أصنام العقل العربي
تشترط حريّة الفكر عدم وضع ثوابت وافتراضات مسبقة حول مسلمّات لا تقبل النّقض، فالأفكار المسبقة هي التي تلجم العقل وتمنع انطلاقته الحقيقيّة. هناك مساحة واسعة من التخيّل والبحث في الممكن وغير الممكن تهدر بسبب المعوقات التي تنشأ في العقل الباطن من خلال ترسّبات التّربية والتّنشئة (قيود الأسرة والمجتمع).
والعقل العربي المسلم (نستخدم الإسلام هنا بمعناه الحضاري لا معناه الدّيني ما يسمح بدخول الشّرائح المسيحيّة واليهوديّة الفكريّة تحت لواء هذه اللّفظة طالما عبّروا بالعربيّة من خلال الإطار الفكري للمجتمع الإسلامي) أمام تحدّي ضخم فهو مقيّد بالعديد من التّراكمات والترسّبات التي توارثها في إطار تقديسي ما أدّى إلى وقوعه في وهدة الجمود والتأّخّر وابتعد عن حريّة الفكر بأشواط.
مع تراكمات الزّمن تولّدت على مجرى التّاريخ الإسلامي أصنام فكريّة لا يمكن أن يتعدّى عليها أحد ولا يمكن طرحها جانبا ومتابعة السّير في الطّريق، فهي أصنام نحملها فوق ظهورنا تتراكم مع الأيّام ويزداد مع الوقت ثقلها، لا يمكن للعقل العربي المكبّل بها أن يتحرّر إلا بعد تحطيمها والقضاء عليها، على الأقل طرحها على طاولة النّقاش والنّقد للبحث عن صلاحيّاتها للعقل العربي في أزمته الحالية للخروج من مأزق الجمود.
تتنوّع أصنام الفكر العربي بين الدّين والفكر والأدب ففي كلّ مجال هناك مسلّمات لا تقبل الشكّ صناعها رجال أصحاب فكر جاء بعدهم قوم أضاعوا ثمرة التّفكير واكتفوا بحنظل التّكفير، فأصبحت الاجتهادات السّابقة نصوص مقدّسة تُقبل من السّلف على علاتها لا تحتمل فرضيّة النّقاش معها، بل يتم إحاطة تلك الاجتهادات البشريّة بهالة قداسة لا تجد منها مناص، من خلال إحاطة النصّ بشروح وتذييلات ما أنزل الله بها من سلطان، بهدف واحد هو الحفاظ على النصّ الاجتهادي الأصلي في حالته الأولى.
من أخطر الأصنام التي نصبت في الفكر العربي تحريم الفلسفة والمشتغلين بها، فقد تعرضت الفلسفة إلى حملة شعواء على مدار قرون انتهت باعتبار الفلسفة مرادفا للكفر والإلحاد، فقد تمّ التّركيز في البداية على مهاجمة أساتذة علم الكلام؛ المعتزلة، حتّى تم القضاء على منهجهم الفكري الحرّ في الفترة التي شهدت انتصار النّمط الإقطاعي من خلال التّحالف بين القوى العسكريّة والقوى الدينيّة التقليديّة، ثمّ تمّ مهاجمة الفلسفة وبقسوة خلال القرون التّالية وتم تشويه كل الإنتاج الفلسفي الإسلامي وتم تكفير كل الفلاسفة المسلمين بلا استثناء.
ورغم انكسار الفلسفة الأولي في المشرق الإسلامي أمام المدّ السنّي المتمسّك بالتّفكير التّقليدي للنصّ خصوصا بعد هجوم ابن قتيبة والأشعري (مجرّد نماذج أساسيّة للثبت الطويل الذي يضمّ عددا كبيرا من رجال الدّين) ثمّ الهجوم الكبير للغزالي على الفلاسفة في القرن الخامس الهجري في كتابه “تهافت الفلاسفة”، أقول رغم انكسار الفلسفة التّقليديّة في المشرق إلا أنّها عادت وبقوّة من خلال مدرسة فلسفيّة في الأندلس على يد ابن باجه وابن طفيل وابن رشد استطاعت أن تبقي الفلسفة حيّة حينا إلّا أنّها تعرضت للانتكاسة من جديد وإن تواصلت في إطار من التفلسف الصّوفي على يد ابن عربي وشيخ الإشراق السهروردي، ليكتب القرن الثّامن الهجري وفاة الفلسفة بشكل كبير. وما تزال الفلسفة مكروهة وشبه محرّمة حتى يومنا هذا في المحيط العربي، وأصبح للفلسفة في العقل الجمعي للشعوب العربية صورة نمطيّة مكروهة ليس أدلّ منها نعت كلّ من يفكّر أو يطرح أفكارا جديدة على المستوى الشّعبي بأنّه “يتفلسف” وهي كلمة تحمل مضامين سلبيّة كثيرة عند القاعدة الكبيرة والعريضة في المجتمعات العربيّة.
قراءة عكسيّة
من الصّعوبة التي يواجهها العقل العربي القراءة المقلوبة للتّاريخ الإسلامي وتطوّر مصطلحاته وفرقه، فالدّراسة تنطلق من النّهايات لتفسر البدايات أو بمعنى أصح دراسة النتائج النهائيّة كمنطلقات لفهم البدايات التاريخيّة، فمثلا مفاهيم السنيّة والشيعيّة والسلفيّة يتمّ إطلاقها بكل بساطة على أيّام الدعوة المحمديّة مرورا بصدر الإسلام حتّى يومنا هذا بنفس المفهوم ولنفس الغرض، وهو استخدام خاطئ مضلل يؤدي إلى تشويه أي بحث علمي جاد، وهو ما يعرف بـ”المغالطة التاريخيّة” فالبحث بهذا المنهج يؤدي إلى اقصاء التطوّر التّاريخي لهذه الفرق والمصطلحات التي سيكتشف الباحث أنّها ظهرت فعليّا بمعناها المتكامل في القرن الثّالث الهجري على استحياء وبشكل ثابت منذ القرن الرابع الهجري، وعندما وصلت هذه المصطلحات إلى مرحلة البلورة تم استخدامها للتّدليل على الأحداث في القرون السابقة عليها، وهو استخدام خاطئ، فيه من التجاوز على الحقيقة التاريخيّة ما فيه.
فلابد من القراءة التزامنيّة الواعية للنصوص في إطار عصرها وظروفها التاريخيّة ووسائل التعبير اللغويّة آنذاك. تحول هذا إلى أسلوب تفكير لدى العرب حتى يومنا هذا في دراسة كل شيء في إطاره الحالي دون النظر إلى جذور المشكلة وتطوّرها حتى وصولها إلى الشكل الحالي، هو أمر أنتج سطحيّة وعدم قدرة على حل المشاكل الآنية لعدم القدرة على الفهم العميق لها من الأساس.
تبدو أزمة العقل العربي واضحة في نظرته للشّخصيات الرّئيسة في التّاريخ الإسلامي خصوصا الصحابة فباب النّقد مغلق (النقد هنا يستخدم بمعناه الإيجابي) بحجج دينيّة في الأساس لا علاقة له بالتاريخيّة أو الواقع التاريخي، فشخصيات الصّحابة مرسومة بشكل يجعلها فوق مستوى الخطأ والخطيئة، المادة عن الصّحابة تكبر مع مرور الوقت ففي كل قرن تزداد المادّة ضخامة، وعند وضعها أمام أي مسلم يصاب بارتباك أمام كل هذا الكم من التناقض فإذا كانت مواقف أم المؤمنين عائشة والصحابة علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، مواقف دينيّة وبما أنهم لا يخطئون ولا يعرفون مع الحياة خطأ بشريّا، كما يحلو للبعض أن يصوّرهم، فلما التقاتل فيما بينهم إذن؟
هذا الموقف وبعده موقف اقتتال الصّحابة في الصّراع على الخلافة بين علي ومعاوية هو أكبر دليل على أنّ هذا الصّراع لا يمكن دراسته من خلال مدخل الدّين، ولكنّه ممكن من باب التّاريخ والسّياسة، إلا أنّ الإشكاليّة تكمن في أنّ البعض يرفض دراسة هذه الفترة إلا من خلال النّظرة التبجيليّة والتقديسيّة وهو أمر غير ذي معنى ولن يؤدي إلى فهم صحيح، بل إنّ تأسيس دراسة نقديّة هو أمر في غاية الخطورة والأهميّة لإزاحة هذا الكم المتراكم من التقديسيّة العمياء التي تضرّ ولا تنفع، ولا مبرّر هنا لترديد مقولات جوفاء عن مكانة الصّحابة وعلماء الدّين وعدم التعرّض لهم، لأنّ هذا أمر بعيد عمّا نطالب به هنا فلا حديث عن مكانتهم الدينيّة ولا حديث عن دورهم في توصيل تعاليم الإسلام لأنّ هذه القضايا مفروغ منها، أمّا ما نطالب به فهو دور كلّ منهم في الصّراع على الخلافة وهو منصب اخترعه الصّحابة كمنصب ليس من صلب العقيدة الإسلاميّة، فكان صراعهم على شؤون حياتهم التي جعلها الله ورسوله “شورى بينهم” هنا يحقّ لنا أن نفهم وبعمق طبيعة ما جرى وحقيقته بعيدا عن الدّعاية الأمويّة والعباسيّة، السنيّة والشيعيّة، لأنّ فهم ما جرى في سنوات الفتنة الكبرى ضروري ومؤسس لفهم التّاريخ الإسلامي كلّه.
يرتبط الفهم المؤسس لسنوات الفتنة أو لسنوات صدر الإسلام عموما بدحض وهم احتكار الحقيقة الإسلامية فالسنة والشيعة والخوارج كل منهم ينصّب نفسه بصفته محتكرا للحقيقة الإسلاميّة ويتم تقديم كل من السنيّة والشيعيّة والآن السلفيّة على أنّها تمثل الإسلام الحقيقي وحدها، أو بمعنى أدق الفرقة الناجية في الإسلام التي تمثله في أنقى صوره وأن باقي الفرق في ضلال وزيغ عن الهدى الذي تمثله كل فرقه من منظورها الشّخصي، أدّى ذلك إلى إقصاء أهل السنّة لكل الفرق التي تعاديها (الآن تقوم السلفيّة بإقصاء مجموعات كاملة من السنّة) طبعا الحديث هنا عن المخالفين في الديانة يصبح ترفا، الحديث الإقصائي لدى أهل الفرق أدى إلى ضيق الأفق وعدم القدرة على الجدل فقد تمّ إعلاء صور نمطيّة غير حقيقية في الغالب عن كل فرقة وتمّ استغلال حوادث فرديّة هنا وهناك من أجل تثبيت هذه الصّورة وتضخيمها، ما أدّى إلى خلق عداء قائم على الجهل وعدم الفهم المؤسّس على تكراريّة الهجوم القديم عند علماء تلك الفرق دون دراسة للاختلافات هنا وهناك للبحث عن المشترك، فليست دعوتنا هنا لعقد مناظرات عبثيّة لن تؤدي إلى شيء بل هدفنا هو الفهم المتبادل الذي يبنى عليه تعايش مشترك بين اتباع الفرق الإسلامية المختلفة فالإقصاء من أي طرف لبقيّة الأطراف في ظل هذه الظروف الصّعبة التي يمرّ بها العالم الإسلامي انتحار، كما أن اختلاف المرجعيات وأساليب التفكير المتنوعة بين الفرق المختلفة قادرة في حالة تبادلها من خلال عملية الانفتاح الجماعي على الفرق الإسلامية المختلفة، على خلق مناخ صحي للأبداع.
من أكبر المعوقات أمام العقل العربي تقديس السّلطة، فالكثير منّا ينظر إلى السّلطة الحاكمة بنوع من القدسية راجع هذا بالأساس إلى خيانة طبقة العلماء- الفقهاء في العصور الوسطى للشعوب الإسلاميّة وانحيازها السّافر للسّلطة وتحديدا ابتداء من القرن الرّابع الهجري عندما بدأ التّحالف من العسكر والأثرياء ورجال الدّين في السيطرة على مقاليد الحكم في العالم الإسلامي في ظل سيادة نظام الإقطاع، تمّ قمع الطبقة العاملة في المدن لصالح السّادة الجدد وبدأت عجلة التأليفات الدينيّة ليس لوجه الله ولكن من أجل ترسيخ أقدام السّلطة الجديدة على أسس دينيّة لإعطائها صبغة تقديسيّة فتم ربطها بسلطة الله وتم تقبيح أيّ عمل ثوري داخل المجتمعات الإسلاميّة باعتبارها خروج على الإسلام نفسه، يبدو كتاب “الأحكام السلطانيّة” للماوردي مؤسس في هذا المجال وبداية التنظير المؤيد لسلطة الدّولة باسم الدّين على حساب الشّعوب، إلا أنّ نظرة تجريم مطالبة الشعوب بقدر أكبر من العدل الاجتماعي كانت قد ترسّخت قبل ذلك وتحديدا بعد نجاح ثورة العبّاسيين الذين أرادوا أن يجعلوا من ثورتهم آخر الثورات ونزعوا من خلال قفاز العلماء- الفقهاء الشرعيّة عن أي ثورة بعد ذلك سواء كانت ثورة اجتماعيّة أو سياسيّة أو دينيّة. وهي رؤية للأسف استمرت لقرون عديدة راسخة في العقل العربي الجمعي، ويمكن على أساسها تفسير الكثير مما جرى على صفحة التاريخ العربي حتّى القرن العشرين طالما أنّ القوى التي صدرت هذه الرّؤية ظلت حيّة ومسيطرة حتّى أيام قريبة ولم يكتب لها الهزيمة النهائيّة بعد.
وكنتيجة طبيعيّة للتراجع الذي فوجئ به عرب القرن التّاسع عشر كان ردّ الفعل هو محاولة اقتباس المنجز الأوروبي ومحاولة بناء نهضة إسلاميّة عليه، إلا أنّ عمليّة النّقل هذه شابها شيء كثير من التهوّر والإعجاب المبالغ فيه ما أدّى إلى استنساخ النموذج الغربي بلا عمليّة نقد ولا انتقاء، بل إنّ البعض انبطح أمام هذا النموذج بصورة أضرّت النّهضة الإسلاميّة في النّصف الأوّل من القرن العشرين فرغم أنّ التنوير الإسلامي الذي شهدته هذه الفترة يستحق الدّراسة وبعمق، إلا أنّ إعجابه المفرط بالنموذج الغربي ومحاولته تمثله بكلّ شكل وطريقة، أضعف من قوّة هذا التّنوير وجعله معزولا عن الجماهير العريضة التي تمسّكت بأصولها الفكريّة المعتادة على الرّغم من إدراكها لأزمتها، فكان ردّ الفعل الشّعبي على هذه التّجربة النخبويّة عنيفا تمثل في الانخراط في تيّار الحركات الدينيّة، فخطأ رواد التنوير الإسلامي في التّعبير عن أفكارهم التقدميّة بأساليب غربيّة جعل هناك حاجزا بينهم وبين الشّعوب الإسلاميّة ما أدّى إلى سهولة تشويه هذه التّجربة من قبل التيّارات الأصوليّة والمنغلقة، وجعل هناك حاجزا نفسيا حقيقيا بين دعوات التّنوير والإصلاح وبين الجماهير انطلاقا من هذا الخطأ الذي ارتكبه رواد التّنوير من إعلائهم للقيم الأوروبيّة على حساب القيم الإسلاميّة.
كل هذا وغيره عوامل نراها أصناما نصبت، أعاقت العقل العربي المسلم عن انطلاقته التي يستحقّها، لا مفرّ من هدمها وإعادة البحث في الكثير من المسلّمات والموروثات من خلال طرحها على طاولة البحث والنّقد من جديد، لا نزعم هنا الإحاطة بجميع العوامل التي أدّت إلى مأزق العقل العربي فهو حديث ذو شجون، سيمتدّ ما امتد العمر ومع توسّع القراءات التي توفّر مادّة جديدة ورؤية أعمق لمسار التّاريخ الإسلامي والعوامل الرئيسيّة التي مثلت منعطفات ومحطّات فاصلة في تطوّر هذا التّاريخ. إلا أنّ الهدف الأساسي يبقى في النّهاية من هذه الورقة هو البحث عن إجابات غائبة لأسئلة ملحّة لأزمة مجتمع يواجه أزمة ضخمة في تمثل تراثه في أشكال حدثيّه معاصرة، في وقت يدعو البعض إلى انغلاق أعمى على هذا التّراث بدعوى الحفاظ على الهويّة والدّين من المساس وهي دعوى يكذبها التّراث الإسلامي نفسه، في مقابل دعوى هي نقيض الأولى ومعاكسة لها في الاتجاه تدعو إلى تمثل النموذج الغربي بلا نقد ولا موائمة ما أدى إلى أشكال من الحداثة الكاذبة والشّكلية نعاني من تبعتها في المجتمعات العربيّة حاليّا.
لا أزعم تقديمي إجابات نهائيّة هنا في مثل هذا الموضوع الشّائك والصّعب، فهذه الورقة هي مفتتح القول وبداية الاجتهاد، فإذا طال العمر وتوفّرت المادة والصّحة وفراغ البال، فستكون هذه الورقة نواة يبنى عليها مشروع فكري ضخم يهدف إلى تحقيق مصالحة حقيقيّة بين المنتج القابل للحياة من تراث هذه الأمّة والمعاصرة التي تقوم على استلهام النّموذج الفكري الغربي في الأساس.
أكتوبر 2011م
