغماتيّة السّياسيّة؟ هذه الإيديولوجيا قادمة من عمق أطاريح السّلف الذي يصفه حاملو إيديولوجيّته بكونه صالحا. إنّها قادمة من عصر الجواري، عصر الخلافة التي يطمح الإسلام السّياسي في استئنافه. ولكنّ الجواري كنّ مرفوقات بالغلمان! فسكت عنهم المسلسل ولم تسكت عنهم غلمة إيديولوجيا الاستخلاف القروسطيّ العبثيّة.
يربح الإعلام الميركنتيليّ ماديّا وترتفع نسبة مشاهدته كثيرا. ويصمت الإسلام السّياسي رافعُ شعار الفضيلة والأخلاق عن الصدور العاريّة والتبرّج الفاضح في المسلسل لأنّه تركيّ المصدر أوّلا، ولأنّه يجسّد صورة المرأة المشتهاة عند خلفاء القرن الحادي والعشرين ثانيا. هكذا يتبادل الإعلام الميركنتيليّ والإسلام السّياسي الخدمات.
فيالها من خدمة، وأيّة خدمة يقدّمها مسلسل “حريم السّلطان” للإسلام السّياسي والتقدميّون والليبراليّون والحقوقيّون عنه لاهون! فهو يروّج لرؤيته للمرأة ولتنظيم المجتمع دون نقاب هذه المرّة. والغايّة تبرّر الوسيلة. فلا ضير من شيء من التبرّج وحتى من الدّعارة المفضوحة في المسلسل في سبيل ترويج إيديولوجيا السّلف العبّاسيّ والعثمانيّ اللذين يوصفان بكونهما صالحين لأنّهما امتهنا أجساد النّساء وسمّياهنّ جواري وأجساد الرّجال وسمّياهم غلمانا.
هكذا تتجلّى خيوط اللعبة الإيديولوجيّة؛ تركيا تخطّط وتونس تتلقّى وتنفّذ في تبادل للأدوار يخلو من البراءة والتلقائيّة. فهذا المسلسل ودبلجته وعرضه يتزامن مع التبشير بالنموذج التركيّ لدى الإسلام السّياسي التونسيّ. وهو يأتي ليجسّد دور كلّ منهما في ما يحدث في سوريا حيث بطولة السّيوف وولائم الجواري كما يروّج لذلك شاحنو الشّباب التونسيّ الحالم بالفردوس الإسلامويّ السّياسيّ.
وهو ما حدث بالضّبط، فلقد اقتدى الشّباب وطبّقوا فتاوى الجهاد بأنواعها بما فيها جهاد النّيك أو النّكاح. إنّ النتيجة واحدة بين من يسمع خطبة سياسيّة في مسجد وبين من يشاهد حلقة من مسلسل حريم السّلطان؛ إمّا أن يتأبّط خنجرين أحدهما تحت سرواله والثاني في حزامه ويمضي إلى الشّام لقتال الفرنجة الكفرة (نعم، الفرنجة الكفرة في سوريا اليوم؟ ؟ هذه هي الدّمغجة التي يلعبها الجماعة!!) والفوز بولائم اللذّة، وإمّا أن يتهيّأ، على الأقلّ، لاستقبال عصر الجواري السّعيد المجرور جرّا من الزّمن الماضي.
فمن يدري لعلّ الوعد بولائم النّساء يكون ضمن البرنامج الانتخابيّ للإسلام السّياسيّ. وهو لن يتردّد إذا أُرغم على الانتخابات وقدّر أنّ قفّة الفقراء لن تضمن له الكسب الانتخابيّ. بل لعلّهم يحملون معهم عيّنات (des échantillons) للتجريب والترويج لبرنامجهم الانتخابيّ وإغراء النّاخبين بالتصويت لهم أثناء تجوّلهم بين الأحياء والقرى. هذه هي نتيجة الخلطة بين الدّيمقراطيّة + الحداثة لاسيما التقنيّة منها + السّلف الصّالح + الرؤيّة القروسطيّة + الميركنتيليّة الإعلاميّة + القرن 21 + إيديولوجيا “أسلم تسلم”.
فيلم “برسي بوليس” ومسلسل “حريم السّلطان” عملان تمثيليّان يختلفان في المحتوى وفي المضمون الفنّي وفي الرّؤيّة للعالم. ولكنّهما يتّفقان في كونهما فيهما تجسّد التخادم البراغماتيّ بين الميركنتيليّة الإعلاميّة وبين الإسلام السّياسي، الأوّل بعرضه السّبيكتاكولاريّ أكسبهم ميركنتيليّا وانتخابيّا والثاني بمحتواه الإيديولوجيّ الاستخلافي القروسطي أكسبهم ميركنتيليّا وإيديولوجيّا. إنّه تخادم يدور خارج دائرة المثل والقيم والأخلاق الاجتماعيّة. فمحرّكه الوحيد هو المصلحة والرّبح بمعنييهما الإعلاميّ الميركنتيليّ والسّياسي الإيديولوجيّ فالانتخابيّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This