أولوية قضية الحريات
تسيطر قضية الحريات، في أيامنا هذه، على الخطاب الثقافي العربي، حيث أخذت تحتل موقعاً رئيساً في النقاش الدائر في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي للعراق. ويجمع معظم المثقفين النقديين العرب على ضرورة إطلاقها لمواجهة مختلف التحديات، وهو إجماع يحمل مدلولات عديدة، حتى أن العديد منهم يرجع حالات هزيمة وانهيار وتردي الأوضاع العربية إلى حالة افتقاد الحريات العربية، داخلياً وخارجياً، والتي يمكن تشخيصها بجملة واسعة من التحديات، حيث لا تزال الأنظمة الاستبدادية تتمادى في المسار المحتوم بالنهايات البائسة، وبالدمار الذي يُذكر بالمآسي الإغريقية القديمة، ولا تزال المرأة تعاني من مختلف أشكال التمييز والاضطهاد الأبوي، وتتعدى تيارات التطرف والأصولية، التي تسكن المجال الديني، لتنسل إلى مختلف المدارات المدنية التي ينغلق فيها الفكر على ذاته، ممجداً مطلقاته ومسلماته، ونافياً الحوار والتعدد والاختلاف. يضاف إلى كل ذلك تحدي الاحتلال الأميركي للعراق، ومشروعه التغييري للمنطقة العربية، فضلاً عن تحديات وتأثيرات العولمة.
وكي لا تبدو الصورة سوداوية، وعدمية، تأتي ضرورة الاعتراف بوجود بعض المقومات والعناصر الإيجابية في الثقافة العربية، التي حمتها من الانهيار الكامل، ومن خطر الوقوع في أسر الإتباع أو التبعية المطلقة، تلك التي بقيت تقاوم التعصب والتطرف في الفكر، كما تقاوم التسلط والاستبداد في السياسة والمجتمع. ومن الاعتراف بجملة المقومات والعناصر الإيجابية في الثقافة العربية، يأتي الأساس والمنطلق لمواجهة الحاضر ومشكلاته، واستشراف المستقبل وتحدياته، من حيث أنه يفرض إعادة النظر في الأوهام والحكايات الكبرى، وفي المشروعات الكلية والشمولية، وفي الأنظمة السياسية والتقاليد الاجتماعية، وفي الشعارات الطانة، وفي تضاريس العقليات القديمة، بغية تفكيكها ومساءلتها، والشروع في بناء جديد لا يشد الحاضر نحو الماضي، ولا يعرقل خطوات المستقبل.
غير أن التأكيد على أهمية وأولوية قضية الحريات، يأتي من باب تفجير مكنونات العقول، وفتح الممارسة الواسعة، ممارسة الخلق والتشييد، بوصفها مفتاح مواجهة تحديات المستقبل، في التجديد أو التحديث، والتي ترتكز على الحريات العامة والخاصة، بما فيها حرية التعبير، وحرية العقيدة، وحرية العمل، وحرية المشاركة في إدارة المجتمع. مع التأكيد على أهمية الحوار الداخلي، بين مختلف القوى الحية في المجتمع، الذي يجمع كافة التيارات على ضرورة التواصل والتفاعل الحر، بغية الوصول إلى أرضية مشتركة حول استراتيجية مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
تأسيساً على ما تقدم، يأتي العمل لتعزيز وإرساء قيم الحرية والديموقراطية التي تعترف بحق جميع القوى والتيارات بشكل متساو، من خلال حوار متكافئ حول استراتيجية مواجهة التحديات. فاللحظة التاريخية تتطلب الإدراك العميق بضرورة أن يشترك الجميع في وضع استراتيجية الخلاص، وذلك بسلوك مسيرة تنمية حقيقية، بكل مكوناتها السياسية والثقافية والاجتماعية، والتي تتمثل أساساً في الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وتنزع من خلال الحوار الحضاري إلى التفاعل الإيجابي الخلاق مع العالم.
وتلح الحاجة إلى ممارسة النقد والمساءلة لمرحلة جاوزت الخمسين عاماً الماضية في حقل الحداثة السياسية والاقتصادية والثقافية، حيث لم يتم اجتياز الحداثة السياسية، ولا الاجتماعية، وفشلنا أشد الفشل في تأسيس فكر المواطنة، بكل ما تعنيه المواطنة من حقوق وواجبات، وفشلت الأنظمة العربية في ترسيخ دولة المواطنة، وفي احترام حقوق الإنسان، رغم كل ما يقال عن النجاح الجزئي هنا أو هناك، وعليه يتوجب البحث عن الأسباب والمعوقات التي أدت إلى الفشل في الواقع العربي، وعن الأسباب التي أدت إلى شيوع الاستبداد والفساد الداخلي، وجعلت العقل يتراجع أمام سطوة الرغبة التي أخضعته لمختلف التأويلات الجامدة للنصوص، الأمر الذي نتج عنه تجميد التطور الحضاري، وغلبة الرؤية الماضوية للعالم، والتي صارت تتحكم بأفق الرؤية الثقافية، وأرخت العنان لفكر التطرف، حتى صار الإرهاب عنوناً صريحاً لدعوات التغيير والمواجهة، داخلياً وخارجياً.
وتطال ممارسة النقد والقراءة النقدية كذلك تحولات النظام العالمي والسياسات الثقافية التي نجمت عنها، والتي تحاول القوى المهيمنة فرضها على العالم. ولا مفرّ من السعي نحو تأسيس خطاب ثقافي جديد، ونظرة مستقبلية تسعى للفهم العميق للتحول البنيوي للنظام العالمي، بما يعني العمل على تهيئة ظروف الانتقال إلى نموذج مجتمع المعلومات العالمي، والذي يتحول بثبات إلى مجتمع المعرفة.
وفي هذا الخصوص، تبرز الدعوة إلى تجديد الخطاب ومفرداته، على المستوى المضموني والشكلي، وتشمل أفكاره وآلياته، ثقافياً ودينياً وسياسياً، فالمطلوب ليس، فقط، تجديد الخطاب الديني، بل وتحرير الدين من هيمنة الدولة، وهيمنة مقولتها. وتفكيك المقولات التي تجعل من الإسلام ديناً ودولة، بما يعني تحرير التقليد الإسلامي من قبضة السلطة العربية، وتحرير الدين من قبضة تيارات التطرف الإسلامية، فالدين للناس، للجماعة البشرية، وأُنزل لصون المصالح الإنسانية أو الضرورات الإنسانية في الحياة.
إذن، ترتبط قضية الحريات بالتجديد والتغيير، في وقت لا يمتلك أغلب الأنظمة العربية مشروعاً في التغيير السياسي والثقافي، وفي وقت تشتد الحاجة فيه لصياغة خطاب ثقافي عربي جديد، ينطلق من التحليل النقدي الدقيق للتطورات التي لحقت ببنية المجتمع العالمي منذ انهيار نظام القطبية الثنائية، ومحاولة الولايات المتحدة الأميركية فرض هيمنتها على عالم اليوم.
