أصول الرقابة في الفضاء الثقافي الإسلاميّ (1/2)

{{فما لي لا أقول ولي لسان — وقد نطق الزمان بلا لسان}}

{المعري}

{{وقال لي : لا تعرف أو ترد هواك، ولو جاءت به يداي.}}

{النفري}

ممّا لا شكّ فيه، أنّ الرقابة اتّخذت أبعادا جديدة في زمان التعدّدية الثقافية والاختلافانية المعمّمة؛ فقد انتقلنا من الرقابة الدولتية censure étatique المرتبطة بقوّة الدولة وانتصابها حكما إزاء الشركات متعدّدة الجنسيات ومؤسّسات المجتمع المدنيّ إلى الرقابة المخوصصة censure privatisée المتعلّقة بوضع كوكبيّ فقدت فيه الدولة كثيرا من ألقها الإيديولوجيّ والتنظيميّ لصالح الشركات متعدّية الجنسيات واللوبيات الثقافية الاختلافانية.

وهكذا، لم تعد الرقابة فعلا محصورا في نطاق معيّن أو في حيز سلطويّ أو ايدولوجيّ كما في السابق؛ فقد انتثرت الرقابة في الكلّ المجتمعيّ، وتنوّع القائمون بأمرها، وانتقلت الرقابة الذاتية من وضع الرقابة الذاتية المفردنة autocensure individualisée إلى وضع الرقابة الذاتية المعمّمة autocensure généralisée ، بفعل تذرر القرار السّلطوي المركزيّ، وانبثاق احياز سلطوية جزئية، تسعى إلى إحكام القبضة الإيديولوجية والأخلاقية على الجماعات والأفراد، باسم طوبى أو باسم طوبى مضادّة antiutopie أو بدعوى الانقضاض على المقتضى الفكرانيّ القائم وتعويضه بوضع فكرانيّ أكثر ارتباطا بالتراث أو بالمرجعية المتعالية أو بوضع أخلاقيّ أو ايطيقيّ يوصف بالمثالية والتمامية والكمالية.

ثمّة مداخل عديدة لتناول قضية الرّقابة في الفضاء الثقافيّ الإسلاميّ؛ إلا أنّنا سنحاول البحث في أصول الرقابة وفي المستندات النصّية والتراثية المعتمدة لتحديد المسموح به والممنوع والمسكوت عنه. فرغم الاحتفال الجزئيّ أو الكلّيّ، ببعض المكتسبات القانونية الغربية وبعض تمثّلات الحداثة العقليّة والقانونية، في هذه المنظومة القانونية أو تلك، فإنّ المجتمعات الإسلاميّة تشهد استمرارا مدهشا للشعور واللاشعور الدينيّين، وتحكّمهما في كثير من أوجه الحياة العقليّة والنفسية للمسلمين. والأخطر من كلّ هذا، هو أنّ العالم الإسلاميّ، مازال غارقا في يقينيات الأرثوذكسية المهيمنة منذ عهد المتوكّل على أقلّ تقدير، وفي اندياح قوّة المؤسّسة الفقهية ( السنّية والشيعية ) المتحكّمة، بطريقة مباشرة أو بطريقة مداورة في مناط التفكير وفي تعيين أحياز الفكر وإمكانية التعقيل أو والتدهير. ولئن تمكّنت المجتمعات الغربية، من تليين الهيمنة الكنسية وغلبتها اللاهوتية على الفضاءات العقليّة الأوروبية، فإنّ المجتمعات الإسلاميّة لم تتجاوز السياج اللاهوتي المغلق، ولم توسّع من مجال المفكّر فيه، ولم تفتح الملفّات الدينيّة الحارقة، ولم تنصرف إلى وضع العقل اللاهوتيّ تحت مشرحة العقل الدهرانيّ الاستشرافيّ كما فعل الغرب الأوروبيّ منذ عصر الأنوار على أقلّ تقدير.

فرغم اختلاف أوجه الرقابة ( الرقابة السياسية، الرقابة الدينيّة، الرقابة الغذائية، الرقابة الفنية، الرقابة الجنسية …الخ )، فإنّها ترجع إلى الأساس العقديّ القائم على التعيين المنهجيّ المطلق للمحرّم والمحلّل، للمقدّس وللمدّنس، للشريعة والبدعة. فالمراقبة هي نتاج العقل الدينيّ، القائم على اليقين والقطع والجزم المطلق. وبمقتضى هذا اليقين، فمن واجب المؤسسة اللاهوتية المكرّسة، سياسيا واجتماع، أن تحمي الإجماع الاجتماع الإسلاميّين من أيّة خلخلة فكريّة أو أيّ ابتداع مفهوميّ أو نظريّ أو فكرانيّ ذي مستندات عرفانية أو دهرانية أو نُفاتية أو هرطوقية . فاليقين الفقهيّ، يروم التفعيل المستمرّ للجهاد الدعويّ، المبنيّ على اقتلاع الفكريّات الإنسية أو العقليّة أو العرفانية، وعلى إظهار سنّية الفقه المتبع بفعل التحالف بين “الفقهتاريا” والعسكريتاريا في الغالب طيلة العصر الإسلاميّ المديد وبعده إلى الآن. فالمراقبة إذن، موصولة، بالمقتضى العقديّ وبالعقل الشرعيّ الداعي إلى إعدام الفكريّات الأخرى الكتابية والنفاتية، باسم كمالية الشريعة الإسلاميّة وباسم البطلان الانطولوجيّ لمنتجات الروح والعقل غير المستندين إلى الموجب العقديّ في التدبّر والتفهّم والتعقّل والتدليل. فإقامة الدولة والمجتمع على قاعدة العقيدة، تقتضي منطقيا، التفعيل النسقيّ للمراقبة الشاملة لكلّ التعابير الفردية أو الجماعية عن الدينامية الاجتماعية. فالاعتقاد قائم، استنتاجا، على مراقبة الوجدان والعقل والذائقة والجسد والمخيّلة، وعلى إحاطة الوعي الفردي والجمعيّ، بأسيجة شعورية ولا شعورية، لتكريس المبتغى الصراطيّ في المخيّلة والجسد والعقل. فالعقل الشرعيّ، مسكون بالإتباع والصراطية والامتياح من القيعان الإيمانية والتراثية ومن الوجدان العقديّ، كما أنّه مطبوع على اجتثاث كلّ مخالفة، جزئية أو كلية لأسسه وثوابته. فالفكر الشرعيّ، لا يستدلّ ولا يؤمن بالتعقّل أو التعقيل، إلا اضطرارا أو في لحظات مصارعة ومصاولة الخصم النظري أو العقديّ أو الفكرانيّ؛ أما في لحظات التحكّم في كلّ أركان الدولة والمجتمع، فإنّه يفعّل الآلية القانونية، ويستعيد موروثه العقديّ والتراثيّ وحكاياته ومتونه السردية، استعادة تعبّدية بعيدة عن أيّ تدبّر عقليّ أو محاجّة نظرية أو مساءلة منهجيّة.

وبناء على هذا، فإنّ من واجبات مدبّر الاجتماع القائم على الاعتقاد الدينيّ، تعيين الفكريّة الشرعيّة والفكريّة غير الشرعيّة، وتحديد مدوّنة العقوبات الموضوعة ضدّ المخالفين العقديّين من زنادقة ومرتدّين وملحدين وهراطقة ومجدّفين وخلعاء ومثليين ….الخ . فالعقل الشرعيّ، إذ يتماهى مع الأصول العقديّة ويسلّم بصحّتها الابستمولوجية والايطيقية غير القابلة للمساءلة حتى من حيث المبدأ، فإنّه لا يتوخّى إلا تحديد الفعالية الابتداعية للعقل البشريّ، وحصر التوق الروحيّ للكائن في الأطر الاعتقادية المحدّدة، وتفعيل المدوّنة الشرعيّة المحدّدة للسلوكات الفردية والجماعية بأقصى حرفية ممكنة.

فالعقيدة، إقرار بمنظومة مبادئ عقدية وقواعد سلوكية، لا مناص من الالتزام بها، لانتظام الشأن المجتمعي، وتمكّن الدولة الرسالية من تحقيق استهدافاتها الإيمانية على النطاق الكونيّ. وأيّ خرق للمعايير العقديّة والأخلاقية، أو للقواعد والمقتضيات القانونية، كفيل بزعزعة التماسك المجتمعي، وخلخلة تناسق النسق العملي والعلائق المقننة بين المجموعات والأفراد. ولا غرو، أن تكون الآليات الرقابية بمثابة الضامن لاستبعاد أيّ استشكال لسيولة الفكريّة العقديّة، وأيّ خرق منهجيّ لنسق القيم أو القواعد السلوكية أو افتتاح منظور فكريّ أو روحيّ أو فنيّ جديد ومستحدث ….فالآلية الرقابية، والحال هذه بمثابة آلية دفاعية، تحمي الجسم العقديّ، والمنظومة الطقوسية، من أيّ استشكال أو أيّ استعادة تأويلية خارج النسق المؤسّسيّ أو أيّ استملاك بعديّ لروحيّة مطمورة بقوّة “الفقهتاريا” والجهاد الدعويّ والقتاليّ أو استعارة لروحيّة خارجية أو فكريّة مستحدثة أو رؤيا مخالفة للكلّ العقديّ المتواتر والمؤسّسة لعالم دلاليّ جديد، ولمنظور تأويليّ مخالف أو لرؤية جمالية منزاحة عن المتداول الفقهيّ أو الصوفيّ.

فالرقابة لا تنحصر في الفكريّة أو في المنتجات الاستذهانية أو الوجدانية، بل تطال كلّ تعابير الإنسان:

{{1-الرقابة على العقل :}}

فالعقل البشريّ، محدود الفاعلية من المنظور العقديّ؛ وتنحصر قيمته الجزئية، في العمل بالعمل التدليليّ والاستدلاليّ والبرهانيّ الملتزم بالمحدّدات الغيبية للنظر الشرعيّ والاجتهاد الأصوليّ. فالعقل البشريّ، وسيليٌّ أدائيٌّ في أحسن الأحوال، ولا يمتلك استقلاليته الابستمولوجية عن المنقولات السمعية، وعن المرويات الشرعيّة وعن رؤية العالم الإيمانية والتوحيدية تدقيقا. بناء على هذا، فإنّه عقل خاضع للوحي والنصّ وسلطة السلف، وعليه أن يكتفي بدور المدلّل أو المسوّغ أو المبرّر أو الواضع لقواعد الاستقراء والاستنباط انطلاقا من نصوص ومرويات ومحكيات تاريخية، متعالية ومتجاوزة لمقتضى العقل من حيث المبدأ.

ولمّا كان النصّ إعجازيّا متجاوزا لمقتضى العقل البشريّ وخارقا لموجب العادة في الاعتبار العقديّ، فإنّ على العقل أن يفكّك نفسه، وينزع إلى تسويغ ما لا يقع في مداره، حتى يكتسب شرعيّته الاجتماعية والثقافية. وحين يتنازل العقل البشريّ عن فعاليته الكمونية، ويتحوّل إلى مجرّد مبرّر على هوامش النّصوص والتجارب التأسيسية، فإنّه يعلن ضمور العقلانية وتقلّص التعقلن والتدهير إلى حدّ الانمحاء، وتسرّب العقل الشرعيّ بكلّ نزعاته اللاعقلانية إلى كلّ أرجاء الجسد الاجتماعيّ.

وهكذا انحصرت فعالية العقل الإسلاميّ، في تسويغ الأركان الإيمانية، وفي الذبّ عن صحّة المعتقد الشرعيّ وعن الإبانة عن بطلان العقائد والشرائع الكتابية أو التعديدية وعن البحث في منهجيّة الاجتهاد أو استخراج الأحكام أو تكييفها مع المستجدّات الوقتية. ومتى تجاوز العقل مدار الوحي، وسعى إلى استعادة سؤدده الأنطولوجيّ، تصدّت له” الفقهتاريا” المسلّحة بقوّة العسكريتاريا والأرثوذكسية، وأحالته إلى مواقع دفاعية كثيرا ما يضطرّ للخروج منها إلى تقديم تنازلات جوهرية أو لتفكيك ذاته والاحتماء بالعرفان أو التصوّف أي باللجوء إلى اللاعقلانية المضاعفة.

فالعقل الشرعيّ، يلغي كفاءة العقل البنائية من حيث المبدأ، ويكتفي باستدعاء العقل التقنيّ المدرّب على التدليلات الجزئية متى غابت النصوص الصريحة، أو متى تضاربت الاجتهادات أو المصالح، أو متى اضطرّته حروب التأويل إلى تحصين مواقعه وحراسة قلاعه التأويلية الخاصة. لا جدال في أنّ العقل الشرعيّ، هو شرعيّ قبل أن يكون عقلا. ومفاد هذا، أنّ شرعيّته تفوق ذاتيته من حيث هو عقل بما لا يقاس.وشرعيّته يحددها المعتقد، المرتكز على مبدإ الطاعة، واستبعاد أيّ فهم إنسانيّ للكونيات أو التاريخيات أو المعرفيات.

بناء على هذا، فالفكر الدينيّ، مسكون بالتجاوز المنهجيّ لمادية الأشياء، وبالهيام المفرط برمزية الكلمات والاستعارات. إنّه مولع، بتضييع حقائق الأشياء، في خضمّ احتمائه المسترسل بتضخّم الكلمات المسجوعة والإحالات المتواترة والمجازات الفانطستيكية. فالفكريّة الإسلاميّة، لا تحثّ العقل على الاستكشاف المنهجيّ لإسرار الأشياء وخفايا العلامات والرموز الاجتماعية أو التاريخية أو النفسية، بقدر ما تطالبه بالاحتماء بسلاسة اللفظ والسجع للاحتماء من كثافة الأشياء وثخانة التاريخ. إنها تطالب العقل، بالاستنجاد فورا، باللفظ الجاهز، والأمثولة المصاغة صياغة حكائية محبوكة، وسلوكات الروّاد الأوائل قبل أيّ تدبر نظريّ أو منهجيّ متجرد أو استقصاء جزئيّ أو كليّ لمكوّنات أو وظائف العناصر المتحكّمة في ظاهرة من الظواهر أو حدث من الحوادث. إنّ العقل الإسلاميّ النموذجيّ، “عقل “انثروبولوجيّ، يكتفي بالترميز وتتبّع مساقط الحكايات إلى أن تذوب حقائق الأشياء بين يديه:

يقول الشوكاني:

( “سبحان الذي يسبّح الرعد بحمده والملائكة من خيفته” (موطّأ) .

هذا الأثر أخرجه في “الموطأ ” موقوفا على عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: “أنه كان إذا سمع الرعد يترك الحديث وقال: سبحان الذي يسبّح الرعد بحمده والملائكة من خيفته“وصحّح إسناده النووي، وروى الشافعي بإسناده عن طاووس أنّه كان يقول إذا سمع الرعد ” سبحان من سبّحت له “قال الشافعي : كأنّه يذهب إلى قول الله تعالى : (ويسبّح الرعد بحمده والملائكة من خيفته) [الرعد : 13 ] وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله تعالى فإنه لا يصيب ذاكرا” وفي إسناده يحيي بن أبي كثير أبو النصر وهو ضعيف.)

(محمد بن علي الشوكاني — تحفة الذاكرين بعدّة الحصن الحصين من كلام سيّد المرسلين — المكتبة العصرية — اعتنى به وراجعه : وليد الذكرى — صيدا– بيروت –2003–ص 213)

ورغم هيمنة العقل الشرعيّ والفكر الاتباعي، فإنّ الفكر العقلاني امتلك دوما، بعض الهوامش، لتشغيل الآلية العقلانية ضدّ النصّ المؤسّس نفسه وضدّ تجربة الشخصيات الإسلاميّة الكاريزمية، ولاستشكال مكانة العقل في الإسلام.فلئن كان الشوكاني ابنا بارّا، للوغوسفير العربية – الإسلاميّة النموذجية، فإنّ الرازي برهن على امكان قيام لوغوسفير جديدة، مؤسّسة على تثمين الكفاءة البنائية للعقل في المعرفيات والعمليات، وعلى وصل العقل بتاريخه المعرفيّ ورفع القطيعة التوحيدية مع العقل الاستدلاليّ أو البرهانيّ اليونانيّ أو الهيلينيّ.

(فإذا كان هذا مقداره(يقصد العقل) ومحلّه وخطره وجلالته فحقيق علينا أن لا نحطّه عن رتبته ولا ننزله عن درجته، ولا نجعله وهو الحاكم محكوما عليه، ولا وهو الزمام مزموما، ولا هو المتبوع تابعا، بل نرجع في الأمور ونعتبرها به ونعتمد فيها عليه، فنمضيها على إمضائه ونوقفها على إيقافه، ولا نسلّط عليه الهوى الذي هو آفته ومكدره والحائد به عن سننه ومحجّته وقصده واستقامته، والمانع من أن يصيب به العاقل رشده وما فيه صلاح عواقب أمره، بل نروّضه ونذلّلـه ونحمله ونجبره على الوقوف عند أمره ونهيه. فإناّ إذا فعلنا ذلك صفا لنا غاية صفائه لنا غاية إضاءته وبلغ بنا نهاية قصد بلوغنا به، وكنا سعداء بما وهب الله لنا منه ومن علينا به).

(-محمد بن زكريا الرازي – رسائل فلسفية-منشورات دار الآفاق الجديدة – بيروت – لبنان – الطبعة الرابعة – 1980-ص. 18-19)

{{2-الرقابة على الجسد :}}

يخضع الجسد في الفكريّة التوحيدية، لضبط اجتماعيّ وقانونيّ دقيق؛ فالقيم التوحيدية، تقتضي رسم كلّ السيناريوهات المشروعة لاستعمال الجسد وتصريف طاقاته بما يخدم المنظومة الإيمانية والجسد الاجتماعيّ– السياسيّ. فكلّ القيم المتعالية، للفكريّة الإسلاميّة، لا بدّ أن تتمظهر في سلوك جسديّ، وأن تتجسّد في تعابير بدنية ظاهرة. فالجسد الإسلاميّ، أداة أساسية في تحقيق الاقتراب من المطلق وأداء الطقوس العبادية، وفي تحقيق انتظام الجسد الفكريّ الكلّيّ المسمّى بالأمّة. فوظائف الجسد، محدّدة بصفة نهائية، ممّا يمنع أيّ توظيف متعيّ أو جماليّ أو معرفيّ أو تقنيّ للجسد خارج الموجب الشرعيّ . كما أنّ كلّ العقوبات، ترسم على الجسد ذاته، كما في عقوبات السرقة أو القذف أو الخمر. فكلّ خرق لقواعد توظيف الجسد الفرديّ خارج المقرّرات الشرعيّة، عادة ما ينتهي بتفعيل مدوّنة العقوبات الصارمة المتحرّكة بين التعزير والرجم كما في عقوبة الزاني المحصن . فالعقل الشرعيّ يوقع العقوبة بدءا، على الجسد ويتوسّع في العقوبات بلذّة سادية، تنتشي بزيادة العنف واستفحاله وبمتعة المتحلّقين حول المعذّبين في حفلات التعذيب الممنهجة.

والأغرب من كلّ هذا، هو أنّ العقل الشرعيّ، يعتبر العقوبات البدنية، الموروثة عن العقل الإبراهيميّ، آليات تطهيرية، يتخلّص بموجبها الآثم من آثامه، وينال النجاة الأبدية. فالعقل الشرعيّ الحريص على الحياة، لا يتوانى عن التضحية بالحياة الإنسانية كما في حالة رجم الزاني المحصن باسم التطهير وإعداد النفس لنيل الجنان.

فالجسد، من هذا المنطلق، أداة للإعداد للحياة في الماوراء؛ فالجسد والحال هذه موجّه توجيها قياميا، واقتصاده منذور للمبتغى الاسكاتولوجي. وما على المسلم لينال السعادة ويتجنّب الشقاوة إلا أن يمرّن جسده على أداء الطاعات والتكاليف، بأقصى دقة طقوسية ممكنة، وأن يضع مكنونه الطاقي رهن المشروع الجهاديّ للأمّة المفضّلة، وأن يلزم طاقاته اللذية بالمقصديات الكبرى للمشروع الإسلاميّ الكونيّ. وعليه، فالجسد يخضع للطقوس والشعائر، وللمشاركة في التظاهرات العبادية الجماعية، وينتهي، في حالة أيّ إخلال بالنسق الجماعيّ إلى التقبّل الطوعيّ لرسم الحدود الشرعيّة على أطرافه. وفي حالة ما إذا تعذّر تنفيذ العقوبات التعزيرية أو الحدّية، فإنّ الجسد يتعرّض لتآكل نفسيّ من جرّاء التأثّم والإحساس المفرط بعقدة الذنب. فلا فاعلية للنسق العقابيّ، خارج اجتيافه، جماعيا، من قبل الجسد الاجتماعيّ بتمام مكوّناته.

( حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، حدثنا يحيي بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله، عن عبادة بن الصامت، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خذوا عنّي، قد جعل الله لهنّ سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم “)

(- ابن ماجة القزويني – سنن ابن ماجة – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – اعتنى به وقدم له : محمد بربر – الجزء الثاني –كتاب الحدود – باب حد الزنا – ص. 445)

كما أن المنظومة القانونية الشرعيّة، تعين، بدقة، المشروع وغير المشروع في السلوكات والممارسات الفردية أو الجماعية أو بلغة دينيّة: تعيّن الحلال والحرام، وتحرص على تحديد الاستعمالات اللذية للجسد وعلى تقنين العقوبات والحدود الموضوعة لمعاقبة كلّ استعمال لذّيّ أو جماليّ أو لعبيّ أو استيهاميّ غير مشروع دينيّا .

(حدّثنا محمد بن الصباح وأبو بكر بن خلاد، قالا: حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به”).

(- ابن ماجة القزويني – سنن ابن ماجة – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – اعتنى به وقدم له : محمد بربر – الجزء الثاني –كتاب الحدود – باب من عمل عمل قوم لوط – ص. 447)

فالجسد الإسلاميّ، جسد مخترق من كلّ جهة بالمصير الاسكاتولوجي؛ فهو جسد لا تحرّكه الطبيعة إلا قهرا، ولا الحضارة إلا اعتباطا، ولا الخصوصية إلا استثناء. وهكذا، فالجسد الإسلاميّ، جسد محاط بالسقوف الميتافيزيقية، وبالمحدّدات الشرعيّة، الموغلة في التقنين والضبط والمراقبة والمعاقبة. لا مناص من القول إذن، بأنّ الجسد الإسلاميّ، يخوض باستمرار، وعلى مدى الزمان، صراعا ضاريا، ضدّ نداء الطبيعة، وصبوة المهجة، واحتدام المخيّلة، وقفزات اللاشعور. فالمنظومة الإيمانية الإسلاميّة توطّن التعالي في الضمير الفرديّ، وتطالب الفرد بممارسة رقابة لصيقة على نزواته وعلى رغباته وأشواقه واستيهاماته وشكوكه وبالتضحية بمطالب الجسد وصبواته على مذبح النجاة الأخروية. ونتيجة لهذا، فإنّ المسلم، يدخل في نزاع شيزوفرينيّ، بين ضميره الفكرانيّ المكتسب عبر التنشئة الدينيّة، وبين أتواقه الإنسانية المتحفّزة والتوّاقة إلى تحقيق الصبوة الوجدانية الكبرى والتشخصن الوجوديّ المترع بالتطلّعات الكيانية المثلى.

فهو مطالب شرعيّا، بممارسة رقابة دقيقة، على كلّ أفعاله، وبتفعيل رؤية تراتبية لجسده (تقديس اليمين وتبخيس اليسار)، وبقهر لاشعوره ومخيّلته وطاقات جسده بالإكثار من الشعائر والطقوس والعبادات. ولا يكتفي النسق الإسلاميّ، بالمراقبة الذاتية، بل أرسى معالم رقابة جماعية شديدة الإحكام بمقتضى مبدإ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب.

ورغم تحكّم المنظومة القيمية السلفية في أغلب أطوار العصر الإسلاميّ وهيمنة الإطار المرجعيّ الاتباعيّ النصّيّ، فإنّ الحضارة الإسلاميّة، عرفت اختراقات هرطوقية، حاول أصحابها إعادة النصاب الطبيعيّ أو الانطولوجيّ أو التاريخيّ للجسد إلى مكانته الثقافية المطلوبة. وهكذا، انتقلنا من رهاب الجسد، ومن “تطقيس “وترميز البدن، إلى استعمال جديد يروم سبر الممكنات المعرفية والجمالية واللذية واللعبية والطبية للجسد، والى توظيفه توظيفا انسيا محايثا. لقد اقترح الهراطقة، قراءة جديدة أساسها، عقد المصالحة بين الإنسان والطبيعة، ونزع”التطقيس” عن الجسد، وفصله عن التاريخ القياميّ وعن الاستعمال الشعائريّ لعلاماته. لقد عمل الهراطقة، على تعميق روابط الجسد، بالطبيعة وبالتاريخ وبالإنسان من حيث هو إنسان، وبالصيرورة. لقد حوّلوا الجسد من أمثولة للعقاب أو للترويض العباديّ أو أداة لتوسيع القاع الجغرافي للفكريّة الإسلاميّة ومعبر للماوراء، إلى قيمة كونية، يحتاج سبر قواها وطاقاتها، وممكناتها الجمالية إلى اشتغال فلسفيّ وجماليّ يتعدّى بما لا يقاس، حدود “الطقسنة”.

فقد قدّم أبو نواس تصوّرا شعريا معارضا وناقضا للسائد، وأعاد ترتيب علائق الجسد بالمقدّس على نحو يقدّس الجسد ويسخر من المواضعات التوافقية القديمة في ذات الآن:

وعاشقين التفّ خدّاهما — عند التثام الحجر الأسود

فاشتفيا من غير أن يأثما — كأنّما كانا على موعد !

لولا دفاع الناس إياهما — لما استفاقا آخر المسند

ظلنا كلانا ساتر وجهه — مما يلي جانبه باليد

نفعل في المسجد ما لم يكن — يفعله الأبرار في المسجد

{( الحسن بن هانئ — ديوان أبي نواس — حققه وشرحه: احمد عبد المجيد الغزالي — دار الكتاب العربي – بيروت — لبنان — 2007– ص. 188) }

أما المعرّي، فقد تغيّا، عقد ألفة كونية بين الكائنات، تتجاوز الإطارات الضيّقة للتمركز حول الإنسانيّ وللمشاريع الماورائية لبشرية ملتحمة بالنفق الميتافزيقيّ من جرّاء استشراء مؤسّسات الرعب الوجوديّ l’horreur métaphysique .

يقول المعرّي:

غدوت مريض العقل والدين فالفني — لتسمع أنباء الأمور الصحائح

فلا تأكلن ما اخرج الماء ظالما — ولا تبغ قوتا من غريض الذبائح

ولا بيض أمات أرادت صريحه — لأطفالها دون الغواني الصرائح

ولا تفجعن الطير وهي غوافل — عما وضعت فالظلم شرّ القبائح

ودع ضرب النحل الذي بكرت له — كواسب من أزهار نبت فوائح

فما أحرزته كي يكون لغيرها — ولا جمعته للندى والمنائح

مسحت يدي من كلّ هذا فليتني — أبهت لشأني قبل شيب المسائح

بني زمني هل تعلمون سرائر — علمت ولكني بها غير بائح

(–أبو العلاء المعري – اللزوميات –تحقيق : أمين عبد العزيز الخانجي — مكتبة الخانجي للطبع والنشر والتوزيع — القاهرة — مصر –الجزء الأول — ص. 218)

وقد سعى بعض الصوفية، إلى استزراع فلسفة جديدة للجمال، في الفضاء الفقهيّ المتيبّس؛ وذلك بنقل الجمال الأنثويّ، من فضاء الشيطان إلى فضاء الرحمان، من حيز الغواية العالقة بالنجاسة إلى حيز التلذذ الروحيّ الملتحم بالطهارة.

( وكان شيخنا أبو الفضل بن ناصر الحافظ يقول : كان ابن طاهر يذهب مذهب الإباحية: قال: وصنّف كتابا في جواز النظر إلى المرد أورد فيه حكاية عن يحيى بن معين قال: رأيت جارية بمصر مليحة صلّى الله عليها، فقيل له: تصلّي عليها؟ فقال : صلّى الله عليها وعلى كلّ مليح .

قال شيخنا ابن ناصر : وليس ابن طاهر ممن يحتجّ به.)

(– ابن الجوزي — تلبيس إبليس — تحقيق : محمد عبد القادر الفاضلي — المكتبة العصرية — صيدا – بيروت — 2006- ص. 160)

{{3-الرقابة على المخيّلة :}}

تفرض التوحيديات حدودا صارمة لحرية المخيّلة؛ فالمخيال التوحيديّ، يفترض تفوقه على ما سواه من منتجات الخيال البشريّ ومبدعاته، ويقرّ بعجز المخيّلة البشريّة عن الاستشراف الحاذق والاستبصار النافذ لحقائق الإنسان ولتشابكات التاريخ وألغاز الكون. فلمّا كانت المخيّلة العقديّة محصورة بتخوم ميتافيزيقية معينة بدقة قانونية كبرى ومسكونة باليقين الانطولوجيّ، فإنّها غير قادرة على فهم التوق البشريّ، إلى تجريب المسالك المخيالية غير المطروقة، والى التنقيب في الأوجه غير المستكشفة للكينونة وفي العتمات غير المضاءة للصيرورة وإلى الغوص في تلافيف الروح البشريّة بحثا عن طاقات جمالية وإبداعية غير مستثمرة بعد أو عن فضاءات قلبية مازال الكائن البشريّ، يخطئ استغوارها واستبئارها. ومن هنا، فالعقل الدينيّ، يكتفي بتأمّل وضع نهائيّ، معروف البدايات والنهايات، ويغرق في الاحتفالات الطقوسية، سعيا وراء نجاة ماورائية، أو في فعل سياسيّ مجاز اجتماعيا ومأجورا دينيّا. أمّا المخيّلة الدهرانية أو القلبية، فإنّها تسبح في اوقيانوس فكريّ، كأنها تعيد تشكيل الهيولى وتعيد تركيب المركّبات، وتدوزن آلات النغم الكونيّ، بما يحقق نشيدا كينونيا، يحقّق به الإنسان ألقه الكونيّ وإنسيته المستحقّة.

فالمخيّلة المحكومة بإرادة الاعتقاد، لا يمكن أن تحلّق في الفضاءات اللامتناهية للوجود أو أن تغوص في القيعان اللاحبة للذات والرغبة الإنسانيتين، أو أن تلتمس إمكانات وجودية أو ابتداعات كيانية خارج المسالك المعروفة. لا جدال إذن في أن تنحصر الفعالية البشريّة للإنسان الاعتقاديّ، في مراقبة كلّ تطلّع وجوديّ أصيل منبثق من عمق ذاتيته وكلّ انهمام باستكشاف مجاهل النفس والعالم والتاريخ والطبيعة والفنّ خارج الإملاءات الشرعيّة “للفقهتاريا” أو “الصوفيتاريا” أو اللاهوت المتحالف مع العكسريتاريا أو” الغوغئتاريا”.

ولا غرابة إذن في أن تفقد المخيّلة الإسلاميّة قدرتها على الاستبصار، وعلى استنباط المجهول في الكائن والسوى والكون والإبداع ؛ فقد حوّل ثقل الكهنوت الإسلاميّ، الكائن العقديّ، إلى إنسان استوفى كينونته الأصيلة ولم يبق له إلا أن يتماهى مع الكلمات المقطوعة عن أشياء هذا العالم وعن مادية الموجودات وحدثية التاريخ الحيّ.

(من سبّح دبر كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبّر الله ثلاثا وثلاثين. ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر” (م) .

الحديث أخرجه مسلم كما قال المصنف رحمه الله، وهو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “من سبّح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبّره ثلاثا وثلاثين فتلك تسع وتسعون، وقال تمام المائة لا اله إلا الله الخ”وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي، وفي بعض طرق النسائي من حديثه هذا : من سبّح في دبر كلّ صلاة مكتوبة مائة، وكبّر مائة، وهلّل مائة، وحمد مائة غفرت له ذنوبه، وإن كانت أكثر من زبد البحر”)

(- محمد بن علي الشوكاني – تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين – المكتبة العصرية – اعتنى به وراجعه : وليد الذكرى – صيدا – بيروت -2003-ص-146)

فبدلا من استقصاء الممكنات اللامتناهية للمخيّلة والطاقات الوجودية الخصبة للجسد والرغبة والحلم والغير، انزوى الكائن العقديّ في الركن المظلم للكينونة، وشرع في الاحتيال على الوجود بالتهوّس بالأصوات أو بالحركات أو بالإيماءات أو باستمالة احتيالية لكينونة مثالية منفلتة على الدوام من قبضة المتعبّد. وهكذا، يقضي المؤمن، كينونته المهدورة، بين تسطير الذنب ومحوه بالتزام تكرار سحريّ منغّم للألفاظ، بعيدا عن واقع لا تحرّكه الألفاظ مهما كانت منظومة بدقّة فونيتيكية مذهلة.

والتكرار الطقوسيّ، يستلزم إبعاد الإنسان عن بناء الدلالة الأخرى، والرمز الآخر، وعن استشراف أفق ميتافيزيقيّ أو روحيّ أو ايطيقيّ جديد، وعن اخترام اليقين المعرفيّ أو الجماليّ السائدين وابتداع مسلكية معرفية أو ايطيقية قمينة بإضفاء أبعاد انطولوجية جديدة على الكائن.

فاليقين يقتضي، مراقبة المخيّلة وحصر فعاليتها في الاكتفاء بالمسطرات الإيمانية، وفي إبعاد النفوس القلقة عن مصادر أخرى للتعقل أو التروحن أو التخلّق أو التأنسن؛ فلئن كان الفنّ، كتابة ثانية أو ثالثة بالحروف أو بالكلمات أو بالمجازات أ وبالأجساد والألوان والأنغام ، وحفرا في البواطن العميقة للوجود ، فإنّ إرادة الاعتقاد تعامل تلك الكتابة كفعل لا أخلاقيّ خارق للضوابط والشرائط الإيمانية للنظر العقليّ أو التلذذ”الجماليّ”.

( حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا عمر بن هارون، عن همام، عن فرقد السبخي، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “أكذب الناس الصبّاغون والصواغون”)

(- ابن ماجة القزويني – سنن ابن ماجة – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – اعتنى به وقدم له : محمد بربر – الجزء الثاني –كتاب التجارات – باب الصناعات – ص. 373)

ولئن حاولت الأرثوذوكسية الإسلاميّة، مراقبة الفعالية التخييلية للمخيّلة، فإنّ اللاارثوذكسية، ذهبت بالمخيّلة إلى أقصى الذرى الروحيّة الممكنة؛ فقد نقلت المخيّلة الإبداع، من الأفق الماورائي المحكوم بدورة العقاب والثواب والخشية من الغضب أو المكر الإلهيّ، إلى نطاق التلقّي الحميم من المطلق وانعقاد الألفة بين الإنسان والمتعالي والى إعادة صياغة دلالة المصطلحية الشرعيّة وإعادة بناء الجغرافية الماورائية بما يخرق الثابت الشرعيّ والفقهي . فالمحو، لا يطال الذنوب كما في الأثر، بل يطال الحدود المرسومة بين الجنّة والنار، بين الثواب والعقاب؛ فالمعاينة أو المشاهدة العرفانية، لا تكتفي بالمرويات أو بالحدود التراتبية للفقه والتصوّف السنّيّ المتفقّه، بل تتلقّى عن المطلق مباشرة، وتحضر لحظة إعادة بناء الإيمان خارج النسق الشرعيّ أو الفقهيّ.

(أوقفني فيما يبدو فرأيته لا يبدو، فيخفى ولا يخفى فيبدو ولا معنى فيكون معنى، وقال لي: قف في النار، فرأيته يعذّب بها، ورأيتها جنة، ورأيت ما ينعم في الجنة هو ما يعذّب في النار.

وقال لي: أحد لا يفترق، صمد لا ينقسم، رحمن هو هو.

وقال لي: قف في الأرض والسماء، فرأيت ما ينزل إلى الأرض شركا، وما يصعد منها شركا، ورأيت الذي يصعد هو عما ينزل، ورأيت ما ينزل يدعو إلى نفسه، ورأيت ما يصعد يدعو إلى نفسه.

وقال لي: ما ينزل مطيتك، وما يصعد مسيرك، فانظر ما تركب وأين تقصد.

وقال لي: تنزل مسافة، تصعد مسافة مسافة بعد بعد لا يحادث.

وقال لي: كيف تكون عندي وأنت بين النزول والصعود ؟

وقال لي: ما أخرجت من الأرض عينا جمعت بها علي، ولا أنزلت من السماء عينا جمعت بها علي، إنما أبديت كلّ عين فقسمت بها عنّي، وحجبت ثم بدأت، فجمعت بي وكانت هي الطرق، وكانت جهة.

وقال لي: قف في الجنة؛ فرأيته يجمع ما أظهر فيها من العيون كما جمع في الأرض ببدوه من وراء العيون، فرأيته يبدو لا من وراء العيون فيكون الوراء ظرفا، ورأيته لا يبدو فيخفى ولا يخفى فيبدو، ولا معنى فيكون معنى .)

(محمد بن عبد الجبار النفري — الأعمال الصوفية — راجعها وقدّم لها: سعيد الغانمي — منشورات الجمل — كولونيا — ألمانيا — الطبعة الأولى — 2007–ص. 96)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This