“أخلاق المناقشة” وإعادة بناء التنوير

تحيل فلسفة الحقّ على مبدأ القانون نظير ما يحيل سؤال الأخلاق على مبدأ الواجب. والقانون مجاله تنظيم السلطة وحماية “الحقّ العموميّ” باعتبار الأفراد كائنات سياسية واجتماعية (أي مواطنين) لهم حقوق وعليهم واجبات. والواجب –هنا- مصدره وقاعدته الإلزام. ومن هنا طابعه الخارجي ومضمونه الزجري. وبالتالي يُطرح السؤال –فلسفيا- حول القيمة الجوهرية والضمنية للفعل القانونيّ باعتباره كذلك. إذ أنّ الحكم والفعل هنا نسبيان وعارضان ومجال تبلورهما وتمظهرهما محدود بنطاق الأفراد/المواطنين مقابل ما هو كليّ ودائم ومرتبط بنطاق الإنسان/الإنسانية.

وهذا هو الإشكال النظري المرتبط بصيرورة القانون (المواطن) وكينونة الواجب (الإنسان) وتعارضهما الضمني.
لقد مثلت الشرائع الدينية (والسماوية بالخصوص) مصدر إلهام كلّيّ وأسبغت مشروعية شمولية على قوانين المجتمعات التي هيمن عليها هذا الدين أو ذاك. وبالتالي، لم يكن التمايز قائما ولا ممكن القيام (في منظور المؤمنين بالطبع) بين ما هو حقّ وخير وعدل وفضيلة. فطاعة ما هو مسطّر في “الألواح” كـ”وصايا” خصّ بها الربّ النبيّ موسى، وما نطق به “الروح القدس” كـ “حكم” على لسان الفادي عيسى، وما نقله الملاك جبريل كـ”وحي” إلى الرسول محمّد… هذا ما كان يضمن كلية وشمولية “قوانين” المجتمع اليهودي أو المسيحي أو المسلم. فقوانين هذه الشريعة أو تلك هي كلية وشمولية بإطلاق لا تضمن فقط مصالح المجتمع/الأفراد، ولكن تحقّق جوهر كينونة الإنسان/الإنسانية.
كان هذا هو الحال في المجتمعات المنعوتة- تاريخيا- بالتقليدية.

ومع الانتقال إلى “العصور الحديثة” (على حدّ تعبير الفيلسوف الألماني هيجل)، وبداية تراجع الهيمنة المطلقة للدين، وبروز العقل كمصدر وحيد (بل ومطلق) للحقّ والخير والعدل والفضيلة فإنّ الإشكال النظريّ المرتبط بصيرورة القانون (المواطن) وكينونة الواجب (الإنسان) وتعارضهما الضمني سيجد حلّه في بناء صروح الأخلاق العقلانية الحديثة وخاصة فلسفة الأخلاق الكانطية.

لكنّ نقدا أساسيا سيوجّه إلى الأخلاق الكانطية-أخلاق الواجب الصوريّ والأمر القطعيّ، وبالتّالي، تبرز نزعات عقلية واقعية ونفعية وأداتية تلتصق بالواقع والمجتمع والفرد العينيّ وترفض مبدأ المتعالي والمفارق. كما أنّ العلوم ذاتها تطورت بشكل ألقى بظلال من “النسبية” و”اللاحتمال” على كل يقين عقليّ أو طبيعيّ ممكن. وبالتالي، دخل العالم بالكامل عهد نزع كلّ طابع سحريّ عن وقائعه وظاهراته désenchantement (ماكس فيبر). ووقعت حربان مدمّرتان كانت وراءهما نزعات إيديولوجية ضربت في العمق مثُلا وقيما كان يعتقد أنها –باسم الحرية والعقل والتقدم- تشكّل “دينا” جديدا وبديلا للإنسانية. فساد الإحساس بفقدان المعنى والخراب الروحي والعبثية واللاجدوى. فأيّ أخلاق يمكن أن تنبثق من “أرض اليباب” هذه (قصيدة مشهورة للشاعر الإنكليزي إليوت)، وأية قاعدة أخلاقية جديدة ومتجدّدة يمكن التأسيس انطلاقا منها؟ بل هل هذه القاعدة موجودة أصلا وهذا التأسيس ممكن تصوّره وحدوثه؟

في هذا السياق المأساوي الممكن التأريخ له انطلاقا من إعلان نيتشه “موت الله” إلى إعلان عموم البنيويين (والبنيوية هي الإيديولوجية التي هيمنت بدون منازع على امتداد الستينات) “موت الإنسان” إلى إعلان موت “الحكايات الكبيرة” (جان-فرانسوا ليوتارد) برزت نزعتان فيما يخصّ فلسفة الأخلاق المعاصرة: نزعة من يستهجن أصلا طرح السؤال في هذا الصدد منكفئا على الشذري والمتعدد والمختلف ويقف بالتالي على حافة العدمية؛ ونزعة من يريد إعادة البناء لقيم التنوير الأصلية : الحرية والعقل والتقدم.

وهنا يبرز اسما الألمانيين كارل-أوتو آبل (+1922) ويورغان هابرماس ( +1929) كمنظرين لما يمكن اعتباره أحد محاور إعادة البناء التنويري هذه: أخلاق المناقشة.

هناك الأخلاق التي هي بحث عن قيم يسير على هديها “الحكيم” (أو محب الحكمة) في حياته من أجل اكتساب الفضيلة والعيش سعيدا (أرسطو). و هناك أخلاق “المنفعة” و”الذرائعية” كما برزت في سياق بروز الأزمنة الحديثة (جون ستوارت ميل، بنتام…). وهناك أخلاق “الواجب” (كانط)، وأخلاق “المسؤولية” (ماكس فيبر، هانس جوناس..). و هذه كلها أخلاق تهتم بمضمون “ما يجب أن يكون” إن في محتواه الفعليّ أو في شكله الصّوريّ.

وبالمقابل، فـ”أخلاق المناقشة” –كما أسّسها ونظّر لها كارل-أوتو آبل ويورغان هابرماس- لا تبحث عن “حكمة” بعيدة المنال،كما أنها تنتقد أخلاق “المنفعة” و”الذرائعية”، وتقدم ذاتها في سياق الأخلاق الكانطية مع نزعة التجديد بل والتحقق في هذا الصدد (نوع من الكانطية الجديدة).

وعليه، لا تكون “أخلاق المناقشة”هي الحكمة تحققا، لأنها تنفي مبدأ الغائية وتثبت واقعة الصيرورة، وليست هي أخلاق المنفعة و الذرائعية تحقيقا، لأنها تستحضر مبدأ الكلية وغاية الإنسانية.كما أنها تثبت الأمر القطعي الكانطي بعد أن تعيد صياغته.

وهكذا، لا تتوجّه “أخلاق المناقشة” نحو مضمون “الحكمة” الفعليّ أو تتوخّى غاية “المنفعة” الذاتية أو الجماعية، أو توصي بتنفيذ الأمر القطعيّ ولكنّها تؤسّس عقلانيّا لما ينبغي أن يكون عليه سير مناقشة عمومية بينذاتية ينخرط فيها فاعلون أحرار مستقلون وعاقلون لا يهم ما يدركونه من “حكمة” أو يبرزونه كـ”غاية” أو يقرّرونه كـ”واجب”، ولكنّ المهمّ هو واقعة المناقشة في حدّ ذاتها. ولا يعني هذا أنّ كلّ مناقشة هي أخلاقية بالتحديد: فالناس يتناقشون في كل مكان وزمان ولكن لا ينتج عن ذلك –ضرورة- نقاش بمعايير الكلية والحرية والعقلانية. كما أنّ هدف المناقشة الأخلاقية ليس هو التوصّل –ضرورة- إلى “توافق” أو “تراض” يعتبر –مثلا- “ميزان القوى” القائم أو يحقق “صيغة تحالفات” مفروضة أو مفترضة: فالأمر هنا أدقّ وأعمق.

بتعبير آخر: إنّ “أخلاق المناقشة”في المنظور الذي أسس له آبل وهابرماس تقدّم إجراءات ومساطير كونية تفرض على المتناقشين -منذ البدء وضرورة- الالتزام بقيم كونية شاملة تبرر الفعل الأخلاقي في حدّ ذاته.إن المهمّ ليس “مضمون” الفعل الأخلاقي ولكن صلاحيته sa validité المستندة بدورها إلى معايير أربعة :

• المعقولية intelligibilité، أي التخاطب بجمل مركبة تركيبا صحيحا ومحترمة لقواعد اللغة المستعملة ومستوفية لشروطها.

• الحقيقةvérité ، أي وصف حالة واقعة موجودة وليست مستوحاة من الخيال.

• الصواب justesse ، أي القدرة على تقديم أحكام نقدية دقيقة ومشروعة حول عالم التواصل الاجتماعي باعتباره مجموع علاقات موضوعية غير مشخصنة ولها شرعيتها الذاتية.

• الصدقيةsincérité، أي التعبير عن نوايا محددة وبطريقة صادقة بعيدة عن التضليل والكذب والحذلقة الكلامية وبدون سفسطة.

كما أنه ” وحدها المعايير القابلة لأن تلقى قبول كل المشاركين في مناقشة عملية يمكنها ادعاء الصلاحية” وهذا هو المبدأ “ميم” [المناقشةٍ] يضاف إليه المبدأ “كاف” [الكونية] الذي ينص على أن تتوفر هذه المعايير على مبدأ الكونية بحيث تحظى بموافقة الجميع دون ضغط أو إكراه وتسهل عملية تحمل النتائج والتأثيرات الناجمة عنه من طرف جميع الأشخاص المعنيين.

وتمثل هذه المبادئ والمعايير دون شك “حالة مثالية للكلام” يرى فيها آبل قاعدة تأسيسية لنوع من التداولية الترنسندنتالية بحيث إن “أخلاق المناقشة” تفرض شرطيا على الأفراد بمجرد انخراطهم في مناقشة تقوم على أساس المبادئ والمعايير أعلاه. وهذا ما يمثل نوعا من الفلسفة الأخلاقية المفارقة المكتفية بذاتها.وعليه يكون عمل الفيلسوف في هذا المنظور التنبيه على التناقضات الكلامية الإنشائية التي تعيق ممارسة العقل الحجاجي الكوني لدوره في مجالات التواصل البشري.وهذا ما ينتقده هابرماس الذي يرى أنّ دور الفيلسوف هو وصف المسار الأخلاقي الذي ينشأ ويتكوّن وليس تقريره وفرضه.هذا المسار العينيّ الذي لا يمكن أن يكون إلا نتاج فاعلين عينيين.ومن هنا تطويره –سوسيولوجيا- لنظرية الفعل التواصلي. وهذا موضوع آخر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This