ومن هنا استطاعت دولة كالولايات المتّحدة أن تقدّم نموذجا جديدا في صنع المواطنة في نظام مؤسّس على قانون تنتفي فيه الفوارق الاثنيّة والدّينيّة… استطاعت أن تجمع الولايات الخمسين في شكل فيدرالي تبرز قيمته في انتصاره لقيمة هذا الإنسان المكوّن الأساسي لهذا الاتّحاد الفيدرالي، الذي منه نبعت فكرة المواطن الأمريكي… فقد احترمت الإنسان، وقدّرته وفق مبادئ مرتبطة بالحريّة وبالكرامة الإنسانية، واحترمت خصوصيّاته في شكل لا يتعارض مع مصالح المجموعة… والتّجربة الأمريكيّة -ليس من السّهولة الشرح فيها- لكونها قائمة بالأساس سواء في وجود الدستور، أو في إطار المؤسّسات والقانون على أفكار فلاسفة النّهضة الحديثة من أمثال لوك وهوبز وغيرهم… ومن هنا يسهل التّفرقة ما بين العامّ والخاصّ إذا استخدمنا مفهوم المصلحة، بحيث لا يمكن أن تضيع المصلحة العامّة في سبيل تحقيق المصلحة الفردية، أو العكس، فالكلّ في تشكّله فيه توازن وانسجام لتتحقّق مصالحه.
بالنّسبة إلى كثير من مجتمعاتنا، لم تستطع أن تنتصر إلى مفهوم الوطن بهذا الشّكل، فعلى الرّغم من وجود حضارتين قديمتين انتصرتا لهذا المفهوم في الماضي في كلّ من العراق ومصر، فإنّ اختلاق المفاهيم غير الواقعيّة ومحاولة تركيب الماضي على الحاضر، كان سببا في ظهور مفاهيم مضادّة ومفتّتة لمفهوم الوطن ومن أبرزها ظهور مفهومين متضادّين من حيث حيزهما الجغرافي، الأوّل هو مفهوم الأمّة، والثاني يقابلها على المستوى الأصغر هو مفهوم التّنظيم. فالأمّة هنا لا يقصد بها الوطن وإنّما كلّ ما هو إسلامي…
وهو أمر قد يكون عابرا لكلّ الأوطان، بما فيها دول كثيرة غربيّة التي يوجد فيها ملايين من المسلمين، ومن هنا فالفكرة تبدو هلامية، لأنّ الذين يدعون إلى تحقيق هذا المفهوم، يبنون تبريراتهم على أسس دينيّة، وهو ما يتناقض تماما مع التّعريف الأساسي لمفهوم الوطن، الذي يرتبط بالمكان المعيشي الذي يحقّق حاجات الإنسان، بصرف النّظر عن انتمائه الدّيني أو انتسابه الاثني، ومن ثمّ ليس من المستغرب أن نجد مسلمين يعيشون في وضع أفضل من ناحية المعيشة والحريّات والكرامة الإنسانيّة في مجتمعات أغلبيّتها تحمل ديانات أخرى ولكن يعيشون تحت انتماء الوطن الواحد كالولايات المتّحدة، أو بريطانيا، عن غيرهم ممّن يعيشون في مجتمعات تنادى بمفهوم الأمّة كأفغانستان، أو باكستان، أو حتّى في بعض الدّول العربيّة… وإذا كان مفهوم الأمّة على المستوى العابر للأقطار لا يمكن تركيبه على الواقع لأنّه لو حدث لاقتتل البشر فيما بينهم، لأن كلّ إنسان سينتصر لديانته وليس لمعيشته ولوطنه…
بالمثل أيضا مفهوم التّنظيم الدّينى الذي هو على المستوى المايكرو فهو يعمل بنفس المفهوم الكاسر والمحلل والمفتت للوطن، لكونه ينطلق من رؤية دينيّة لوجوده وتفاعله مع من حوله ينطلق من هذه الرّؤية، فهو لا ينطلق من واقع معيشيّ بقدر ما ينطلق من هويّته التنظيميّة والدينيّة، والمثال الواضح لهذا الأمر جماعة الاخوان المسلمين في مصر، والتي استطاعت أن تخلق من تنظيمها الدّيني داخل المجتمع المصري شكل ما يقابل مفهوم الوطن، وانتقلت به من المجتمع المصري، ليصبح موجودا في مجتمعات أخرى في دول كثيرة، بهدف الانتصار لفكرتها الأساسيّة وهي الأمّة ومن هنا فالانتماء سواء كان إلى التّنظيم أو حتّى إلى الأمّة، لا يرتبط بواقع معيشيّ بقدر ما يرتبط بعاطفة، وشتّان بين العاطفة والواقع، إنّ عمليّة تحويله إلى واقع، قد يصعب تحقيقها لكونها تتناقض مع ما هو موجد على الأرض من تنوّع دينيّ وتنوّع مذهبيّ لأصحاب الدّيانة الواحدة، فكيف بتنظيم دينيّ أن يأتي بنظريّة دينيّة في حين أنّ مفهوم الوطن يعطى الكل الحريّة في اختياره وفي تديّنه الذي يرتضيه لنفسه…
الكاتب
جميع المشاركات
