القارئ كاتباً

قد يأتي القارئ، بل هو يأتي دائماً قبل الكاتب وأنا هنا لا أمزح ولا أكتب ذلك بأسلوبٍ مجازيّ. فعندما نكتب فإننا نتوجه إلى قارئ ما حاضرٍ في ذهننا ومسيطر على قلمنا وكلماتنا. ولا أقصد هنا مجرّد قارئ معروف بالاسم أو مجموعة قراء محددين ومعروفين للكاتب، وإنما إلى قارئ معروف ومجهول الهوية في آن، واضح المعالم ومختلطها معاً. حتى ونحن في قمة التجرّد لا نمسك وحدنا بالقلم فهناك القارئ الذي نتجه إليه والذي يحضر باللاشعور ويخط ما نريد قوله بما يحبه هو. إنه حضور الآخر فينا وسيطرته الجزئية على قراراتنا وتفكيرنا. يكذب دون أن يعي من يقول أنه يكتب بتجرُّد فهو، شاء أم أبى، مسكون بشبح القارئ قبل حتى أن يشرع في الكتابة.

ليس الكاتب بهذا المعنى مجرّد آلة كاتبة ميكانيكية تكتب ما يمليه عليها القارئ الشبحيّ ولكنه في صراعٍ واصطراع معه واعٍ حيناً ولا واعٍ في كثير من الأحيان. إنه شدٌّ وجذبٌ للقلم بين “الكاتب” والقارئ. فهذا الأخير لم يعد سلبياً حتى ولو أراد ذلك؛ إنه مشارك في جريمة الكتابة منذ الحرف الأول بل ومنذ ولادة الفكرة في رأس الكاتب. بهذا المعنى الكاتب مصاب بعدوى القارئ منذ الجذر؛ منذ الأصل، ومنذ اللحظة الأولى. فالقارئ محطة انطلاق النص ومحطة وصوله؛ بدايته ونهايته؛ القابلة التي أشرفت على ولادته ومشيع جنازته في آن (فيما لو كان للنص حياةٌ فانية أو واحدة أو فيما إذا لم يكن له حياة بعد الموات كالنصوص الفلسفية الأصيلة).

يشبه القارئ في تصوري هذا فكرة الحدوس الأولية الكانطية كحدسي الزمان والمكان السابقين على التجربة، أية تجربة.


بهذا المعنى لو قبلنا جدلاً أن النصوص المقدّسة هي ذات مصدر إلهي فعلينا أن ندرك هنا أن الكاتب “الله” لم يكن حرّاً في توجيه النص بل إن هذا النص اللاهوتي هو نصٌ إنسانيّ يسكنه شبح الإنسان “القارئ” بالأصل ومنذ البدء يملي شروطه ويساهم في كتابة نصه الأهم: نص وجوده وعدمه…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This