ماذا يحدث تحت راية “الاسلام السياسي”؟
“انّ العودة الى الأصول تؤدّي في كل مكان الى البربرية” نيتشه
تقديم :
يقول روبيسبيار (1758-1794) :“انّ الثورة.. ليست الاّ الانتقال من مملكة الجريمة الى مملكة العدالة”.. ما مدى صحّة هذا الكلام في ضوء الثورات العربية؟ بعد حدوث ما حدث من قتل وذبح وتنكيل بالشعوب؟ هل نقول أنّ ما يحصل بعد الثورة يكاد يكون معكوسا في معنى تحوّلنا الى ركح الجريمة بامتياز؟ أم نقول أنّ الثورة أمر مشكوك فيه كما تريد لذلك نظريات المؤامرة أن تكون؟ ثمّة من يقول أنّ ما وقع في العالم منذ تفجير البرجين التوأمين للتجارة العالمية سنة 2001 هو انحدار العالم برمّته الى عصر جديد : هو“عصر صدام الحضارات”( هينتغتون ) أوعصر صدام الأصوليات (جلبرت الأشقر) أوحتى “عصر التطرّف” ( اريك هوبزباوم).. لكنّ بوسعنا أن نقول أيضا أنّه اذا كان الغرب يعاني منذ قرن من الزمن من انهيار معنى العالم، فانّ الاسلاميين منذ واقعة 11 سبتمبر وتفجيرهم لمركز التجارة العالمية انّما عبّروا بحرق العالم وبقتل العالميين عن رغبتهم الدفينة في ألاّ يكون ثمّة عالم أصلا..
هل ثمّة فرق بين ما يُسمّى ارهابا عالميا تحت راية تنظيم القاعدة، والاسلام السياسي الذي يتمسّك بالسلطة في بلاد “الربيع العربي” تحت راية شرعية انتخابية انتهت صلاحياتها بفشلها في ادارة الانتقال الديمقراطي؟ هل ثمّة شرعية.. بعد الدماء…هل ثمّة شرعية دموية..؟ هل ثمّة شرعية لسقوط ضحايا تحت راية الاسلام السياسي؟ لا شيء يبرّر القتل حتى السياسات الالاهية.. ولا شيء يبرّر سقوط الضحايا غير السياسات الفاشية..
ما هوالاسلام السياسي؟ والى أيّة جغرافيا حزينة يجرفنا في عصر يقف فيه الوطن العربي على حافة الكارثة؟ لم نعد قادرين على التفكير في صخب ما يحدث الاّ ونحن مفزوعون ممّ سوف يحدث على نحوأفظع. ويصيبنا الهلع الجماعي من رؤية الجثث تتساقط كل يوم كما لوصا ر البشر في ديارنا الى ذباب..كل ذلك تحت راية الله، وباسم شرع الله ودول الله..ما الذي يحدث لنا؟ وأيّة لعنة الاهية تصيب شعوب الله وأحزاب الله وحكومات الله؟ أوتكون هذه الشعوب الواقفة على عتبة الله الاسلامي قد تحوّلت فجأة الى رهط من البشر لا يتقن الانتماء الى التاريخ العالمي الاّ في ثوب القتل؟ يستوي المقام حينئذ بين القاتل والمقتول.. هل سقط عليهم تاريخهم فسحق بعضهم ببعضهم الآخر؟ احدى النسويات الاسلاميات قالت ذات مرة “أرفض العيش مع الاه ظالم” وميسون الشاعرة الكويتية اتّهمت بالكفر لأنّها قالت :“ذهبت الى مكّة أبحث عن الله فلم أجده”.. كأنّ كلّ منهما، وعلى نحوما، ترسل صرخة فزع من دين تحوّل من عقيدة الاهية الى جهاز سياسي للسطوعلى الحكومات..
أيّ معنى لكل ما يحدث اليوم تحت راية الاسلام السياسي في بلاد “الربيع العربي”؟ وكيف نفهم هستيريا الشرعية التي يتغنى بها الاسلاميون في تونس وفي مصر تحديدا بعد أن فشلت الحكومات في تسيير مرحلة الانتقال الديمقراطي؟ لماذا تتمسّك الحكومة في تونس تحديدا بالحكم تحت غطاء شرعية انتخابية منتهية الصلوحية خاصة بعد كل ما وقع في ظلّ هذه الحكومة من رشّ للمواطنين في سليانة، الى حدّ اصابتهم بالعمى، كما لوكانوا حيوانات صالحة للصيد.. واغتيالات سياسية لقادة المعارضة في عقر ديارهم بسحل بعضهم وضرب بعضهم بالرصاص.. وذبح جنود الوطن على مرمى حجر من جيوش الوطن..أيّة شرعية بعد التنكيل بجثث حماة الوطن وبتر أعضاءهم بشكل وحشي لا نظير له؟ كل الأسئلة المجروحة تزدحم على بوّابة عقولنا وتدفع بنا الى “التفكير الحادّ بأقصى سرعة”.. وتصرخ كل يوم في حناجرنا الأصوات المغتالة في قلوب من رحلوا قبل موتهم غدرا تحت راية حكومات تتقن التكبير في المساجد وتجميل الواجهة على شاشة التلفزة بعد مسح الدماء النازفة في الشوارع بشيفونة الشرعية المنتهية.
1) المفهوم :
الاسلام السياسي هومفهوم غامض وعائم شبيه بنسيج العنكبوت فهويضمّ في خلاياه اتجاهات وحركات ودرجات في التطرّف تتراوح بين السطوعلى السلطة والتمسّك بها والقتل وتخزين الأسلحة من أجل الجهاد بها ضدّ شعوبها أوضدّ من لا يؤمن بعقائدها.. لكنّنا لن نرصد الظاهرة من الناحية التاريخية الصرفة ( كما نجد ذلك في كتاب قيّم لرضوان السيّد بعنوان الاسلام المعاصر ) بل سنجمّع جملة مقوّماتها الجوهرية من أجل ادراك أهدافها العميقة ومواضع خطورتها وفشلها معا. في كتاب له تحت عنوان الخوف الاصولي يشخّص الكاتب الانغليزي بوبي س-سيّد جملة من التحديّات أمام الاسلاميين نعتبرها مقوّمات جوهرية للاسلام السياسي : أوّلا علاقة متوتّرة مع الغرب مع الاستفادة من مكاسب التقدّم الغربي. ثانيا الاسلاميون يفرضون على أنفسهم عزلة حضارية باصرارهم على مفهوم الأمّة. ثالثا الاسلاميون غير قادرين على بناء “ثقافة الرغبة” في مجتمع محكوم بقيم الاستهلاك، وذلك لأنّ مقولة الانسان- الفرد غير ممكنة داخل المنظومة الاسلامية القائمة على مقولة الانسان “عبد الله”.. يقول بوبي سيّد : “لقد مال الاسلاميون الى التعامل مع مسألة الرغبة بطريقة عقابية بدلا من أن تكون منتجة.. ويتطلّب بناء الرغبة تثقيفا وليس ببساطة أوجه منع أوتطبيقا أقسى للقانون”. رابعا : الاسلاميون غير قادرين على بناء تصور عام عن “أسلوب حياة ” في حجم الحياة المعاصرة. فالأحزاب الاسلامية خارج النهي عن المنكر والأمر بالمعروف انما تعاني حسب تعبير بوبي السيد “نقصا في الخيال الحكومي” وهوأمر يجعلها ذات “فهم محدود لطبيعة الدولة”. خامسا : ميل الاسلاميين الى تمجيد “قراءة لاهوتية لتاريخهم.. لذلك تكون قدرتهم على اجراء حوار مع ماضيهم مسألة مقتضبة”.
يبدوأنّ هذا التحليل للظاهرة الاسلامية لا يزال يحافظ على بريقه اليوم بعد صعود الاسلاميين الى الحكم.. هؤلاء الحكّام الذين يحكمون تحت راية الاسلام أثبتوا اذن أنّهم يعيشون على علاقة متوترة بالحداثة الغربية وأنّهم يعانون من الازدواجية في مخاطبة شعوبهم بين المواطنين الأحرار وعباد الله المطالبين بالطاعة كما لوكانوا رعيّة. وأنّهم يعانون أيضا من “نقص في الخيال الحكومي” في اقتراح “أسلوب حياة” قادر على التأقلم مع متطلّبات العالم الحالي..الخ.
يعتبر مارسيال غوشيه في كتاب بعنوان الدين في الديمقراطية، أن الثورات الحديثة قد أنزلت السلطة الى الأرض بعد أن كان الحاكم في العصور الوسطى يحكم تحت راية سلطة الاهية، صار في العصور الحديثة يحكم تحت راية مشروعية قانونية أي بتفويض انتخابي من ارادة الشعب الجماعية من أجل مجتمع مدني قائم على قيم المواطنة. يقول غوشييه :“لقد كانت السلطة منزّلة من فوق وتفرض نفسها فوق ارادة البشر، فأعادتها الثورات الحديثة.. الى الأرض ووضعتها على مستوى الانسان”..
هذا النص يجعلنا أمام التساؤل التالي : اذا كانت الثورات الغربية الحديثة قد أنزلت السلطة الى أيادي البشر، فما الذي يحدث لدينا بعد الثورات العربية المعاصرة : هل دفعنا بعجلة التاريخ الى الماضي ثانية؟ أم نحن ثقافة ممنوعة من المستقبل؟ لم نخرج بعدُ من أمثولة الكهف. لكن ماذا تخبّئ كهوفنا في بطونها المدجّجة بالعبوات الناسفة؟ أصفاد البؤس في الأسفل..وفي الأعلى لا شيء غير أوهامهم والاه متضرّر من سطوالاسلاميين عليه.. وفيما أبعد من الصحراء ثمّة مؤامرات أمريكا والعنكبوت الخليجي وشبكات الارهاب العالمي واللوبي الصهيوني..لا شيء ينقذ العالم العربي غير قصّة أخرى : أبطالها بهلوانيّون ومهرّجوسيرك..
2) مقوّمات الإسلام السياسي:
لوأردنا ملامسة الظاهرة عن قرب لجمّعنا مقوّمات الاسلام السياسي فيما يلي :
1)السؤال الأساسي الذي يواجهه الاسلام السياسي اليوم هوالتالي : ما هومدى استعداد هذه الثقافة الاسلامية الى العلمنة كشرط أساسي للانتماء الى العالم الحالي؟ ما هومدى استعدادنا للانتماء الايجابي للتاريخ العالمي المعاصر؟ ذلك أنّ الاسلام السياسي ينجح في استقطاب الجموع على الانخراط في ركبه كلّما نجح في شيطنة الغرب للتملّص من مكتسبات الحداثة. انّهم يضعون بين قوسين كل التراث الانساني الحديث في حين أنّ هذا التراث هوتراث عالمي يخترق الجميع في شكل نوع من القدر التاريخي الذي لا يستشير أحدا في التسلّل الى بيته تحت كل المسميات : التكنولوجية والرقمية والترفيهية. نحن نقصد الحداثة كشكل حياة عالمي وليس كمنتوج غربي. متى سندرك أنّ الحداثة ليست تراثا خاصا بالغرب وحده؟ أوبعبارة للدكتور فتحي المسكيني : “الى متى سنظلّ مترجمين سيّئين لامكانات أنفسنا القديمة في معجم الانسانية الحالية؟”.
2) الاسلام السياسي لا يؤمن بالثورات لكنه لا يخجل من الاستحواذ عليها وتحويلها الى انتصارات انتخابية مفبركة وحكومات لفرض الوصاية على الشعوب. ليس ثمّة عقيدة ثورة لدى الاسلاميين، ثمّة دوما طقوس للجهاد في سبيل الله بالتكفير والرش والغزووالاغتيال والذبح والتفجير..الخ..
3)الاسلام السياسي يشكومن زكيزوفرانيا فظيعة في خطابه : بين الخلافة والدولة، بين المواطن والرعية، بين أخلاق الطاعة وقيم الحرية، بين قيم المساواة المدنية ومبادئ العدل الالاهي والقضاء والقدر. فهويسوّق خطابا عن المواطنة والديمقراطية والحرية وحين يعود الى شيوخه يتمسّك بالشريعة الاسلامية تمسّكا باتولوجيا. وتخالك وأنت بحضرتهم كأنّ الاسلام دين جديد هم من اخترعه وهم الأوصياء الوحيدون عليه.. هستيريا يختلط فيها الادمان على الشرع بالادمان على الشرعية. تجارة للدين على قدم وساق وسوق أينعت بأرواح هشّة وأجساد نحيلة تقاطعت على أوجاعها كل الحكومات البائدة والمؤقتة..
4) الاسلام السياسي لا يؤمن بالإسلام بوصفه عقيدة بل بالإسلام بوصفه سياسة وطريقا الى السلطة. انّ الاسلام واقعة تاريخية والاسلاميون واقعة تاريخية أخرى : اسلام الملّة هواسلام تاريخي وفي أقصى الحالات هومدوّنة أخلاقية للمجتمع في حين أنّ الاسلاميين حركة سياسية حديثة تريد أن تكون الوصيّ على الذاكرة العميقة أي على الهويّة ثمّ تستعمل حصادها ذاك كخطاب للوصول الى الحكم أي لانتاج نوع من الشرعية أي القانونية القابلة للاستعمال الرعوي. هذا ان لم نقل أنّ الاسلاميين ليسوا هم المسلمون.. لأنّه ثمّة فرق بين الايمان بالإسلام كعقيدة وتجارة الاسلام كدولة.
وقد يكون بوسعنا أن نقول أنّ الاسلام قد انتهى كدين وبدأ كسياسة ترغب في السطوعلى العالم.. وهذا قد وقع منذ 11سبتمبر حيث أعلن الجميع أنّ “الاسلام قد خُطف من طرف الارهابيين”. أمّا اليوم في قلب ناعورة “الربيع العربي” فان الاسلام السياسي الذي تسنده أجندات عالمية أمريكية وغربية من الخارج فهو يترعرع من الداخل بأصوات المنسيين والمهملين في الأنظمة الاستبدادية السابقة الذين انخرطوا في لعبة صناديق الاقتراع أملا في تحسين لوضعياتهم..لكن لا شيء انضاف الى حياتهم غير جوع اضافي وبؤس أعمق.
5) يستعمل الاسلام السياسي وسائل عدّة للإشهار الديني والتعبئة الانتخابية : قنوات فضائية تموّل بآلاف الملايين من الدولارات ودعاة ينتشرون عبر العالم ينثرون الفتاوى ويسوّقون علوم الآخرة لذوي العقول الهشّة والقلوب المذعورة.. أمّا دور العبادة فقد تحوّلت من مساجد لإعلاء كلمة الله ونشر أخلاق التسامح والرحمة والمحبة الى مؤسّسات سياسية للتكفير والتخوين والتأثيم والدعوة الى الفتنة والاقتتال. أمّا المواسم الدينية والأعياد فقد تحوّلت هي الأخرى في يد مكنة الاسلام السياسي الى مناسبات حكومية للتعبئة الحزبية.. كأنّما الاسلام قد صار الى مؤسّسة اشهارية لاستقطاب المستهلكين لنظام جاهز للسطوعلى القلوب والعقول.
3) هستيريا الشرعية :
ثمّة لعبة لغوية ماكرة في نسيج مفهوم الشرعية بين شرعية الشرع أي الشرع الالاهي ومشروعية القوانين المدنية. هذه اللعبة تتقنها لغة الضاد وتتلكأ فيها لغة اللاتين بين légalité وlégitimité.
انّ تمسّك حكومات الربيع العربي بالشرعية بعد كل الأحداث الدموية التي وقعت في حيّزها، يجعلنا نتحدّث عن نوع من هستيريا الشرعية في معنى ضرب من الحالة النفسية العامة التي خرجت فيها حكومات وأحزاب برمتها عن طور العقل وعن طور المشروعية.. لا شيء يبصرون ممّ يحدث من افلاس اقتصادي وبؤس اجتماعي وفوضى مدنية غير كونهم يملكون الشرعية الانتخابية.. شرعية الصناديق التي دفعت بخيرة أبنائها الى التوابيت… شرعيون الى حدّ اراقة الدماء.. كيف نفهم هذه الهستيريا الشرعية؟
يبدوأنّ الاسلام السياسي الحالي انّما يقوم في جوهره على سوء فهم للمعنى الحديث للشرعية. هذا اذا استثنينا الحديث عن انتهازية سياسية في معنى استعمال الانتخابات للقضاء على فكرة الديمقراطية : صندوق الاقتراع يصلح مرّة واحدة أي من أجل صعودهم الى الحكم..ثم يقع غلق باب الديمقراطية. ويتمثّل سوء الفهم هذا فيما يلي :
1)اذا كانت الشرعية هي مجرّد نجاح انتخابي لحزب دون آخر وفقا لقاعدة التداول على السلطة، فانّ الاسلاميين يدافعون عن الشرعية وكأنّها منحة دينية من الله لأنصار الشريعة أولممثّلي الأمّة. وهنا يتمّ الخلط بين الشرع بالمعنى الديني والشرعية بالمعنى القانوني الحديث.
2) ينبغي التمييز اذن بين الشرعية والمشروعية : فالشرعية هي قانونية دوما لأنّها مجرّد تطبيق صوري للقواعد الانتخابية داخل مجتمع مدني حديث. شرعي هنا يرادف قانوني. أمّا المشروعية فهي أخلاقية بالأساس أومعيارية. انّها تعبير عن جملة القيم والمعايير التي يستمدّ منها مجتمع ما شروط فهمه لنفسه وأشكال التعبير عن هويته.
3) الاسلام السياسي يظهر في شكل مريب على المستوى السياسي وذلك بعد أن قبل المشاركة في الانتخابات المدنية كطريق للوصول الى السلطة : فهومن جهة يدافع عن الشرعية في معناها القانوني الحديث والحال أنّه من المفترض في انتمائه الى منظومة اسلامية أن يدافع عن المشروعية في معنى دقيق جدّا، لأنّ الاسلام السياسي هوتعبير هووي عن السلطة وليس تعبيرا مدنيا. وهنا بالضبط يكمن عنصر الريبة في دخول الاسلاميين الى الانتخابات وصعودهم الى السلطة عبر أغلبية مفبركة سلفا. فهم يلبسون قناع الشرعية والحال أنّ كل خطاب عنها يضمر خطابا هوويّا أي خطاب يدافع عن مشروعية التصور الاسلامي للعالم.
4) ينطوي الاسلام السياسي على نزاع دفين بين النموذج الرعوي (أي مفهوم الزعامة الدينية في شخص الشيخ أوالمرشد أوالداعية أوالامام الشيعي..) وبين النموذج المدني أي الشكل القانوني للشرعية في نطاق المواطنة. فالإسلام السياسي يخاطب رعيّة ويستعمل خطاب المواطنة ويخلط عندئذ بين الطاعة والحرية.
5) يقوم مفهوم الشرعية على مفهوم الأغلبية : لكن ما هوية هذه الأغلبية التي جعلت صعود الاسلاميين االى الحكم ممكنة؟ هل هم رعاع أم هم شعوب أم جموع..أم أغلبية مؤقّتة تمّ جمعها من أحياء الفقر بمقابل يتراوح بين النقد والتزويج والختان وعلّوش العيد…؟ ممّ يجعل مفهوم الأغلبية التي يزايد بها الاسلام السياسي على من يسمّيهم “الصفر فاصل” موضع شكّ وريبة. في كتاب “سيكولوجيا الجماهير في الفاشيىة (1933) يتسائل وليام رايخ طويلا عن سرّ صعود هتلر الى الحكم قائلا :” كيف استطاع هتلر فرض نفسه؟ كيف يمكن لشعب من سبعين مليون نسمة من الأفراد المثقّفين والعاملين أن يدع نفسه يُفتن بشخص مضطرب العقل بشكل واضح “. ويجيب :” انّها وظيفة الاغواء الكاريزماتيكية للزعيم الذي يتكلّم ويخطب.. وعبادة الانضباط والاحتفالات..والخضوع المازوشي للرؤساء المدفوع حتى التضحية..“. وفي كتاب بعنوان” علم نفس الجماهير “(1895) لغوستاف لوبون الذي انشغل بظاهرة العدد يعرّف المؤلف فكرة الأغلبية كما يلي :”..بواسطة هذه الكيمياء الاجتماعية الغريبة تتحول الكثرة الى كائن جماعي..مزوّد بنفسية وذاكرة، بوعي وبارادة وبمجموعة سمات..سرعة الغضب، سرعة التصديق والنزوع حتما الى العنف..“..رغم أنّ هذا التحليل لم يعد قادرا على فهم ما يحصل في مفهوم الأغلبيات والأقليات الانتخابية فانّ شيئا ما في سيكولوجيا الجماهير هذه التي يمكن استثمارها في ألاعيب ومؤامرات سياسية، لازال عالقا فيما حصل من انتصارات انتخابية للاسلام السياسي في” الربيع العربي “.
6) انّ الاسلام السياسي يشتغل وفق تأجيج الانفعالات الدينية والعرقية والتاريخية الأكثر عمقا في النسيج البعيد للأغلبية التي كوّنها تحت راية صناديق الاقتراع المدنية من أجل استخدامها”حطبا رعويا “وعددا انتخابيا يدوس به على أحلام الشعوب وثوراتهم. ثمّة نوع من” طاعون الانفعالات“الذي يُحوّل الحشود خاصة في المساجد وقد صارت الى منابر سياسية، الى كتلة انفعالية متجانسة صاخبة تعتقد أنّها أخوية بأخوّة الاهية صافية ضدّ كل من يعادي معتقداتها وانفعالاتها. وهوما يحدث اليوم من تعبئة للمساندين للشرعية ( في تونس وفي مصر ) عبر تعبئة انفعالية ( تحت راية الايمان والكفر ).. وحتى بمقابل مالي أحيانا وذلك في نوع من الانتاج المثير لأغلبية تصلح للاستهلاك السياسي المؤقت.
7) انّ السؤال المحرج للاسلاميين اليوم هوالتالي : هل تخلّى الاسلام السياسي المتمسك اليوم حقّا عن خيار الجهاد أي على ثقافة الدعوة العنيفة أم أنّه غيّر الوسائل واحتفظ بالغايات؟ ان
فشل الاسلاميين في الحكم رغم صعودهم اليه عبر انتخابات شرعية هوعلامة كبيرة على التناقض العميق الموجود في خطابهم بين الشرعية كمكسب انتخابي وطريقة الحكم كحكم دعوي ورعوي لا يحترم قيم الدولة المدنية : المواطنة، المعارضة، المشاركة، الاستقلالية..حرية المعتقد، منظومة حقوق الانسان الكونية..انّهم يصلون الى الحكم بشكل شرعي لكنّهم يحكمون بشكل رعوي. فكل من يعارضهم أويخالفهم يقع تهديده بالقمع ويكفّر ويخوّن وقد ينتهي به الأمر الى القتل في عقر داره. انّهم يصلون الى الدولة بطرق مدنية ويمارسون الحكم بطرق دينية. وفي الحقيقة علينا أن نقول أنّ مفهوم الجهاد في سبيل الله وثقافة القتل من أجل ارضاء الله ليست حكرا على الاسلاميين بل هي موجودة في عمق ديانات التوحيد. وهنا نستحضر نصّا فظيعا للوثر (1483- 1546) المصلح الديني المسيحي المعروف في كل الغرب المسيحي. يقول في كتابه” ضدّ عصابات الفلاّحين النهّابة والقتّالة “ما يلي :” أيّها السادة الأعزّاء، اطعنوا بالخنجر، هاجموا واذبحوا بشكل أفضل. واذا لقيتم الموت، فهذا أفضل لكم، فأبدا لن تستطيعوا أن تلقوا موتا أكثر سعادة، لأنّكم تموتون، وأنتم تطيعون أمر الله وكلامه “.
خاتمة :
ثمّة أطروحة فلسفية معاصرة تقول ما يلي : هناك فشل عالمي في بناء ايجابي لكينونة بشرية مشتركة. وهذا الفشل هوالذي أدّى الى احياء النعرات الدينية وصدام الأصوليات ودفع بهذا العصر الى”عصر التطرّف “. هذه الأطروحة هي لجون لوك نانسي أحد المفكّرين الفرنسيين المعاصرين الذي يذهب الى أنّ المشكلة التي تواجه العالم اليوم هي” شكل الحياة “الذي يمكن للانسانية أن تشترك فيه على المستوى العالمي في ظلّ رأسمالية متوحّشة وشبكات ارهاب عالمية لا يمثل الاسلام السياسي غير تعبير من تعبيراتها الدنيا. يذهب نانسي الى” أنّه لا يمكننا اليوم أن نعلمن فكرة الله ما دامت العلمنة تعني النظام الخارجي لما هوالاهي..فامّا أنّ السياسة لا يمكنها أبدا أن تبتلع الدين، وامّا أنّه ليس ثمّة دينا مستقلاّ أصلا، وأنّ الدين هودوما وسيلة لسياسة ما “. لكنّ نانسي يستدرك كي يميّز الالاه التوحيدي عن الديانات الوثنية يقول :”. داخل الالاهي الوثني ليس ثمّة مجالا للتفرقة بين الدين والسياسة فلا شيء منهما موجود فعلا..أمّا داخل الالاهي التوحيدي ثمّة دوما توتّر في الفصل بينهما لأنّ أحدهما يمحوالآخر “..هل يمكن للاسلام السياسي أن يتغلّب على هذا التوتّر بين الديني والمدني؟ من أجل ذلك عليه أن يتدرّب على الانخراط في الحياة المدنية كعضوشريك وليس كحزب وصيّ على مصير شعب برمّته.
لا خيار اذن أمام ركّاب الاسلام السياسي الاّ أن يصبحوا شركاء في العملية السياسية بوصفهم جزء من الدولة الحديثة وليس بوصفهم أوصياء على الأمّة التي لا وجود لها سياسيا بل هي بالأساس منظومة أخلاقية يستمدّ منها المجتمع هويّته لكنّه يرفض أن يصبح رهينا لها من الناحية السياسية. الاسلام السياسي مطالب اذن بالتدرّب على أخلاق العيش معا في وطن ديمقراطي. وذلك لا يعني القدرة على تجميع الحشود في شكل عدد انتخابي أحمق أوتحت راية أغلبية عنيفة، بل القدرة على أن يشترك الجميع في وطن يضمن الكرامة والعدالة والسعادة للجميع. أمّا عن علاقتنا بالعالم، فالاسلاميون لازالوا بعيدين اليوم عن بناء علاقة صحّية مع الحداثة العالمية. في حين لا يمكن لأيّة ملّة أن تتخلّص من دائرة التاريخ العالمي الاّ وقد لفظتها فكرة الانسانية كأنّما الأمر يتعلّق برهط آخر من الكائنات البهلوانية.
قائمة المراجع المستعملة :
1) فرانسوا شاتليه، أوليفيه دوهاميل، ايفلين بيزيه، معجم المؤلّفات السياسية، ترجمة محمد عرب صاصيلا، بيروت، المؤسّسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1997.
2) بوبي س سيّد، الخوف الأصولي، المركزية الأوروبية وبروز الاسلام، ترجمة عبد الرحمان
أياس، بيروت، الفارابي، 2007.
3) مارسسيل غوشيه، الدين في الديمقراطية، ترجمة د.شفيق محسن، بيروت، مركز الوحدة العربية، 2007.
4) رضوان السيّد، الاسلام المعاصر، نظرات في الحاضر والمستقبل، بيروت 2011.
5) د.فتحي المسكيني، الهويّة والحريّة، نحوأنوار جديدة، بيروت، 2011.
