أين تتموضع الأزمة؟ قراءة في كتاب “العلمانية من منظور مختلف” للدكتورعزيز العظمة
“..لا شكّ أنّ في الأدبيات الديمقراطية العربية اليوم نوعا من السكوت المضروب على العلمنة والعلمانية، رغم أنّ مجتمعاتنا مجتمعات علمانية، ودولنا دول علمانية، وفكرنا السائد فكر علمانيّ. فالعلمانية ليست شعاراً، بل اتّجاه تاريخيّ وجملة مواقف وقوى اجتماعية وأيديولوجية، ونظرية تلمّ بالتاريخ وتتوافق مع الترقّي ومع التحولات الاجتماعية على الصعيد العالمي.”(1)
يشير عزيز العظمة في هذا المقطع إلى موضع الأزمة.. إنها في الوعي المفارق “الذي تزحف إليه الأوساط التوفيقية من علمانيين : قوميين وليبراليين وشيوعيين يظنون أنهم بتوفيقيتهم يكسبون رضى مجتمعاتهم المتديّنة، وهم في الحقيقة يتوسّلون رضى الإسلام السياسيّ ..لا يتأتّى هذا الميل من تبدّل في الشرط الموضوعي. فالتحوّل إلى نمط الحياة الحديثة اتّجاه عارم إذا نزعنا التزويقات الفولكلورية التي تخفي وراءها بعض الأوساط الأصولية أثر الحداثة عليها ..لقد قطعت مجتمعاتنا أشواطا على طريق التحوّل إلى الرأسمالية ..ووصلت علاقات الإنتاج الرأسمالية إلى الأرياف والبوادي فاختفى من الأولى اقتصاد الكفاف ومن الثانية اقتصاد الغزو ..وتحوّل البدو إلى مربّي ماشية وتحوّل الأقنان إلى مزارعين أو عمّال زراعيين. وفي المدينة تفتّح طوال المئة سنة الأخيرة المجتمع البرجوازيّ، رغما عن أنف ثقافة أهل الحارة التي تعيد تصنيعها تلفزيونيا أموال الإسلام السياسيّ ..”
يقول عزيز العظمة موصّفا الأزمة توصيفا دقيقا : “إنّ واقع العرب يتّسم بانقطاع مدهش بين واقعهم العلمانيّ وفكرهم الذي طالما تفادى العلمانية الصريحة، أو زاوج بينها وبين الكلام الغيبيّ. ولم تطرح العلمانية كقضية إلا من قبل الإسلاميين ومن ثمّ التوفيقيين…. في غفلة تامة- من الأخيرين – عن النتائج..إنّ العلمانية هي واقع الحياة. وإذا تركت – أي إذا ترك التوصيف التاريخيّ الواقعيّ للحياة – سيحتلّ الخطاب الإسلاميّ بمسلّماته الفراغ “.(2) أي بمعنى آخر: إذا تخلّى العلمانيون عن مهمّتهم : وعي الحياة الواقعية، بالموضوعية التي تسمح بها إنجازات العلوم الحديثة، لجهة الأوعية النظرية” مدارس وتيارات فلسفية – فكرية ” أو لجهة الأبعاد الإضافية التي زوّدت بها الحواسّ من قبل العلوم التطبيقية .. لقد خلقت المآلات التي أفضت إليها التجربة العربية لبناء الدولة طيلة القرن الماضي الالتباس الراهن الذي يسمح لشطر من العلمانيين العرب بأن يضيعوا البوصلة ..فالاستعصاء الديمقراطيّ في حقل السياسة- والذي تفاقم في الطور الأخير من التحوّل الرأسماليّ الذي جرى معظمه في العالم العربيّ في إطار رأسمالية الدولة – دفع ويدفع بأرتال من المثقفين والمتعلمين للتخندق سياسيا بجوار الخطاب الإسلاميّ على تنوّع مشاربه الفقهية والمذهبية. ضاربين صفحا عن أنّ الديمقراطية كممارسة سياسية وأفق ثقافيّ مفتوح وموقف منفتح على المختلف، هي مولود شرعي للعلمنة في سياقها التاريخيّ..يغامر العلمانيون بتركهم الدفاع عن العلمانية في وجه الخطاب الإسلاميّ بقتل الدجاجة التي تلد بيضا..فالخطاب الإسلاميّ الذي يقدّم للتوفيقيين هنا أوهناك قشرة موز “الشورى” كمستنبت إسلاميّ للديمقراطية يغيِّب عن بال المنصتين إليه من العلمانيين التوفيقيين أنّ المناورة الديمقراطية للإسلام السياسيّ تأتي في إطار التقدّم الإستراتيجيّ الذي أحرزه هذا الأخير بنقله الهجوم من جبهة الإلحاد إلى جبهة العلمنة- تحديدا بعد السقوط المدوّي للرمز الإمبراطوريّ للإلحاد “الاتّحاد السوفييتي “. فكما يقول عزيز العظمة “لم يعد الإلحاد بالشأن المرئيّ، وأصبح هدف الهجوم التسفيهيّ الإسلاميّ هو العلمانية التي أضحت كبرى الكبائر الثقافية والسياسية “.. وكما لعب الإسلام السياسيّ لعبته الدولية في مرحلة الصراع بين المعسكرين :الاشتراكيّ /الرأسماليّ بوضع نفسه في خدمة الأخير لاقتناص الإقليم القاعدة “أفغانستان “على سبيل المثال، يحاول محلّيا تكرار استراتيجيته: تمرير نصله داخل خطّ الصراع الذي سمحت بتسخينه محاولات الإدارة الأمريكية لإعادة النظر بالجغرافية السياسية لدول المنطقة: بين النخب الحاكمة العربية، ومعارضتها العلمانية: قومية وشيوعية وليبرالية..
ليس الإسلام الاحتجاجيّ نسخة معدّلة بعد تقويم اعوجاج، واستعادة الوعي الإسلامي لجوهر ٍ كان منحرفا عن سويّته الحقّ- كما يقول العظمة- بل هو وثيق الصلة ” باستنفاد اللغة القومية والاشتراكية في تكريس الاستبداد في الدولة القومية. وفي ارتباط السياسة الحديثة بأسس لا صلة لها بالبنى الاجتماعية التقليدية للمدن، وفي الاقتلاع والهامشية، والحاجة إلى أطر اجتماعية أوسع تحيى فيها الفئات الريفية في المدن المريّفة. ”
وكما أنّ الدولة البلشفية قد شخّصت دونية المرأة كعقدة يجب فكّها لإطلاق مشروعها التحديثيّ للبنى الاجتماعية في آسيا الوسطى الإسلامية، فقد تحوّلت دونية المرأة إلى معتصم، تتمسّك بحبل نجاته القوى والشرائح التقليدية المتضرّرة من الحداثة ..لقد تحوّل حجاب المرأة المسلمة إلى رمز يجري شحنه بمفاهيم العرض والأرض المستهدفة أو المستباحة من قبل الغرب وحصان طروادته المحلّي:العلمانية العربية ..
ولم يكن لهذا الخطاب الأيديولوجيّ القدرة على التمدد، لولا انكفاء العلمانية العربية عن مشروعها الذي يتعدّى التحديث التكنولوجيّ إلى تحديث الذهنية، ودخولها”أي العلمانية العربية” في صفقات مع دين العجائز من جهة، وميل الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية إلى توظيف الإسلام السياسيّ في معركته لإسقاط الإتحاد السوفييتي من جهة ثانية ..لقد مارس الغرب ما نراه حماقة استراتيجية في استنهاضه القوى غير العاقلة في الحوض العربي- الإسلاميّ سيتقاسم العالم المتحضّر دفع فاتورتها مع مجتمعات المنطقة ..تؤكّد هذا مجريات الأمور منذ مطلع الألفية الثالثة..ولن ينفع في تبديد الضباب الراهن الذي يعقّد إمكانية الوصول إلى اصطفاف للأولويات جاذب لحوامل اجتماعية وازنة قبل تحقق شرطين:
أن يخفّف الغرب من حماقاته ويؤوب إلى سياسات استراتيجية تأخذ بعين الاعتبار مصلحته في منع التدهور إلى البربرية ..
أن يستعيد العلمانيون على تنوّع راياتهم الأيديولوجية داخل الحوض العربيّ- الإسلاميّ جرأة القول والممارسة.. وأن يتصدّروا واجهات النضال من أجل استكمال المهامّ المعلّقة : إكساء وتأثيث الدولة العلمانية التي مازالت في معظم العالم العربيّ – الإسلاميّ كبناء “على العظم ” ..
{{هوامش:}}
1-العلمانية من منظور مختلف – عزيز العظمة –الخاتمة
2- نفس المصدر
