السياسيّ والطوفان

لا أعتقد أنّه من المسؤوليّة أن نستمرّ في متابعة المشهد السياسيّ التونسيّ بهذه السلبيّة منتظرين أن يتمكّن السياسيّ من انتشالنا من الهاوية التي نشرف على السقوط فيها، وهي التي له الفضل الأكبر فيها. هذا الشعب افتكّ زمام أمره من السياسيّ منذ 17 ديسمبر/ كانون الأوّل 2010 فوضع شعاراته بنفسه وحملها صليبا واجه به آلة بن علي القمعيّة. فنجح في إسقاط أسطورة بن علي. وخيّب توقّعات أعتى الأنظمة المخابراتيّة. وتمكّن من العيش في حلم ديمقراطيّ آمن طيلة 3 أشهر تقريبا بعد الثورة.

لقد كان الشعب التونسيّ حالما نشيطا خدوما متيقّظا فيما كان السياسيّ مربتكا مخذولا في حكومتي محمد الغنوشي الأولى والثانية المرتعشتين. ومنذ أن استعاد السياسيّ سطوته وسلطته وسيادته، في حكومة السيّد الباجي قايد السبسي، خسر الشعبيّ والجماهيريّ ما كان فيه. فأيّ جدليّة بين السياسيّ وبين الجماهيري الشعبيّ؛ لا يزهر أحدهما إلاّ بذبول الآخر؟ ألا يمكن أن يسيرا إلاّ متقاطعين؟ ألا يمكن أن يتوازيا ويتجاورا أبدا؟

 السياسيّ والثقافيّ:
يشهد المجتمع التونسيّ، منذ ثورة جانفي/ كانون الثاني 2011، ظاهرة غريبة تتمثّل في سيطرة كاملة للسياسيّ عليه. فأهل السياسة ممّن كان في الحكم أو في المعارضة هم نجوم المشهد وسادته. فهم يخطبون في المنابر الجماهريّة ويزيّنون بلاتوهات الإعلام بل يحتلّونها. وهم موضوع ملفّات التحقيق وحلقات النقاش. إنّهم ببساطة يستولون على المشهد برمّته، فيما الثقافيّ مهمل منسيّ لا يُستشار ولا يُسأل ويغيّب عن المشاركة في الحياة العامّة. والنتيجة الحاصلة هي بلوغ المجتمع التونسيّ مرحلة الانقسام والتعادي بسبب جفاء السياسيّ وصلفه وابتلاعه المشهد.

فلقد كان المأمول أن تساهم الثورة، باعتبارها فعلا تحرّريّا من الاستبداد والخوف، في انبعاث حركة ثقافيّة إبداعيّة جديدة تؤسّس جماليّا للقيم التي يرنو التونسيّون إلى تأسيسها بديلا لتلك التي كانت سائدة في ظلّ الاستبداد النوفمبريّ. لكنّ ما حدث كان مخيّبا لطموحات الفنّانين والمبدعين والمفكّرين فقد تضاءلت موازنة وزارة الثقافة الضعيفة أصلا. فتقلّص دعمها للمبدعين. وتراجع إنتاج الكتاب والأفلام والمسرحيّات.

كما أنّ التضييقات على الحريّات لم تخفّ وإنّما غيّرت من شكلها ومن أدواتها. فبعد أن كانت السلطة تمارس عنفها على المبدعين عبر أجهزتها الرقابيّة وعبر البوليس السياسيّ، خرجت أجهزة الرقابة بعد الثورة من أيدي السلطة ذات الخلفيّة الإخوانيّة المحافظة إلى أيدي أعوان آخرين يعملون عندها بالوكالة أو بالأجرة. فانتشرت ظاهرة التحريم والتكفير والمنع من قبل جهات محافظة سلفيّة أو نهضويّة إخوانيّة، لا فرق، أو من دار في فلكهما تسمح لنفسها بتقييم الإبداع بأدوات وآليّات من غير جنسه. وهي لا تحاكم ولا تقاضي بل تعاقب بنفسها وتمارس العنف الجسديّ على المبدعين ورجال الفكر. بل إنّ هذه التيّارات قصرت الإبداع في وجهه التعبّديّ الدينيّ وحرّمت غيره.

ومع ذلك واصل المبدعون مقاومتهم لهذا الترف الباذخ في أوجه القمع والعنف المدعومة من السلطة. فأصرّوا على دوريّة مهرجاناتهم. وحرصوا على الإنتاج. ولابدّ أن نحيّي شباب تونس الذي واظب على إصدار الكتب على نفقته رغم الفاقة والحاجة وعلى تشكيل الفرق الموسيقيّة الشابّة التي تتجوّل بين القرى والأرياف والمدن الصغيرة. كما ننوّه بالنوادي الثقافيّة المحليّة على غرار جمعيّة منارة الأدب بقليبية التي أصرّت على تنظيم دورة جديدة للمهرجان الوطنيّ للأدباء الشبّان الدورة 27 طيلة أيّام ثلاثة في أوت/ أغسطس الماضي رغم انعدام الموارد وشحّ الدعم. أمّا السلطة فهي تمارس هوايتها في معاداة الثقافة والمثقّفين. وتمارس مازوشيّتها في تتبّعهم وتلفيق القضايا لهم وسجنهم فيما تدعم الإرهابيّين وتتستّر عليهم.

 ما الذي يحكم العالم اليوم؟
ليسمح لي السياسيّون المعارضون التونسيّون أن أسألهم: هل حدّدتم عدوّكم بدقّة؟ من تقاومون بالضبط؟ تقاومون التيّار الإخوانيّ السلفيّ الرجعيّ أم الإمبرياليّة العالميّة أم الرأسماليّة المتوحّشة أم الاشتراكيّة في صورتها الفرنسيّة المائعة اليوم؟ تقاومون إيديولوجيّات أم مشاريع أم أطماعا أم إرهابا أم عمالة؟ بماذا تقاومون؛ بالإيديولوجيا أم بالقيم أم بإرادة الشعب؟ هل تمثّلون إرادة الشعب أم تفرضون إرادتكم على الشعب؟ أيّة إيديولوجيا وأيّة قيم تقاومونها؟ ما هي قيمنا التي تحرّكنا؛ الوطنيّة أم “الرجوليّة” أم التقدميّة أم العدالة الاجتماعيّة أم الحريّة أم الاشتراكيّة أم الليبراليّة؟ أيّة الليبراليّة؛ الخالية من اقتصاد السوق أم الغارقة في تجارة الفتن والسلاح؟

لنتّخذ مثالا ماديّا نمارس علينا اختبارنا المنهجيّ والفكريّ حتى يتجلّى الطرح. هذا المثال الذي أقترحه عليكم هو سوريا. والمدخل هو السؤال التالي: ما الذي يجمع الأمريكان (الإمبرياليّة) مع الفرنسيّين (الاشتراكيّة) مع الإخوان المسلمين والسلفيّين المسلمين العرب وغير العرب (الرجعيّة الدينيّة) حول موقف موحّد وتنسيق كامل تجاه سوريا؟ ليست الإيديولوجيا بالتأكيد ولا القيم. إنّها المصلحة. فلا الليبراليّ ليبراليّ، ولا الاشتراكيّ اشتراكيّ، ولا الإخوانيّ أخ، ولا السلفيّ متعبّد متبتّل؟ ليس هذا. فكلّهم يشهرون أسلحتهم تجاه عدوّ اتّفقوا على معاداته مع ما بينهم من عداء!

ألم يكن من المنطقيّ إيديولوجيّا أن تنحاز الاشتراكيّة الفرنسيّة إلى الصين وروسيا؟ ألم يكن من المنطقيّ إيديولوجيّا وقيميّا أن يتحالف الإخوان والسلفيّون وحتى الجيش الحرّ مع سوريا ضدّ عدوّ خارجيّ غازٍ أوّلا أسوة بأيّام العرب وحروب القبائل قبل الإسلام؟ ولكنّ هذا لم يحدث لأنّه ليست الإيديولوجيا ولا القيم ولا حتى إرادة الشعوب هي ما يحرّك العالم اليوم.

هناك فقط مصلحة لها محرّك واحد هو الربح إمّا الاستراتيجيّ أو الماديّ أو العسكريّ أو الاقتصاديّ. ولها مدبّر هو رأس المال الغربيّ. ولها أدوات هي التيّارات الإسلاميّة الموظّفة المشحونة، من جهة، والآلة العسكريّة الغربيّة المتطوّة، من جهة ثانية.

المعركة الوطنيّة والدوليّة اليوم معركة مصلحة وليست معركة إيديولوجيا ولا قيم. والإشكاليّة التي يجب عليكم أن تنكبّوا عليها هي: كيف تضمنون مصلحة شعبكم؟ ما هي برامجكم في هذا الاتّجاه؟ كيف ستتعاملون مع العالم ومع القوى الدوليّة والتيّارات الرجعيّة؟ أمّا الشعبويّة الإيديولوجيّة والشعاراتيّة النضاليّة والقيميّة فلم تعد تكفي. أعرف أنّكم وطنيّون صادقون. ولكنّ هذا للأسف لم يعد يكفي. لابدّ لكم من رؤية استراتيجيّة ومن علاقات دوليّة ومن تكتيكات عاجلة وآجلة، منها الثابت ومنها المتحوّل. لابدّ لكم من خطاب معاصر يجاري الواقع الدوليّ ويأخذ متغيّراته جميعا في الحسبان.

أعود إلى السؤال المركزيّ لأختم به في شكل اقتراح: أعدّوا رؤيتكم الجيوستراجيّة على قراءة محيّنة للإيديولوجيا وللعلاقات الدوليّة وإلاّ فإنّكم ستجدون أنفسكم، لو نجحتم في إسقاط حكم النهضة، في وضع أسوأ منها وأتعس. وألفت انتباهكم إلى أنّه ليس هناك إمكان لأن تطمعوا في النموذج الكوبيّ ولا الناصريّ ولا الصدّاميّ. فاتركوا هذه الأوراق إن كنتم تتداولونها سرّا بينكم! وعليكم بالابتكار السياسيّ. وليس أمامكم غير العلم والتكوين المعرفيّ. فهل سيطول انتظارنا لمركز البحوث والدراسات أو الأكاديميّة السياسيّة؟ أؤكّد لكم أنّكم لن تذهبوا بعيدا دون هذا. وما دمنا لا نتحدّث إلاّ عمّا نريد ولا نتحدّث أبدا عن نقائصنا فنحن لسنا بخير.

 الحلقة المفقودة:
إنّ من يتأمّل الساحة السياسيّة التونسيّة وما يدور فيها من مفاوضات بين حركة النهضة وحلفائها، من جهة، وبين جبهة الإنقاذ، من جهة ثانية، بوساطة الرباعيّة التي يقودها الاتّحاد العام التونسيّ للشغل، يكتشف بيسر أنّ هناك حلقة مفقودة في المشهد السياسيّ والاجتماعيّ التونسيّ اليوم، هي حلقة السياسيّين المحاورين. في تونس، اليوم، يوجد السياسيّون البراغماتيّون والسياسيّون المناضلون والسياسيّون الوطنيّون والسياسيّون الوطنيّون والسياسيّون الانتهازيّون والسياسيّون المستبدّون. وهؤلاء جميعا يخدمون أنفسهم وأحزابهم ومرجعيّاتهم وإيديولوجيّاتهم. ولكن أين السياسيّون المحاورون الذين يثق فيهم الجميع؟ لو قبلت النهضة حلّ الحكومة فإنّ خطاب تشكيل حكومة جديدة دون مشاركتها أمر غير مقبول وغير معقول. بلا شعبويّة وقصر نظر وثورجيّة فارغة. لابدّ من التعامل مع المرحلة بحذر شديد دون مزيد تكريس الإقصاء والاستئصال أو حتى الإيحاء به. على المعارضة، وأنا منها، أن تكون على وعي بأنّ الحلّ في الوحدة الوطنيّة وليس في إقصاء طرف واستبداله بآخر.

ولابدّ من أن أنبّه إلى أنّ الوحدة الوطنيّة كلمة حقّ كثيرا ما يراد بها باطل لاسيما عند الطرف الحاكم الذي يستعملها للمناورة وربح الوقت والدّليل على ذلك أنّ كلّ ممارساته تذهب في الاتّجاه المعاكس. فالتعيينات الحزبيّة الاستفزازيّة لم تتوقّف. والصلف السياسيّ والإعلاميّ لم يتوقّف. واستغلال القضاء والتدخّل فيه لم يتوقّف، فما أسرع أن يسجن فنّان وما أعسر أن يحتفظ بإرهابيّ رهن الإيقاف! ومحاولات تدجين الإعلام وصنصرة الإعلاميّين المعارضين لم تتوقّف. ولكنّ استعمال شعار الوحدة الوطنيّة من قبل الاتّحاد العام التونسيّ للشغل هو استعمال واع ومسؤول وليس له باذن مغاير.

مع ذلك، أريد أن ألفت الانتباه إلى الشعبويّة السياسيّة المفتقرة للرؤية السياسيّة السائدة بيننا. وهي تتمثّل في المطلب الطفوليّ جبهة الإنقاذ، أرجو المعذرة، الذي تطلبه من حركة النهضة ومن حكومتها. إنّ الإقرار بالفشل وحلّ الحكومة وحلّ المجلس التأسيسيّ وما تبعه لا يمكن أن يكون بالطلب والقبول مهما كانت شرعيّته ووجاهته. هذا يفرض فرضا أو لا يكون.

فلا يمكن لحركة النهضة أن تقبل بمنطق “اتركوا لنا السلطة نتصرّف فيها ونعيّن فيها من نشاء لأنّكم فاشلون.” فلكأنّك تقول للنهضة: “اذهبي إلى الغرق بمحض إرادتك إكراما لنا”! لابدّ من منطق آخر مثل : “لابدّ من التفكير معا في حكومة جديدة تتجاوز الأخطاء وتحمي تونس وتنقذها بعد أن تقرّ بفشلها وبأخطائها” نعم، حكومة كفاءات وطنيّة أو حكومة إنقاذ يشترك الجميع في تشكيلها. أعتقد أنّ هذا هو المنطق الأصوب. أمّا أن نقول للنهضة: أنتم فشلتم والزموا بيوتكم واتركوا لنا السلطة ونحن سنواصل الحكم لأنّنا وطنيّون أكثر منكم“ف كأنّك تقول لها:”اشتمي نفسك، يا نهضة، وأهينيها. ثمّ اخجلي من نفسك والزمي بيتك لا تغادريه أبدا حتى يأتي الحساب”! لن تقبل حركة النهضة هذا بقطع النظر عن وجاهته. ولن يساهم هذا السلوك السياسيّ في إنقاذ تونس.

إنّ ما يحدث الآن هو تقاطب حادّ لن يحلّ الأزمة ولن يخدم تونس. علينا، نحن المعارضين، أن نجسّد وطنيّتنا في مواقفنا ورؤانا وقراءتنا للواقع لا في شعاراتنا فقط. هنا يأتي دور المحاورين الملمّين العارفين فهم وحدهم القادرون على أن يقولوا كلّ هذا وأن ينفّذوه سياسيّا بلغة أخرى تغلب عليها الحكمة والرصانة والديبلوماسيّة والمعرفة. أين محاورو الجبهة؟ هل هناك فريق محاور يعمل، ولو في السرّ الآن، ويعدّ خططه ومشاريعه وأفكاره واستراتيجيّاته ويدرس الخصم ويستعدّ لمحاورته؟ هذا الدور لا يمكن أن تقوم به القيادات الحزبيّة والسياسيّة، أرجو المعذرة. هذه مؤسّسة قد تكون موجودة عند بعض مكوّنات جبهة الإنقاذ. ولكنّها حتما حلقة مفقودة في هيكلة الجبهة الشعبيّة.

أخيرا، إذا لم يتوقّف السياسيّ عن صلفه فسندعو عليه بالطوفان يأخذه وحده بعيدا. وإذا لم نفتكّ زمام أمرنا من السياسيّ فهو من سيلقي بنا في الطوفان. وإذا لم نفلت من دائرة التقاطب السياسيّ فسيغرقنا الطوفان جميعا نحن والسياسيّين.. وسيعمّ الخراب ديار تونس وأرضها إذ لا يفصل الشعانبي عن تونس إلاّ مسيرة سويعات قليلة. أيّها السياسيّ الـــ.. أيّها السياسيّ الـــ..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This