“أغمضوا أعينكم وضعوا رؤوسكم على المقعد ، وسوف تشاهدون يسوع”
وفي اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة وكان يوم جمعة مخصصاً للدروس الدينية لأستوضح من إدارة المدرسة عن طريقة التدريس، ولأنقل لهم انزعاجي الشديد من هذه الطريقة الغيبية في تعليم أولادنا. ولدى دخولي إلى المدرسة المذكورة شاهدت المدير في قاعة كبيرة جالساً على كرسي بمواجهة تلاميذ المدرسة، وهو يقول لهم: ” أغمضوا أعينكم وضعوا رؤوسكم على المقعد ، وسوف تشاهدون يسوع..” ثم يغمض عينيه أيضاً ويقول لهم مجدداً أنا أشاهد يسوع الآن، ألا تشاهدونه أنتم ؟!، فيجيب البعض خوفاً ورهبة : ” نعم نشاهده يا أستاذ”. وهكذا استمر الأمر لحوالي عشر دقائق، إلى أن تدخلت وقطعت عليه خلوته قائلاً له : ألله يعطيك العافية يا أستاذ، بس أنا ما شفت يسوع.! ما هذا الاستلاب الفكري؟ أهكذا تعلمون أولادنا على أمور غيبية وعلى الكذب وتشويه الحقائق والإيمان الأعمى؟ فوجئ المدير بكلامي بعد أن فتح عينيه وكذلك التلاميذ ، وقال لي من سمح لك بدخول هذا المكان؟ فقلت له منزعجاً : ” يا أستاذ وضعت ابنتي أمانة في مدرستكم على أساس أن تهتموا بتعليمها المنهاج المدرسي وتصير تعرف تقرأ وتكتب، وليس باستلاب عقلها وفكرها وحشوها بأمور غيبية، ترى لو كان المسيح الآن بيننا هل كان سيرضى بما تفعله من تغييب وتجهيل لعقول هؤلاء التلاميذ الصغار؟ فقاطعني قائلاً : ” إذا مو عاجبتك ها المدرسة فيك تروح على مدرسة ثانية، فقلت له أنت قلتها ، وفعلاً نقلت ابنتي إلى مدرسة عامة، وهي الآن طالبة مجتهدة ومتفوقة في دروسها بعد أن أقنعناها بأن ما يقوله ذلك المدير هو خطأ ولا يرضى به الله ولا يسوع .
كما تذكرت معاناتي مع ابنتي الصغيرة “مارية” التي كانت ترافق أمها إلى عملها، حيث كانت تعمل مشرفة في حضانة أحدى مؤسسات الدولة بريف دمشق على أطفال الموظفين وطبعاً على طفلتنا “مارية” التي لم يتجاوز عمرها سوى سنتين ونصف السنة، وهي الآن نجحت بامتياز إلى الصف الثاني الابتدائي. فقبل أن تنتقل زوجتي إلى عملها الجديد في مركز المؤسسة الرئيسي بدمشق، لم نكن نعاني من أية مشكلة بالنسبة لطفلتنا الصغيرة على اعتبار أن والدتها كانت تشرف عليها مباشرة، أما بعد النقل فقد تغير الأمر كلياً، فالحضانة تبعد عن مكان العمل، ولا يسمح للأمهات برؤية أطفالهم إلا قبل انتهاء الدوام بقليل، وكنت بين الحين والأخر أقوم باستلام طفلتنا من الحضانة قبل انتهاء الدوام، على اعتبار أن الحضانة قريبة من القصر العدلي. ولم يمض وقت طويل حتى بدأت وزوجتي نلاحظ على الطفلة الصغيرة أمراً غريباً، حيث كانت تنزوي لوحدها وتضع يدها على أذنيها وتتم بعبارات لم نفهمها، إلى أن ذهبت إلى الحضانة المذكورة لاستلام طفلتي، وبعد أن قرعت الجرس ، فُتح باب الحضانة وسمعت صوتاً نسائياً يسألني من خلف الباب : ” من تريد؟” فقلت لها أنا والد “مارية” أريد أن أخذها إلى البيت. فقالت لي : انتظر قليلاً. ثم أغلقت الباب، وانتظرت دقائق قليلة حتى فتح باب الحضانة مجدداً ، وإذا بصوت يناديني دون أن أتمكن من رؤية صاحبه، وقالت لي بلهجة مستنكرة وآمرة : ” بعد اليوم يجب أن تلبسوا ابنتكم بنطالا وقميصا ذا أكمام طويلة، نحنا عنا هون ما في بنات بيلبسوا شورت وتنورة ، وإذا بدك تلبسها تنورة ما عنا مانع بس لبسها بنطلون تحت التنورة.” فقلت لها : “بس هاي طفلة صغيرة، وكل الأطفال عندكم صغار تحت سن الثلاث سنوات.” فأجابت بحدة : ” وإذا كانوا صغار، ما بيجوز حرام هذا مخالف للشريعة. ” فقلت لها : ” ليش نحنا في روضة دينية ، ولا في روضة للدولة”؟
