إنزكان: التاريخ والمجال والثقافة
1- في البدء كان السؤال…
ما معنى الكتابة الجهوية راهنا؟ عن أيّ مشروع ثقافيّ ندافع حين نرتق فواتق الذاكرة ونبحث عن المحصول أو عن الراقد الأنثربوبولوجي أو التاريخي المنثور بين زوايا المنسيات؟ كيف نسهم بالدفع بالثقافة السوسية إلى الواجهة باعتبار أن لا جهوية ناجعة بدون فكر جهويّ معتبر بالمقاييس الإبستيمولوجية؟ هل تكفي استعادة ثقافة الهوامش الحضارية أم لا بدّ من التفاعل مع ثقافات الحواضر العالمية؟ هل يكفي الفقه والتصوّف لتأسيس الذات الثقافية، وتعزيز موقعها على رقعة التجاذبات الكونية الآن ومستقبلا؟ ما معنى التمسّك بمسلكية التأريخ القديم، علما أنّ أرض التاريخ وأرضية المؤرخ اغتنتا، بموادّ ومناهج وأدوات مفقودة في الإستوغرافيات القديمة؟
هل تستوفي الكتابة التاريخية الجهوية كما مارسها عمر أفا (مدينة انزكان – التاريخ والمجال والثقافة) ومحمد بصير (الحاجة الماسّة إلى تعريف ماسّ) والفقيه محمد بن أحمد البوقدوري (تاريخ قبائل هيلالة بسوس) وأحمد بزيد الكنساني (تاريخ تارودانت في العصر الحديث)، شرائط الكتابة التاريخية المنهجية؟ أم تقع في وسط الطريق بين الكتابة المناقبية والكتابية التاريخية لاعتبارات بيوغرافية خاصة بالمسارات التكوينية لهؤلاء الكتاب ولتجاوبهم مع إكراهات الدورة التاريخية؟
هل تكفي الكتابة على طريقة المختارالسوسي لتأسيس كتابة تاريخية سوسية مستقلة وذات جاذبية معرفية وألق منهجيّ، هنا والآن، علما أنّ كثيرا من مقتضياتها هو الآن متجاوز من الزاوية المنهجية والنظرية ومن زواية التموضع المعرفيّ العالم.
هل تكفي الرواية الشفوية لسدّ ثلم السرد التاريخ المثلوم أو سكوت التاريخ الرسميّ أو بياض أورومركزية الوثيقة الكولونيالية؟ ألا تسعف الذاكرة الشفوية بقراءة المتخيّل والتمثّلات الجماعية أكثر مما تسعف ببناء الحقيقة التاريخية، بالنظر إلى ذاتانية الشاهد وحساباته السيكولوجية والذهنية والإيديولوجية وتموقعه على خريطة الفعل السياسي وعلى خريطة التحولات الفكرية والتاريخية الحالة بالقطر السوسي منذ أزيد من قرنين كما في شهادات النجم الأخصاصي مثلا؟.
هل التاريخ سرد ترصيفي لوقائع أم مشروع للتموقع الإشكالي واستهداف رؤى مستقبلية برسم الإنشاء؟ هل يدرك المؤرخ زمانه الوجودي؟ هل يضمن الزمان الفقهي –الطرقي إجادة التأريخ والتموقع على خريطة المعرفة الكونية؟ ألا يمكن كتابة تاريخ مركّب، يعرض فيما يستشكل، ويرصد التواريخ في انغراسها في البنيات وفي الأنساق؟
لماذا تعجز مدينة بارعة في الفعل التجاري مثل إنزكان عن الربط الثقافي بين الشمال والجنوب بل عن بناء ذاكراتها الثقافية نفسها؟ لماذا لا تنخرط الفعاليات الثقافية لهذه المدينة في زمان الكثافة الثقافية، وتنصرف ولو لهنيهات، عن مزدوج التجارة والتقليدانية؟
هل يحقّ حصر ذاكرة فضاء ثقافي سوسي في ذاكرة الفقه أوّلا ومتخيّل التصوّف الطرقي (الناصري/ التيجاني/الدرقاوي)ثانيا، علما أنّ الاجتماع السوسي ينهض على توترات وتجاذبات بين العرفي والقانوني، بين المتخيّل الجماعي والثقافة العالمة، بين المأصول التراثي والمنقول الحداثي، بين الفضاء الطقوسي و”أسايس”، بين الجنسانية المعيارية الشرعانية والجنسانية اللامعيارية البديلة، بين الأطر السلوكية المؤسلبة والسلوكيات المتاخمة للتحرّر والإبداع بل للفوضى أحيانا؟
ألا يحقّ كتابة تاريخ إنزكان الخارجة من مدارات الطرقية والتفقه؟ ألا يجدر بنا توسيع دائرة الوثيقة، بحيث تحتل الوثيقة التقيلدانية مكانها المحدد ولا تفيض على مواقع ليست مواقعها بأي حال من الأحوال؟
هل يمكن كتابة تاريخ سوس خارج التاريخ المناقبي، أو خارج الأنثروبولوجيا العرفانية؟
لماذا تنحصر المكتوبات التاريخية عن سوس في تاريخ المناقب والعلم العربي؟
أليست تلك الكتابات شواهد عن السلطة الأخلاقية والمعرفية والسياسية تاليا، لمدبّري المقدّس السنّيّ–الطرقي بسوس؟
ألا تتمثل مهمة المؤرّخ، هنا والآن، في تحرير الذاكرة الجماعية من الرتاج التسلّفي –الطرقي، واستكشاف مناطق تاريخية معتمة ومناهج ليس في مكنة الفقيه المتصوف المسكون بتأبيد سلطة المتخيل الأشعري -الجنيدي، رغم تبدل الأحوال وانطماس كثير من الملابسات التاريخية والثقافية لذلك المتخيل بالذات؟
كيف احتضنت إنزكان التعددية الثقافية والإثنية والعقدية؟ كيف انصهر الركيبي والحاحي والباعمراني والتافراوتي والمسكيني في هذا المصهر الأنثروبولوجي المتدفق، طقوسا وفنونا وأداءات؟ وكيف اتسع هذا الحيز الجغرافي العبوري، للفعالية الاقتصادية والثقافية اليهودية؟
كيف شكلت الأمازيغية بوتقة لسانية لاستيعاب المحصول اللساني الآتي في ركاب الهجرات والتجارة وفي خضم التثاقف؟ ما تأثير الحضور اليهودي على الثقافة في المجال الثقافي الإنزكاني؟
كيف تفاعل العرف مع القانون الشرعي في ذلك الفضاء القبلي المتماس مع أكثر من رافد ومجرى؟ كيف تحاور المتخيل الأمازيغي مع الشرعانية العربية الإسلامية؟ ما مستتبعات التثاقف مع الفكر الأوروبي والتفاعل مع المعمرين الفرنسيين؟
2- تجديد الكتابة التاريخية الجهوية :
تطرح المصادر الوثائقية إشكالا كبيرا إذ لا تكفي الوثائق المتداولة، للإحاطة بالأحداث وبسياقاتها الاجتماعية والثقافية والتاريخية. للخروج من محدودية الوثائق الأدبية والإدارية، اختار عمر أفا الوثيقة الشفوية، للإلمام ببعض قسمات التاريخ الاجتماعي والثقافي لقبيلة كسيمة ولإنزكان تعيينا. من المحتم التأكيد على أهمية الوثيقة الأركيولوجية في الإحاطة بالمطموس التاريخي، وفي استعادة الوقائع المغمورة بسيل الأزمنة وانتقائية المؤرخين القدامى. فلا يمكن القبول التام بمحتوى المرويات وأساطير التأسيس. وعليه، يمكن للتنقيب الأركيولوجي أن يستكشف أعماق ومخزونات هذا الفضاء الجغرافي الحافل، حتما، بالرواسب والمطموسات والدفائن.
للتغلب على ندرة الشواهد اعتمد عمر أفا كثيرا على الرواية الشفوية، وعلى مرويات ومحكيات سيرية، أماط فيها الرواة اللثام عن أجزاء من سيرهم ومن تفاعلهم، السلبي أو الايجابي، مع محيطهم ومع تقلبات وانقلابات أزمانهم. لقد حملت هذه الشهادات جملة من المعلومات التاريخية، عن تفاعل وتصادم المؤسسات الاجتماعية، في منعطف تاريخي، وسمته الواقعة الكولونيالية والحادثة الحداثية بميسمهما، وفتحتا تاريخها الدائري المغلق على ممكنات تاريخية برسم الصوغ المتجدد.
يقول “البراح مبارك أوبلخير” إنّه في الأصل من عبيد سيدي المدني الماسي، وكان يسكن بالمرس بقبيلة ماسة قرب ضريح سيدي محمد أحمد، وانتقل إلى مدينة إنزكان حيث تولى مهنة البرّاح فترة من الحماية وفي عهد الاستقلال. ويتحدث عن قادة المدينة أمثال القائد ابن المدني(القائد احمد بن المدني بن حيون)، والقائد أموكاي وغيرهما من قواعد عهد الاستقلال، ومن هذه الحرفة كان يستطيع ضمان مورد العيش له ولزوجته وأولاده).
(مدينة إنزكان –التاريخ والمجال والثقافة – تنسيق : عمر أفا ومحمد الحاتمي – مطبعة الورود –إنزكان – الطبعة الأولى -2011-ص.62).
تقودنا مسارات الأفراد إلى تمثل مسارات الجماعة في لحظات الاشتباك وانتفاء العوازل بين الإثنيات وبين الثقافات الفرعية. جسد إنزكان لحظات الالتقاء الصدامي، بين بقايا العبودية والحداثة المحررة، بين الطرقية والحداثة الفكرية، بين القيادة التقليدية والإدارة المستحدثة، بين الاستتباع الإثني والانعتاق من الدونية العرقية –الثقافية. تتّسع الرواية الشفوية لتاريخ المهمشين والمقصيين والمعلقين على حواف التاريخ، وتصبّ في مجرى التاريخ الاجتماعي والتاريخ الثقافي وتحيل في أكثر من إضاءة على التمفصلات الجديدة للمتخيل الديني والمتخيل الاجتماعي وعلى تاريخ العقليات بسوس والجنوب المغربي عموما.
يضفي البوح والاعتراف والإشهاد غنى على المحكيّ؛ إلا أنّ جيشان وحرارة الحكي، لا يحولان دون تعيين حدود الرواية الشفوية وحدود النظرة الإثنوغرافية لدى الشاهد الإثني-القبلي. فالشاهد محدود بمنظوره وبحدود موشوره الإيديولوجي. والمنظور يطال الوقائع وطرائق صياغتها والحكم على الشخصيات وتصنيفها قيميا أو أخلاقيا خصوصا متى اقتحمت الفكرية العرفانية المضمار وحكمت معيارها في التوصيف والتصنيف والتقييم.
من الضروري إذن إخضاع الرواية الشفوية للضوابط والمعايير التاريخية الصارمة، حتى لا نتيه في النسبانية وفي الذاتانية وفي الإيطيقيات العمومية. ولا يمكن أن نتفادى ذلك إلا بتغيير ذهنية المؤرخ الجهوي، وتحديث مناهج التأريخ. يقتضي الانسلاخ من محدودية التاريخي الحدثي والثيماتية السياسية والميثولوجيا العرفانية، هنا، تغيير المعيارية الكتابية، وتدشين تاريخية جديدة قوامها التعددية المصدرية والتجدد المنهجي والتعليل المركب كما في الدعوى التاريخانية.
(المنهج السليم هو أن نطرح أسئلة توجهنا إلى التنقيب، المنظم والمكثف والجماعي، على وثائق من نوع جديد، أي مخلفات مادية لا يمكن أن نعثر عليها إلا بواسطة حفريات مبرمجة : إذ الظاهر هو أن عدد الوثائق المكتوبة من النوع الأدبي أو الإداري محدود في كل الأحوال. نفتح من الآن باب النظرية على مصراعيه مع أننا مقتنعون أن كل نظرية مقترحة ستكون قريبة من النمط التعليلي، لكن لا ضرر في هذا ما دمنا متفقين على أن النظرية التفسيرية الصحيحة رهينة باكتشاف وثائق من نوع جديد).
(-عبد الله العروي – ثقافتنا في ضوء التاريخ – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – بيروت – الطبعة الثانية -1988-ص.38) .
لم تعد تلمسات التاريخ الجهوي القديم مقنعة؛ فهي لصيقة الارتباط بمعيارية التاريخ الكلامي وبسرديات العرفان؛ ومن البديهي أن يتأسس التاريخ الجهوي الجديد على الدربة المنهجية وعلى مراعاة التحولات الكبرى في التأريخ وفي الوعي التاريخي على السواء.
يمكن، إجمالا، ربط تجديد الكتابة التاريخية الجهوية بانجاز المهام التالية :
1-توسيع الوعاء الوثائقي وتنويع المادة المصدرية،
2-الاعتماد على الوثيقة الأركيولوجية بالإضافة إلى الوثيقة الإدارية والأدبية،
3-المزاوجة بين التوثيق التاريخي والسبر الأنثروبولوجي والاستقصاء السوسيولوجي،
4-نخل الكتابة الإخبارية الموجهة توجيها فقهيا –طرقيا مثل كتابات المختار السوسي والكشف عن قصدها التثبيتي وعن إشكالاتها النظرية والمنهجية،
(-أن مشروع التاريخ الشامل لا يوجد في نص “المعسول” إلا على شكل شظايا، لأن المؤلف ابن بيئته يرى أمورا ويغضّ الطرف عن أخرى ولا يظهر له البعض الآخر بالمروة، وما يصدق عليه بهذا الصدد يصدق بالأحرى على مصادره الشفوية والمكتوبة).
(-أحمد التوفيق –التاريخ في الزمن المعسول أو محمد المختار السوسي من زمن النحو إلى زمن التاريخ –ضمن –المختار السوسي- الذاكرة المستعادة –مطبعة النجاح-الجديدة- الدار البيضاء-1987-ص.78)
5-البحث عن نظرية لتفسير شتات الوقائع، وتجاوز الأنماط التعليلية المستوحاة من هذا السجل الكلامي أو من ذاك.
للخروج بالمعرفة من طور التثبيت والتنميط والتوظيف الاجتماعي الفج، إلى طور المقاربة الأنثروبولوجية والمناولة التاريخية والمعالجة الإبستمولوجية، يلزم تغيير المنظور والجهاز التقني. لا يكتفي المؤرخ هنا باستعراض المنقول الفقهي أو الصوفي، بل بالغوص على دلالاتهما الكمونية وعلى تعليل حيثياتهما المعرفية والمنهجية ومقتضيات نقلهما واستزراعهما في سياق مختلف، يعايش، اختيارا أو إرغاما، مثاقفة مركبة بله ثلاثية بعد انبثاق النظيمة الحداثية واندماجها الصعب في الواقع المغاربي.
3- التثبيت في زمن التحولات:
تميل الكتابة التاريخية في كتاب (مدينة انزكان –التاريخ والمجال والثقافة)إلى رصد الثبات والاستمرارية النمطية والتنميطية أكثر مما تميل إلى تتبع التحولات والتغيرات والقطائع. لا يخلو التواصل وانتظام إيقاع المسارات والتلقينات واتصال السند، في الحقيقة، عن انقطاعات وعن اشتغال ديناميات معلنة أو خفية، خصوصا في سياق اشتباك الأنساق الثقافية وانبجاس إبدال هجين، يأخذ ويستعير من هذا النسق أو من ذاك، دون التصريح بأهلية ذلك النقل ولا بشرعيته التأسيسية.
(هو سيدي سعيد بن احمد الدراركي المسكيني، عالم حسن، غير أن شهرته قامت على تصوفه وعلى كونه احد الذين أدخلوا الطريقة التجانية إلى سوس بعدما اعتنقها على يد محمد أكنسوس بمراكش، وبينه وبين شيخه أكنسوس مكاتبات يثني عليه فيها).
(مدينة إنزكان –التاريخ والمجال والثقافة -ص.213)
توحي الكتابة هنا بهناءة أنطولوجية وبانتظام معرفي لا تؤيدهما تدخلات وتداخلات مستجدة بالمغارب، بعد إدغام العرفانية المهيمنة، بالزمن الكولونيالي وبمعانيه الوضعانية. تنسى الخصوصيات المميزة للسياق، وللاستجابات المبلورة لحفظ السلط الاعتبارية، وصون التراتبية الثقافية والدفاع عن انتظامية السنن أو السجل السني الموروث.
ليس غريبا أن ينكب السرد على تتبع حلقات الاستمرارية الثقافية، وأن تقدم شجرة الأنساب العرفانية، في انسيابية، لا تؤكدها الشروخ والتوقفات بل والانقطاعات القطاعية والجزئية الحالة بالسيرورة الثقافية بسوس أحيانا.
(ينتمي سيدي عبد الرحمن الإنزكاني إلى الطريقة التجانية، وقد أخذها عن شيوخه : سيدي مبارك بن محمد بأيت ملول (ت.1933)، والشيخ أحمد بن مبارك أتينهمو الذي لازمه حتى أصبح على يده مقدما للطريقة، بتاريخ 13 رجب 1356ه/19-09-1937م، وله إجازات من الحاج علي بن أحمد الإسيكي سنة 1943، ومن الطيب بن علال من أحفاد الشيخ التجاني، ومن الحاج الأحسن الباعقيلي نزيل الدار البيضاء، وله أسانيد متصلة، فكان له سندان إلى الشيخ التجاني، وهما : الإسيكي والإفراني، وهو “مقدم” الطريقة وشيخها في هذه المدينة وهو الذي يعطي الإذن في الأوراد التجانية).
(مدينة انزكان –التاريخ والمجال والثقافة – تنسيق : عمر أفا ومحمد الحاتمي – مطبعة الورود –انزكان – الطبعة الأولى -2011-ص.50-51).
عرفت هذه الفترة نقاشا مستفيضا حول معقولية الخيار الطرقي، بعد صدمات الحداثة المتواترة، وانتهاء الدورة الطرقية (من القرن السادس عشر إلى 1912) إلى التفكك والانفراط. فقد انخلع المعنى العرفاني المستقر واللاحم للبنية الاجتماعية وتذررت الممارسة الاجتماعية والثقافية بشهادة نصوص سيرية دالة مثل (الزاوية ) للتهامي الوزاني و(الهدية الهادية إلى الطائفة التجانية)لمحمد تقي الدين الهلالي.
مما لا شك فيه أن النسق العرفاني تعرض لمساءلات جمة في كثير من منعطفات القرن التاسع عشر ممّا أثّر أحيانا على بعض أطره النظرية وعلى بعض بناه التنظيمية.
(…وأما ما يفعله الفقراء من الصنيع في الموسم الشنيع، بضريح مولانا إدريس، يجتمع فيه النفيس والخسيس، ومن ينضاف لهم من الرعاع، لحضور السماع، الخارج عن السنن الشرعي، والمهيع المرعي، بالرقص والتصفيق، والى الطرب، وأنواع من البدع يقضي منها العجب، وضرب العود والبندير والطر وآلة الملاهي، على هيئة مركبة من أنواع الناهي، كالطبول والمزامر والبوق وغيرها من الملهيات، واختلاط الذكور والأحداث وإذا أقيمت الصلاة بقوا على لهوهم عنها معرضين، وعلى لهوهم معتكفين، ونتفوا في ذلك أموالا طائلة، سرفا وتبذيرا، ولا ينفقون في طاعة الله نقيرا ولا قطميرا، ويجتمعون بعد العشاء للبيات على لهوهم، ويتركون صلاة اليوم كله لزهوهم…).
(-أبو القاسم الزياني- الترجمانة الكبرى –في أخبار المعمور برا وبحرا –تحقيق وتعليق : عبد الكريم الفيلالي –دار نشر المعرفة-الرباط المغرب –طبعة 1991-ص.463) .
هذه عينة من النقود المستشكلة للحدث العرفاني وللممارسة العامية للطقوس، والرافضة للاحتفالية والفرجات الانخطافية. ثمة مجاذبات فكرية، بين ينبوعين أنثروبولوجيين مختلفين، من حيث إخراج المعتقد ومسرحته وإبداع بعض صيغه بعيدا عن المرويات الشرعية. ورغم حدة الاصطدام، فإنّ التصوف احتفظ ببعض قوته السوسيولوجية، وبارتباطه ببعض الحلقات السياسة التاريخية الأكثر تتأججا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. إلا أنه فقد جزءا من قاعدته السوسيولوجية ومن وسلطته المعرفية ومن إمداداته الأنثربولوجية، بعد الواقعة الكولونيالية وبلورة الحركة الوطنية لسلفية متجددة متوهبنة حينا وملبرلة حينا آخر.
(وبعد ساعة من دخولنا صارت الطوائف ترد واحدة فواحدة وكل واحدة تلتقي على حدة على نظامهم، في أيام شيخهم إذ كانوا الجماء الغفير، وأما اليوم فقد صاروا يقلون بالموت الذي استحر فيهم، حتى الذين حضروا موسم هذا العام لم يتجاوزا ألفا بعدما كانوا يردون بالألوف، وكلهم من الفقراء المنتسبين للشيخ الوالد (= الشيخ علي الإلغي الدرقاوي) خاصة، ولا يحضر معهم غيرهم ثم إنهم بعد تلك السنة قد قلوا دون الألف بكثير والأمر لا يزداد إلا شدة بسبب ما طرأ على الناس من أنهم لا ينتقلون من محل إلى آخر إلا برخصة وبجواز جديد، وقد اشتد الأمر على الفقراء و أمثالهم في مجامعهم منذ واقعة آيت بها الشهيرة).
(محمد المختار السوسي- رحلة من الحمراء إلى إيلغ- ضمن – التاريخ والفقه – تنسيق : محمد حجي – مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 2002-ص.290)
لماذا سكت عمر أفا عن التجاذبات بين التسلف والتصوف في بداية الحركة الوطنية وعن مناظرات السلفيين الوطنيين مع الطرقيين؟ أليس للمناظرة الجامعة بين محمد بن العربي العلوي وبين محمد تقي الدين الهلالي، ولتحول كثير من الطرقيين إلى سلفيين وطنيين، أثار بإنزكان وبسوس عموما؟ هل يمكن كتابة التاريخ بالارتكاز على المؤتلف، علما أن مادة التاريخ مادة اختلافية في المقام الأول؟ ألم تحفل سيرة ومؤلفات صاحب “المعسول” بتنقلات وتجاذبات بين التصوف الطرقي القديم والتسلف الجديد بشهادة سفر(الالغيات)؟
لم يطل الاعتلال الفكريات الطرقية فقط، بل مس كذلك المدارس العتيقة المتخصصة في بث العلم الشرعي، وإعداد مدبري المقدس في وسط له لغته ونسقه الرمزي الخاصّان. فقد مثلت واقعة الحداثة واقعة رضية، أحالت اليقين المجالي إلى حيرة مستفحلة، والعادات المستقرة إلى مضامير للمساءلة، والأجوبة الوجودية إلى محض صدى لأزمنة متقادمة.
(…وقد عزمنا أن نزور غدا الأستاذ سيدي الحاج مسعود الوفقاوي في مدرسته العامرة في قبيلة (مسكينة ) لنرى ذلك المدرس العظيم الذي صار اليوم هو الوحيد في الإقبال على التعليم إقبالا كليا وعنده من الطلبة نحو سبعين أو أكثر، وذلك من لين جانبه وأفضاله على مساكينهم، وهذا الحال قد انقطع اليوم بسوس بعد أن كانوا فيه عشرات…)
( محمد المختار السوسي- رحلة من الحمراء إلى إيلغ- ضمن – التاريخ والفقه – تنسيق : محمد حجي – مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 2002-ص.296).
وليس واقع العلم بأفضل في الحواضر؛ إذ بقيت المعرفة المتداولة حينذاك محصورة في المحفوظات وفي المباحثات المستعرضة في الأكثر للمقول الفقهي والأصولي والنحوي، دون الالتفات إلى مستجدات المعرفة، ولا إلى نوعية التحولات السارية في طرائق النظر وفي بناء مناهج الاستدلال. لقد مثلت المباحثات الجارية بين الناظرين والمتناظرين، انعكاسا غير مبدع للمناظرات الكلامية والأصولية في الإسلام الكلاسيكي. إن الاشتغال بالتناظر التقني وبروح المناظرة الأشعرية، لهي من أعراض لا التقليد فقط، بل الاغتراب المعرفي عن مقتضيات المعرفة كما تكرست في العالم الحديث؛ لقد انشغل علماء الوقت، بترسيخ سلطة الحافظة وسلطة التقاليد الحجاجية في عالم ما فتئ يصاعد في مدارج البرهنة، ويتخفف من التدليل القروسطي ومن سلطة النصوص ومن نواميس القداسة.
(يجالسه الفرضي كبعض السوسيين، الذين يحذقون علم الفرائض، فيفاتحه في مسألة، فيسرد نصها من “المختصر”، فيكون ذلك أول ما يبهر السوسي الذي يعد حفظ “المختصر” إلى آخره، إحدى المعجزات، ثم يسرد عليه مما يتعلق بالمسألة من “الموطإ”من قول مالك، ويتلو عليه أصل تلك الفرضية من “القرآن”، ويتبع ذلك بأقوال زيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، ومعاذ وعمر وابن مسعود وعلي، إن كان سبق فيها قول لهم، أو يذكرهم بحسب التوسع في الاستدلال فقط، وهكذا ينكمش الفرضي السوسي في مسلاخه، ويقول بينه وبين نفسه : (أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون) فيخرج إلى حيث يشيد بذكر الشيخ في مدارس جزولة، ويقول : إن الشيخ شعيبا الدكالي يعلم كل شيء).
(-محمد المختار السوسي –مشيخة الإلغيين من الحضريين- أو تراجم أساتذتي الحضريين –هيأه للطبع ونشره : عبد الوافي المختار السوسي –مطبعة المعارف الجديدة –الرباط – الطبعة الأولى – 2010-ص.16) .
لم يعد الركح المعرفي محصورا في التصوف والتسلف في تناظر أهل الحقيقة وأهل الشريعة، في الانتصار للوهابية السليمانية أو الحفيظية أو في الذبّ عن العرفان الكتاني أو القادري أو التيجاني. ثمة إبدال عكست الرحلات السفارية (المكناسي والغزال والصفار والعمراوي…) جزءا من تجسداته، وأكدت دافعيته، احقاقات الحداثة الغربية وتوق تجليها السياسي إلى التوسع والى استتباع الأطراف للمتروبول بشهادة وقائع سياسية متواترة.
لم تعد الذهنية العرفانية قادرة على إبهار الجموع وتعبئتها سياسيا وتجييشها ايدولوجيا كما وقع بعد الهجمات الأيبيرية على الشواطئ المغربية؛ فقد صارت هذه الجموع مدعوة إلى الانتماء إلى تاريخ كوني لا يأبه إلا بالتقنية وبالمنهج التجريبي والرؤية التاريخية الكامنتين خلفهما. لا مراء إذن في أن تمثل الحداثة الوضعانية النقيض الجلي للطرقانية الذامة للدنيا ولعقلانية السياسي والاقتصادي. تبدو العقلانية الديكارطية المطعمة بأدائية الأنوار، أكثر قدرة على تغيير الواقعات من الاهتيام ومن الرقائق ومن المواجد الجنيدية –الغزالية، في منعرج تاريخي حاد سمته إقفال دائرة وتدشين دائرة جديدة .
(وقبل أن يفضي برأيه في أحمد الهيبة قال : “لقد كنت أدخل عليه وأخرج في كل وقت دون أدنى تكلف و أتحدث إليه في كل شيء، إنه لا يعرف أي شيء من أمور المال والسياسة، إنه رجل صالح لم يفارق الصلاة ولم يشتغل بملذات الحياة، وقد استصحب معه العلماء –ذكر أمثلة – لأخذ البيعة له من أهالي مراكش ولكن الأعراب أشاعوا التخريب في قصر الباهية، ورخص لهم المهر في التزوج، فكان ثمنه فرنكا ونصف الفرنك خوفا من إنشاء نكاح الحرام”).
(مدينة إنزكان –التاريخ والمجال والثقافة —ص.57)
تثير شهادة “بوالتومات” كثيرا من الإيحاءات الثقافية، وتبعث على مساءلة تاريخ العرفان والتنظيمات العرفانية بسوس وأدوارها التاريخية ونوعية ثقافتها في أزمنة غير أزمنة العرفان المعمم، والإبستيمية القروسطية المكوننة.
كيف وطنت الطرق (الناصرية والتجانية والدرقاوية) في القطر السوسي؟ ما هي آليات نشر الطرق والطرقية في نطاق قطري عبوري بامتياز؟ كيف استحال القطر السوسي من النثر اللاهوتي-السياسي في زمن المرابطين والسعديين ومن النثر الإيديولوجي – الفكري في زمان الموحدين، إلى محض فضاء مستقبل لطرق صوفية جذبية أو تسننية آتية من الجنوب أو من الشمال؟ ما آليات الجماعة المحلية في استيعاب المنقول العرفاني وصهره في بوتقتها الأنثروبولوجية الخاصة؟ ألم يحن أوان كتابة تاريخ نقدي للتصوف والمعتقدات الملامتية والمهدوية بسوس والجنوب المغربي عموما؟
كيف تناسج المتخيل الأمازيغي مع المتخيل الطرقي المؤثث بعناصر منقولة من الآفاق الشرقية(من الشرق الأقصى والشرق الأدنى معا)؟ كيف استحال الأفق الأمازيغي الباث ( تجربة الشيخ وكاك بن زلو اللمطي / عبد الله بن ياسين/ المهدي بن تومرت)، متلقيا لتجارب وخبرات وسجلات عرفانية غير ذات صلة بالمأتى السوسي؟
4- التقليد في مواجهة الحداثة :عثرات التكييف:
لقد عرفت قبيلة كسيمة إذن أطرافا من الاحتكاك والتشابك بين التقليدانية والتحديث المؤسسي والفكري أثناء وبعد الواقعة الكولونيالية. وتكفي المقارنة بين حي”أسايس” وحي “العصافير”، لنكشف عن التماس الصعب بين تقليدانية مركبة وحداثة ظافرة، وضعانية. فالمجاورة بين عمران بدوي وعمران حداثي، تحيل على لقاء تصادمي في العمق بين ذهنيتين وعالمين تصوريين مختلفتين ومسارين تاريخيين لا تجمعها إلا معايشة لحظة زمانية واحدة.
لقد عمدت الجماعة إذن إلى تفعيل حسها الذرائعي في التعامل مع الحداثة الظافرة، واستعارت الأطر والأشكال والبنيات ومالت إلى تكييفها مع المرسخ التراثي ومع إشارات الموجه العقدي. مازال تاريخ المثاقفة بين جماعة إثية –قبلية، متداخلة البنى والمرجعيات، ومجموعات كولونيالية مدعومة بالعقلانية الأدائية الظافرة، رهين الإمكان.
لم يقف التناول التاريخي، بعمق، عند هذا التثاقف مع الحداثة الغربية، كما لم يصرف انتباهه إلى طلائع الحداثة المكيفة الآتية في رحاب التثاقف مع التلوينات الشرقية للأفكار القومية أو الاشتراكية أو الماركسية منذ الخمسينات أو في رحاب التماس مع الحداثة الأوروبية في ربوعها غب الهجرات العمالية أو الطلابية. يجد عمر أفا ومحمد الحاتمي سهولة في نقل المنقول التراثي فيما يميلان إلى اختزال كل ما يلامس إبدالات وتعينات الحداثة الفكرية. وهكذا يعتنيان بالمدارس العتيقة، فيما يختزلان الإشارات إلى التعليم العصري والى مؤسساته والى خريجيه. لا مناص إذن من كتابة تاريخ التعليم العصري، بسوس عموما، وبإنزكان وأكادير، وتأثير مؤسساته في الحراك المعرفي والتربوي والتاريخي بالمنطقة وتكريسه لسلطة معرفية موازية أو منافسة للسلطة المعرفية التقليدية للفقهاء.
من الطبيعي إفراد حيز محدد للخطاب الفقهي في التأريخ للمجتمعات التقليدية السائرة في طور تحديث معقد مرغوب ومرهوب في ذات الآن. إذ يملك الخطاب الفقهي أدوات الجذب والتجاذب، أفقيا وعموديا، ويجيد رسم نقط الالتقاء، في تفاعله الواقعي مع الخطاب العرفاني والخطاب السياسي والخطاب الشعبي.
إلا أنه يصعب الاحتفاظ بهذا الاعتبار بعد تتبع أداء الخطاب الفقهي الجهوي في الآونة الكولونيالية وما بعدها. فقد فقدت البنيات المؤسسية التقليدية كثيرا من انتظاميتها السابقة، وانبثقت تنظيمات مؤسسية حديثة، وسعت حيز الحراك النخبوي وأظهرت فعالية معقوليات غير معقولية الفقه وآلياته الاجتهادية.
لم يقف الفقهاء الجهويون على خروم الزمان الثقافي، وعلى انثناء الينبوع الحضاري العربي-الإسلامي، وبروز حضارة الحداثة الغربية. واستنادا إلى هذا الانقباض والانبساط صار حتميا تجاوز آليات التكيف وابتداع آليات متجددة أو إعادة النظر واستشكال البنية الأنثروبولوجية للفقه أصلا.
تنصرف تدخلات الفقيه إلى طرق التكيف، فيما تحتم تحديات السياق الجديد التساؤل عن نوعية المستجد الثقافي والحضاري وعن الأبعاد الأنطولوجية للتقنية. لقد نقلت الحداثة العالم نقلة نوعية صار الفضاء الأنطولوجي الوسيط إثرها، منزوع الغطاء وفاقد السؤدد البرهاني. ورغم أن مفاعيل التحديث والتقانة لم تصل كما في الغرب الرأسمالي إلى إزالة السحر عن العالم وإزالة القداسة عن الطبيعة والتاريخ الجهوي، فإن جدة المنقول الثقافي تقتضي تغيير الأسئلة وتدشين فكر معاصر جدير بالإنسية السوسية .
فالحداثة ليست نازلة من نوع النوازل المعهودة لدى النوازليين، بل هي تبديل مفهومي وتغيير في معايشة العالم وصنع المصير الجماعي. ومهما تغيرت الإشكاليات والأولويات فإن الفقيه يبقى أمينا لسجله ومأثوره. وتلك أمارة على اغتراب معرفي وتأخر عن إدراك تغير مقتضيات العصر ونوعية انشغالاته وقضاياه.
جاء في إحدى نوازل الحاج أحمد بن الحاج الكاشطي التناني (-= ت .1376ه) : ( تحفة النبيل للصلاة إيماء في طوموبيل ” ما يلي :
( وقد أخبرني بعض العوام أنه كان راكبا في طوموبيل، وحمل معه حجرا للتيمم، ولما طلع الفجر تيمم وصلى الفجر إيماء، وكان بحضرته بعض من ينتسب إلى العلم، فرآه فنهاه عن صلاة الصبح، وأمره إذا نزل أن يعيد الفجر، وقال له : من أين لك هذا ؟ فقال له ذلك العامي : من فلان –أعني الكاتب- وكنت أنا أحرض الناس على الصلاة في وقتها سفرا وحضرا وأقول لهم: إن أراد أحدهم السفر في هذه الآلات فليهيئ ما يحتاج إليه من أمر الصلاة من أخذ ما يتيمم به، ويصلي إيماء إن لم يكن غيره حتى تقرر في ذهنهم هذا).
(الحسن العبادي – فقه النوازل في سوس – قضايا و أعلام – مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء – الطبعة الأولى -1999-ص.367-368)
تعتبر النازلة التقانة من جهة نظر النوازلي أو الفقيه، مجرد إضافة تراكمية للموجود التقني؛ وعليه، فمن اللازم مواجهة مفاعيلها بتفعيل الآلية التكييفية للحفاظ على الممارسة الطقوسية وعلى التوازن العقدي والسلط المخيالية المستندة عليه. وكما لم تستوعب النخب الحضرية( الفاسية والمراكشية والرباطية) إذاك، نوعية النقلة في المسار الحضاري الحديث، فإن النخب القروية اعتقدت أن التكيف هو أفضل حل لإشكالية تتطلب إعادة النظر الإبستيمولجية في المضامين المعرفية وفي المناهج والإواليات المستعملة في تعقل العالم وإدارة الاجتماع وإبداع رمزيات جديدة.
لقد خص عمر أفا ومحمد الحاتمي الخطاب الفقهي بإفاضات كبيرة، ولم يحفلا كثيرا بإشكاليات الفعل والفعالية الفقهية، في مجتمع تتصادم فيه فعالية العرف والفقه والقوانين الوضعية. لم تعد المؤسسة الأرثوذوكسية تواجه، سلطة العرف وكفاءة “إنفلاس” فقط، بل صارت في تماس مباشر مع معقولية تتخفف من سيادة المتعالي و تحتكم إلى العقل الطبيعي في التعقل وفي التصويب والتخطئة ورسم خطط العمل والسياسات العمومية وتدبير الأجساد.
فهل تمتلك الحظوة المكرسة للخطاب القدامي ولمستتبعاته المؤسسية كفاءة الاعتبار في سياق المجاذبات الفكرية المضاعفة على الأقل؟ ألم يخلق الإبدال الحداثي نماذجه وأطر بثه في اجتماع برسم التحول؟ هل أظهر الخطاب الفقهي براعة في استكناه خصوصية الزمان التاريخي والملابسة المعرفية أم أنه عاد للامتياح من السجل القدامي المفتوح دوما، واعتبر الواقعة التحديثية إبان الحماية وبعدها واقعة عادية في سيل النوازل والمستحدثات الوقتية المعتادة .
( فقد ارتكبنا أسباب العقاب، وموجبات العذاب، فقد شربنا الخمور جهارا، وارتكبنا الفجور المحرمة جهارا وترى النساء في الشوارع كاسيات عاريات جهارا، وتراهن كاشفات الصدور، باديات الأفخاذ والسوق والشعور، وتراهن في الشوارع بالكسوة والسراويل المحددة، وتراهن مظهرات للزينة التي أمر الله بإخفائها وتظهرها للأجانب كأحمائها، وقد قال سبحانه :(ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن). وترى الرجل يشجع بنته وزوجته على التبرج، ولم يدر المسكين أن ذلك من أسباب الفتنة والتعوج. وترى الرجال يحملون زجاجات الخمور ولا يستحيون من الناس ولا من الله الذي يعلم الخفيات والظهور. وترى جماعات من الرجال إلى محل الفجور مترددة، وبزجاجات الخمور معلنة متزودة. وترى أهل الغش في المبيعات لا يتورعون، وترى أهل الربا في الأموال لا يرعوون ولا يسمعون .)
(-الحاج عبد الرحمان الإنزكاني – من أعلام الثقافة بسوس – تنسيق : عمر المستغفر –مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء – الطبعة الأولى – 2004-ص.195-196)
يصر الخطاب القدامي، على التشبث بمواقعه الأنطولوجية التقليدية، ويحيل على الإبستمولوجيا التراثية في منحاها الأشعري. يرجع هذا الخطاب الجفاف وقلة التساقطات المطرية بالجنوب المغربي، كما هو معتاد في المقاربات الأشعرية والعرفانية، إلى المعاقرة والسفور والربا. هكذا ترفع معطيات أنثروبولوجيا خاصة بالجماعة المؤسسة وبملابساتها الإناسية إلى مؤشرات متجاوزة للإنسان ومشترطاته التاريخية، وقادرة على الفعل السالب في أمور النواميس. لم تعد الأفلاك مؤثرة في السلوكيات كما في الفلكيات القديمة أو في التنجيم بل أضحت السلوكيات فاعلة في النواميس وصارفة للقوانين الكونية عن انتظامها. وذلك أثر من آثار القول باللاسببية والإقرار بالتجويز .
لا يعتني هذا الخطاب بالتحقق من سياقاته التأسيسية، ولا بمعاينة منجزات الخطاب الحداثي؛ يكتفي هذا الخطاب باستساغة السنن السني والتأول الأشعري، والذبّ عن المعيارية القدامية، بعيدا عن أي استقراء جديد للواقع، وللمتغيرات الإبستمولوجية والتاريخية. لا يعتني هذا الخطاب بتاريخية المعرفة الشرعية، ولا بالتحول الحال بالإبستيمولوجيا الوسيطية، ولا بالانقلابات الكوبرنيكية المحدثة في بنية العلم نفسه.
ما معنى أداء معرفة وسيطية في وسط يعرف مثاقفة متعثرة، إن من جهة التعامل مع المعرفة التراثية، وإن من جهة التفاعل مع المعرفة الحداثية ؟
تراكم الحداثة المنجزات العلمية فيما تراقب القدامة المباحثات والمناظرات الكلامية أو ترصد الخوارق الكرامية وتعليق الطبائع وانتظام النواميس. والخرق يتحقق هنا بإقحام تدبير الجسد والفعالية الجنسانية، في سريان الإيقاع الكوني، واتساق مكونات المنظومة الكونية.
5- القيادة الكسيمية : إشكال المنهج ومشكلة الرؤية:
تستحق الشخصيات القيادية السوسية معالجات مركبة منهجيا للوقوف على خصوصيتها في معترك الحراك الاجتماعي المحايث والسياسي المفارق في زمان انتقالي نظير الزمان الكولونيالي والاستقلالي. ثمة حاجة إلى الكشف عن شروط إمكان القيادة الكلاسيكية وعن ظروف نمائها وتجذرها في المجتمع السوسي. وكذلك عن مناحي اختلافها مع القيادة الحاحية (الكيلولية أو النفلوسية)، أو المتوكية أو الكلاوية أو الكندافية مثلا. من المؤكد أن الواقعة القيادية السوسية تتحرك بين الثوابت المشتركة ، خصوصا مع القيادة الحاحية والحوزية، والمتحركات والمتحولات الخاصة بالتركيبة القبلية واللفية بسوس .
يقف المؤرخ المتفقه على المفارقة دون أن يكشف عن مقتضيات وجهودها وأبعادها السيكولوجية والفكرية. ما يعنيه هو إخضاع المادة التاريخية للمعيار الفقهي، والتبشير بسريان الدفق الطقوسي حتى لدى من توغلوا في الدهاء السياسي أو في ممارسة العنف المادي أو الرمزي. فالعنف الأقصى لا يقدح في الجدارة الإنتمائية، إن تمسك الفرد المتفرد بالسلطة وبأدواتها ومفاعيلها بالطقوس وأدى الفروض واستجاب لمقتضى الذهن الطقوسي.
يصير العرضي جوهريا في الكتابة التاريخية المتفقهة حين يختلط مقام القيادة بمقام الولاية ،وتضيع قسمات القائد في سديم الطقوسية الجماعية. فبدلا من النفاذ إلى مقتضيات تشكل هذه القيادة أو رسم بورتريه تاريخي للقائد الكسيمي أو للقيادة الكسيمية عموما، فإن المعالجة تنحو منحى المعالجة الاستنقاذية أو الاعتذارية، الباحثة عن حفظ الانتماء والاستيقان من سريان مفعول المتخيل الديني في جماعة مفتوحة على العنف القدامي وعلى العنف الحداثي على السواء .
لم يعد من الممكن مقاربة القياد البدوية مقاربة كلاسيكية، خصوصا بعد تراكم النظريات التفسيرية لهذه الظاهرة، ونشير تعيينا إلى كتابات بول باسكون وعبد الله العروي وجاك بيرك. والغريب هنا أن المؤرخ يتقمص شخصية المناقبي، ويعرض عن جوهر العمل القيادي وعن ماهية المؤسسة القيادية. من الحتمي، قراءة جدل القيادة والعقيدة، وتدخل المتخيل الديني في عمل النسق القيادي؛ إلا أن ذلك يقتضي أولا استقراء حقائق القيادية بما هي مؤسسة لتدبير الأجساد، وإحلال العنف الشرعي محل العنف القبلي أو العرفي ، وربط الاقتصاد وعائداته بالبؤرة المركزية وبمشروعها التاريخي-الاجتماعي.
( أما عن أحوال القائد محمد بن الحاج الحسن الكسيمي فذكر المختار السوسي أنه رغم ما كان يتسم به من الجبروت، فقد عرف عنه أيضا أنه كان يؤدي صلواته، وهو حافظ لكتاب الله، ويداوم على أوراده، وهو تجاني الطريقة، وفي عهد الحماية، حصل على الوسام العلوي الشريف، وكان قد حصل على الدرجة الرابعة سنة 1917، وعلى الدرجة الخامسة برتبة فارس سنة 1918.)
(مدينة انزكان –التاريخ والمجال والثقافة –ص.54)
إن نموذج الكتابة المقدم هنا يمتح من الرؤية العرفانية ومن الكتابات المناقبية أكثر مما يستعين بالأدوات النقدية لتفهم الظاهرة القيادية واستجلاء مكوناتها وخاصياتها البنائية والوظيفية. فالمؤرخ يتقمص شخصية كاتب المناقب الصوفية وهو يكتب عن قائد.ثمة سؤال لا تقترب منه المقاربة التقليدية : لماذا يجتمع العنف والاعتقاد لدى البعض؟ هل يعصم العرفان من الاستعمال الأقصى للعنف، أم أن النوازع أقوى من التهذيب مهما أوغل القلب في التخلية والتحلية؟
فعوض نقد التاريخ المناقبي يغوص تناول القيادة الكسيمية، هنا، في المناقب وفي الخلال؛ وهذا مؤشر، دال على عدم تمكن بعض مزاولي التاريخ الجهوي، من الانخراط في التقاليد التاريخية العلمية، وارتهانهم إلى منهجية تاريخية مثقلة بالهم العقدي وبتكريس سلطة الأرثوذوكسية. ليس التاريخ الجهوي، مستندا تاريخيا –فقهيا للاحتفاظ بالوديعة التراثية وإدامة تاريخ ثقافي متقادم المرجعيات، إلا في تقديرات من لا يملكون شرعية المنهاج ولا العدة التقنية في مضمار الإنسانيات .
تاريخ القيادة الكسيمية، تاريخ حافل بالمتواترات وبالاستثناءات، بفاعلية المؤسسة وبسيكولوجيا الأفراد؛ مما يقتضي منهجية متراكبة للإلمام ببعض خصائصها وبطبائع أفرادها وبآليات التحام السيكولوجيا الفردية بقوة النسق المركزي وسعي القوى الطرفية إلى تحصيل جزء من الريع السياسي وأقساط من الرأسمال الرمزي كذلك. تجتمع السمات السوسيولوجية للمركب الإثنو-قبلي، مع استثنائية الفرد، كما تنضم الرضة الكولونيالية إلى الرضات الأنثروبولوجية المتراكمة، لإيصال القيادة الكسيمية إلى لحظات تراجيدية كبرى، لم تجد بعد مؤرخا محترفا في مستوى دفقها.
لا مجال إذن للاتكاء على الواحدية المصدرية وعلى الأحادية المنهجية في تعقل القيادة السوسية ؛ يمكننا التناهج من حل أشكال الواحدية المنهجية، وتساعدنا الشواهد الغميسة على تجاوز آفات الشاهد التداولي المندرج ضمن نسق ذهني جدير، حقا، بالتفكيك لا بالتلميع، والتقريظ كما هو رائج في التواريخ التداولية .
لا تجب الاستكانة اللاعلمية للشواهد المعسولة؛ فالسفر المعسول منشغل بتبئير بؤر وموشورات الدورة العرفانية، فيما يفضي الانشغال العلمي بنمذجة وتعليل وتنظير القيادة السوسية إلى نقل التاريخ من مضمار التعسيل إلى مضمار التعليل .لا يقطر التاريخ في أنابيق الخلال، بل في مصافي التحقق والاختبار والتدقيق،ولا يسيح في اللامتعين بل يرتبط بنوعية السياق وتركيبة الثقافات التحتية المتصارعة والتحولات الكونية الحافة بمغرب بداية القرن العشرين.
وعليه، لا مناص من تعديد الشواهد، والاستعانة بالمصادر والوثائق والأرشيف المخزني والكولونيالي ، وإرهاف تقنيات التقصي للوقوف على جوانب مسكوت عنها في الرواية التداولية المعهودة.
الكتابة التاريخية في العمق إدراك لجوازية الحادث أو نسبيته الحدثية من جهة وضرورته الوظيفية من جهة؛ ومن هنا فالمؤرخ يحقق نوعا من الاتصال والانفصال عن الجوازية وعن الضرورة معا، ويتعالى عن النمط التعليلي المنمط والإطار الثقافي الكلي الحاف بالحادث أو بالظاهرة التاريخية ؛ أما المؤرخ التقليدي ، فإنه مندغم لا بالمادة التاريخية فقط بل بالمتعاليات المتحكمة في إدارتها وفي تلوينها وتعليليها وربطها بالسياقات التاريخية الخاصة. فكلما ازداد إغراقا في السرد والعرض والتفصيل فإنه يزداد إيغالا في التذكير وفي تثبيت الثابت. والحقيقة أن التثبيت يحيل هنا على المفارقة، مثل استعصاء العنف القيادي على التطهر والتطهير العرفانيين مثلا.
كيف تجتمع الأوراد الأحمدية مع استعمال العنف الأقصى والدهاء السياسي ؟هل يتمكن العرفان من تجفيف منابع العنف في منعرجات الفوضى وانعدام التوازن الثقافي واختلال الانتظام الأنثروبولوجي الخاص بالثقافة السائدة ؟ كيف نبلور الأدوات القمينة بفهم تقاطع الإجراءات القيادية مع المحفزات الينبوعية الطرقية ؟ متى يستقل الفعل القيادي عن الدافع وعن الوجدانية الطرقية ؟ ومتى يخضع لهما وتضمحل بذلك استقلاليته ؟
(ولم يبق له مع الحالة هذه استمتاع بما جمعه وشاده ، إلى أن عزل وفعل به مثل ما فعل بالحاج حماد ، فغادر القلوب كلها كما غادرها قرينه المتقدم ( القائد حماد بن حيدة بن ميس) ، ولكن إن أردنا الإنصاف ، فإن الكسيمي غير سكير ، ولا بمتنازل إلى السواقط ، ولا بمتفخفخ في المجامع ، ويصلي ، وحفظ”القرآن ” ، ويواظب على أوراد له تيجانية ، وهذه كلها انتفت من الآخر …)
(-المختار السوسي-الرؤساء السوسيون –مطبعة المعارف الجديدة –الرباط –الطبعة الأولى – 2010-ص.145) .
ولئن لامس السفر المعسول المفارقة ، فإن مؤرخ”روضة الأفنان ” ، مارس الحرم التاريخي عن القائد الكسيمي ، بدعوى ،نأي أخباره عن السوية الأخلاقية التداولية .ومن الواضح ، أن تاريخيا ، يلغي الحوادث باسم الأخلاق التداولية ، هو أدنى إلى تاريخ اعتباري منتقى بحيث يتسق الحادث الأصغر مع الحادث الأكبر ، والفعل في الهنا والآن مع الفعل في الهناك وآنذاك ، والمغزى الحالي مع المعنى الكلي .
(ومنهم القائد محمد بن الحاج الحسن بإنزكن ، نحي عن القيادة إلى الدار البيضاء ، و أخباره لا تليق أن تكتب .عفا الله عما سلف .)
(- محمد بن احمد الإكراري – روضة الأفنان في وفيات الأعيان –تحقيق : حمدي أنوش-كلية الآداب والعلوم الإنسانية – جامعة ابن زهر – أكادير – الطبعة الأولى – 1998-ص.156) .
تطرح الظاهرة القيادية بسوس جملة من الإشكاليات نجملها فيما يلي :
1-الإشكالية المصدرية : من الضروري استشكال الروايات المتداولة ، بالنظر إلى أحاديتها والى ارتهانها إلى رؤى ثقافية مخصوصة ، و التنقيب عن روايات أخرى مساعدة على تأييد أو تعديل أو نفي ونقض المتداول .لا مجال للتسليم الكلي بمضامين وبمحتويات الروايات الرائجة،حاليا، ولا بكيفية تنظيمها وتنسيقها وتكييفها وتفسيرها في المكتوبات التاريخية النافقة.
2-الإشكالية التفسيرية : من المحقق أن القيادة السوسية ، تمتح من أبجديات القيادة الكلاسيكية ، وتتفاعل معها ، إيجابا أو سلبا ، وتقاسمها خصائصها المركزية ؛ إلا أنها تتكيف كذلك مع السمات السيكولوجية أو السوسيولوجية المخصوصة لكل قائد قائد .لا بد من مراعاة تفاعل العام مع الخاص ، الخصائص العامة مع التلوينات الخاصة بكل سياق سياق، للخروج بتفسيرات متماسكة لقيادة معرضة لتأثيرات ومفاعيل شتى .
3-الإشكالية النظرية :قاد الافتقار إلى رؤية نظرية متماسكة للقيادة السوسية ، إلى إخضاعها لخطاطات مجردة أو إلى أنماط تعليلية مخارجة لطبيعة نسقها أو إلى الاكتفاء بترميقات لا ترقى إطلاقا إلى درجة التنظير الحق. وعليه ، فمن الحتمي ، إنعام وتجديد النظر في القيادية السوسية والبحث عن أنموذج نظري أكثر دقة وشمولية ونفاذا إلى موجهاتها وتوجهاتها ونظام تعضيها وتفاعلها مع مستجدات التاريخ السياسي والاجتماعي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين . من الممكن بالطبع ،الاستعانة ببعض أوجه الفكر الخلدوني أو النظرية التقاسمية أو الأنثروبولوجيا التطورية أو الاجتماعية ،إلا أن الاشتغال النظري يجب أن يوازيه توسيع وتنويع القنوات المصدرية والإنصات العميق للشواهد والوثائق .
(أما حينما تبدع(يقصد الأنماط التعليلية )لأول مرة وتكون لاصقة بمضمون الوثائق ،
فهي نظريات يجب الحكم عليها في نطاق :1-مطابقتها للوثائق .2-قدرتها على توحيد
المعلومات في نسق مقنع ؛ 3-قدرتها على الدفع بالبحث نحو اكتشاف أنواع جديدة من الوثائق .)
-عبد الله العروي –ثقافتنا في ضوء التاريخ –-ص.46) )
مما لا شك فيه ، إذن أن القيادة الكسيمية ، تستحق معالجة علمية أرفع ، ومقاربة منهجية أرقى ، من المتداول الميال، عموما ، إما إلى المبالغة في التقديرات المعيارية وفي المعاينات الانطباعية أو إلى السرديات المقارنة غير الخالية من الإغرابيات ومن المشاهد الفولكلورية.
6- الصورة : التأريخ بالأيقونة:
لا تقدم الصور المقدمة في الفصل الثاني من الكتاب إفادات كبرى عن التاريخ الاجتماعي أو الثقافي للفضاء الإنزكاني أو للمجال الكسيمي. يستلزم التأريخ بالصور،منهجية وطرائق، في التنقيب والتنظيم والاستقراء والاستثمار؛ فالصور وثيقة، جديدة، تضاف إلى الوثيقة الأدبية والإدارية، والى الشهادة الشفوية، وينتظر منها أن تسد ثلم الوثائق الأدبية و أن تحمل إضافات لم تنطق بها الشواهد السابقة، ولم ينتبه إليها الإخباريون والرواة والمؤرخون.
يقتضي التأريخ بالصور، النأي عن الاحتفال بالذات وبالوسط، وانتقاء الصور الأكثر دلالة من منظور التاريخ أومن زاوية الأنثروبولوجيا الثقافية أو الاجتماعية.تنطوي الصور التاريخية، على محمولات دلالية كبيرة، وتوحي أحيانا بما تبتلعه شقوق الكلمات، أو تدفق السرد، أو لا تتسع له دوغمائية التعليل أو الأنماط التفسيرية أو التأويلية المقدمة في ركاب التنظير .تحمل الصور إذن، فائضا معنويا، وإشارات كثيرا ما تتسرب إلى الإدراك أو إلى الوعي، وتحمل المتأمل على استحضار أو التفكير في الشارد أو العابر أو المنسي أو المخفي أو المطموس أو المسكوت عنه .الصور التاريخية، حاملة للدهشة وباعثة على الاندهاش، لأنها تؤشر على انسياب الزمان وارتسام الفوارق بين محطة تاريخية وأخرى، أو بين زمانين متخارجين أو متضادين .يظهر التاريخ مهارة كبرى في الإخفاء وفي المحو، فيما تمتلك الصورة عبقرية الإظهار والتجلية والتدقيق.
خضعت الصور المقدمة للشخصنة، مما أضعف مؤداها التاريخي و الأنثروبولوجي، وقلل من محمولاتها السيكولوجية و السوسيولوجية .لا يعتني المؤرخ بالاستمرارية الجينياليوجية للأسر، بقدر ما يهتم باستمرارية أو انقطاع جينيالوجياها الثقافية أو بانتظام أو باختلال نسقها الاجتماعي.
من الضروري إذن، تدقيق منهجية استثمار الصور والوثائق الأيقونية، في كتابة التواريخ الجهوية، لتفادي مهاوي الكتابة الهاوية اللااحترافية، والاتكاء، اللامنهجي على بلاغة ورمزية الصور .لا يكفي تدفق الرموز الأيقونية، لإحكام منهجية الاستثمار، والإحاطة المتمكنة من السياق الخاص والعام، ومساءلة المنظور، ومؤدى العين الإثنوغرافية الراصدة للفارق أو للمشترك على السواء.
تبدو الكتابة بالصور في هذا الكتاب شاحبة، وقليلة الجدوى المعرفية ؛ ولا يمكن مقارنة عائدها المعرفي بمحاولة أخرى، أكثر غنى نقصد ( ذاكرة أكادير في القرن العشرين – الجزء الأول 1901-1945) و (ذاكرة أكادير في القرن العشرين –زلزال 1960-الجزء الثالث) للحسن الرسافي وإعزا جافري وعبد الله كيكر.
من الضروري إذن، الاعتماد على النصوص الأيقونية ؛ إلا أن توظيفها يجب أن يوجه إلى إنارة المادة لا إلى دعم مواقع الذوات وسلطاتها المتوارثة ،و إلى إيضاح الخفي من أمر الواقعات التاريخية والمسارات الفردية والجماعية.
فكيف تغيب صور القواد الكسيميين وخاصة القائد محمد بن الحاج الحسن الكسيمي، وتحضر صورة أبناء وأحفاد، لا مشاركة معتبرة أو وازنة لبعضهم في الشأن الثقافي أو السياسي؟ هل تؤدي الصور الشخصية المقصود التاريخي أو الأنثروبولوجي هنا؟ ما الفرق إذن بين الألبوم الاحتفالي والكتابة بالعدسة اللاقطة لما يتجاوز معنى الألبوم الفردي أو الأسري؟ أليس التاريخ تثبيتا للعام أو للذاكرة الجماعية، أو للمؤشر العابر للأنا المناقبية أو للنرجسية الفردية؟
كان من الضروري كذلك إرفاق الصور بتعليقات أو بهوامش، استقصاء للمدلول وإحاطة بالمكسوت عنه أو بالمحجوب عن غير العالم بالخصائص المحلية .
7- الحداثة الغميسة :استحضار المغيب:
اكتفى المؤرخان (عمر أفا ومحمد الحاتمي ) بالإطلالة العجلى على بعض مظاهر التحديث والحداثة في السياق الكسيمي، رغم استقرارها النسبي في الأذهان والأعيان.فالسجل الفقهي – الطرقي، أدنى، على ما يبدو، إلى وعيهما الثقافي، والى مقصدهما الإيديولوجي.ولذلك لا غرابة أن تغيب النماذج الحداثية، عن اضمامة عمر أفا، و أن تقتصر على النماذج التداولية في المجتمع التقليدي ماقبل الرأسمالي .
فالحقيقة أن الإنزكانيين، انفتحوا على الحداثات المبثوثة في الآفاق، واحتضنوا، بإيقاعات إيديولوجية متفاوتة، بعض المنازع وحاولوا تمثلها وتجسيدها عمليا في منجزاتهم العملية ومؤسساتهم المستحدثة .
عرفت انزكان منعطفها الحديث والحداثي، بتأثير الوجود الفرنسي، وبتأثير التيارات الفكرية القومية واليسارية الاشتراكية. لم يعرج المؤرخان على هذا المنعطف، بالنظر إلى انهمامهما، بالتاريخ اللاهوتي، وبمؤسسات المعرفة التقليدية، وقلة احتفالهم بالمنجز الحداثي. ولذلك من الحتمي، كتابة تاريح التحديث، بانزكان وبقبيلة كسيمة، ورسم المنعرجات النفسانية والسوسيولوجية، لذلك الانتقال الصعب من اجتماع قروي إلى اجتماع مختلط المرجعيات والتوجهات.ثمة نقلات، يلزم بسط مميزات كل نقلة منها، والكشف عن ثوابتها ومتغيراتها، لانجاز تاريخ التحديث الفكري والمؤسسي بسوس عموما.
لقد حمل الوافد الكولونيالي إبدالا جديدا، وحكم معقولية جديدة في النسيج الجماعي الكسيمي، ودفع الإبدال الثقافي القديم إلى التراجع وإعادة توزيع مواقع النفوذ .وطال التغيير اشتغال المؤسسات القبلية والطرقية، وآليات اشتغال العقل التشريعي .ولم ينقطع التحويل، بعد الزمان الكولونيالي، بل تنوعت مضامينه خصوصا بعد اشتداد المتخيل الوطني واحتداد مثاله اليساري ومثله الاشتراكية بالتفاعل مع المؤثرات المشرقية والغربية والنداءات العالمثالثية.
لقد شملت اهتمامات الإنزكانيين الحداثيين قضايا من صميم ما اعتنت به النخب المغاربية مثل : -مقاربة قضايا وإشكاليات الموروث و الثقافة الشعبية،
-مقاربة قضايا التاريخ الجهوي،
– مقاربة ثيمات وإشكاليات أدبية أو فكرية من منظور اختلافي،
-مقاربة إشكاليات اقتصادية –سياسية من منظور يساري –اشتراكي .
يقود تأسيس سوسيولوجيا الثقافة الحديثة بكسيمة، إذن، إلى إظهار النتوء الثقافي الواقع في هذه الربوع بعد قرون من تسيد المعرفة الفقهية –العرفانية، والى تتبع تشكلات المثقف العصري المنخرط في نسقية معرفية مخالفة للنسقية المعرفية الخاصة بالعالم والعارف التراثيين.لم تدخل الحداثة صرامة التخطيط العمراني وضبط فوضى العمران القروي بانزكان ، فقط، بل حفزت الإرادة الجماعية على الانعتاق من أسر الطرفانية واللامنهجية والترميق الجمعي .كما أغلقت الدائرة القبلية –الطرقية، لتفتح دائرة، ما تزال ملامحها غائمة بفعل التجاور والازدواجية والتوزيع الضمني للمهام بين قدامة تتقن سياسة الحداثة المحروقة وحداثة ما تزال تسيح في الضفاف .
( يتأسس العالم الاجتماعي على الاختلال والفصل واللاتسوية ؛ تتجلى هذه العلامات فيما يلي : وضعية تناقضات ثقافية إرغامية ( التربية الجديدة )، نقل من كون اجتماعي إلى آخر، تحويل في المسارات البيوغرافية ( زواج ونسبة المواليد )، غياب التواطؤ الاجتماعي أو الأنطولوجي بين الفاعل وبين محيطه، التجاذب والتمزق بين العادات المتنافسة، بين التجارب الماضية المستدمجة والوضعيات الجديدة الخ . كل هذا يمكن أن يضاعف الهموم ، والآلام والمساءلات، ولكنه يوضح أن الكون الاجتماعي للفعل لا يتحدد بوضعية واحدة بل بعدة وضعيات. والزمن الإنساني ليس-كذلك- خطيا ولكنه متقطع، ولا متناسق… ).
Hassan Wahbi-Fragments d’ un discours interculturel-littérature et altérité –éditions OKAD-2009-page57)
تنقل شذرات خطاب تثاقفي الثقافة من مدار السكونية والثبات الفقهي القديم، إلى مدار التحول والتثاقف، أي إلى مدار الاختلاف والتعدد والتشظي .تنهض الثقافة هنا، على ثلاثية روجيه باستيد، أي على البنينة وعلى إزالة البنينة وعلى إعادة البنينة، ويعتمد التثاقف على تكييف التغيرات الاجتماعية المصاحبة بنوع من ” التوفيقية الإستراتيجية ” وتركيب الملامح الخاصة وتجميدها وتكريسها مؤسسيا.
– في وظائف الطقوس الإثنو-موسيقية : الفن من الهامش إلى المتن 8
يدرج عمر أفا فن الروايس والفنو ن الطقوسية، ضمن التعابير الترفيهية؛ والحال أن حصر فن الروايس و” أحواش ” في الترفيه، لا ينسجم مع المؤديات الأنثروبولوجية لهذين الفنين ومع متعلقاتهما المرتبطة بالتوازن المعرفي والسيكولوجي والسوسيولوجي الخاص بجماعة تتقن بوحها الخاص، وتنسج سردها وحكيها بمعزل عن تقنينات المعرفة العالمة المحصورة رغما عنها في وظائفية وأدائية خاصتين ومحدودتين.
(ليست المشاركة في أحواش تسلية فحسب : فهي توفر كذلك فرصة لحل الخلاف داخل القبيلة .تستعمل، للمناسبة، المبارزة الشعرية المعروفة بأبراز. يخضع الطرفان المتصارعان لقواعد أحواش ويقبلان أن يصير مشكلهما مبذولا أثناء اللعب .)
(Ahmed Aydon-Musiques du Maroc – EDDIF/Autres temps-deuxième édition -2001-p91) .
ثمة حاجة إلى كتابة، تاريخ الفنون السوسية، والكشف عن دور “أسايس” في التنشئة الاجتماعية والفنية، وضبط الإيقاع الثقافي الجماعي .ليس المرقص الأمازيغي، فضاء ترفيهيا فقط، بل هو قنطرة لتمرير الرسائل واستقبالها، و لصياغة رؤية للعالم ولصعوبات تنزيلها في واقع متحول. وهو كذلك معبر للحالات الوجودية الدنيا والوسطى والقصوى، ولتجادل الإيقاع الفردي مع الإيقاعات الجماعية، ومجاز لصقل العبارة وصوغ لحون الذات وتعابير الجسد. يعرف المرقص كذلك، تجادل المنابع، وتواشج القيعان الثقافية، وتشابك التيارات والجداول ؛ تعانق أناشيد السهول والجبال السوسية، نداءات إفريقيا السوداء ممثلة في ( اكناوي )، وإيقاعات الطوائف الصوفية مثل عيساوة وكناوة وهداوة .يقلص الزمان اللعبي من كثافة الزمن القدسي، ويكشف عن مستويات كينونية، لا تراها الأرثوذوكسية السنية بعين الرضا .” أسايس” هو منصة للتناص، واستعارة الإيقاعات واحتفال الأجساد وإيقاظ جذوة الحياة القابعة في الأعماق، والاشتباك مع الآخر.ففيما ينصرف الفقيه إلى ترصد المطابقات والمخالفات الشرعية، فإن المتخيل الجماعي، يترصد الخبرات ويستعير كل ماله صلة بنسغ الحياة.ورغم اشتداد معارضة النصوصيين لهذا التعبير الأنثروبولوجي، واستصدارهم الفتاوى والنوازل التحريمية، أحيانا، بشأنه، فإن استمرارية هذه الوظيفة الاجتماعية –الثقافية، تكشف عن حيوية هذا التعبير الفني –الفكري، في مجتمع يعرف رغم طابعه الانتقالي وبرانية النظر المعياري، كيف يعقد التحالفات التثاقفية وكيف يقنن الاستعارة الثقافية وكيف يمنح للبعد الديونيزوسي فرصا وومضات للتعبير عن احتداماته وفوراته .فثمة متسع للاستعارة ومتسع للإبداع .وهكذا ترتسم آفاق مؤسسة اجتماعية، منافسة، عمقيا، للمؤسسة الأرثوذوكسية – العرفانية، الساعية، إلى الانفراد بالتحكم وبالتحكيم في أمور تدبير الحيوات والمصائر الجماعية.مما لا شك فيه، أن أحواش شكل مجالا للإبداع والتعبير عن الهواجس الكيانية وعن الانشغالات الوجودية والجمالية و لتكريس تماسك اللحمة والترابط الجماعيين .
مما لا شك فيه، أن ثمة اختلافا طال وظائف أحواش بعد اندماج القبائل في الزمان الكولونيالي وبعد ظهور بعض المستجدات التقانية وتأثر الدلالات الاجتماعية بالمنقولات الجديدة نظير الإيقاعات والأنغام المشرقية والغربية .
(…وتقام هذه الحفلات إما في “أسايس نايت القايد ” ساحة أيت القائد وسط المدينة، أو في ساحة “الكراج” ساحة بئر ائنزران حاليا، فيتحلق الرجال والنسوة، وغالبا ما تحضر فرق أحواش كسيمة، وفرق أجماك هشتوكة و أحواش مسكينة، أو فرق كناوة أو عيساوة، و أحيانا حفلات غناء الروايس، أو فرقة الرماة، وتكون هذه الحفلات بمناسبة الأعياد الدينية أو مواسم كناوة أو مواسم عيساوة …)
(مدينة إنزكان –التاريخ والمجال والثقافة – تنسيق : عمر أفا ومحمد الحاتمي – مطبعة الورود –إنزكان – الطبعة الأولى -2011-ص.42)
اكتفى الكسيميون بالنهل من التعابير الموسيقية السوسية الموجودة، ولم يقدموا منجزا موسيقيا متفردا بالقياس إلى “اجماك” شتوكة أو “درست” طاطا أو” أهياض” حاحا .
لقد احتضن فضاء إنزكان الإيقاعات الغنائية والإيقاعات الطقوسية-الطرقية ( عيساوة وكناوة )، واتسعت أركانه للحب والجمال كما لفرجات النشوة و الجذبة والانخطاف .
عرفت انزكان إذن، فسيفساء من الإيقاعات والرقصات والتعابير الفنية ؛ كما أخضعت الممارسة الثقافية الشعبية، الطقوس الانخطافية المستقدمة أو القادمة من الجنوب أو من الشمال، للتكييف والتلوين . فالإيقاع الكناوي السوسي أسرع من الإيقاع الكناوي المرساوي مثلا . كما يخالف زي الكناوي السوسي زي الكناوي المكناسي . والإيقاع والألبسة مما لا يستهان به في الموسيقى الطقوسية ذات الاستهداف العلاجي والتطهري .لقد انفتح الفضاء الموسيقى والفني الإنزكاني على الإيقاع والمقامات السوسية والإفريقية والصحراوية، مما أهله، في بداية السبعينيات، لاحتضان، ظاهرة ومقام تزنزارت .
من البديهي، إذن، أن تتجاوب الممارسة التأريخية الجهوية، مع المستجدات التقنية في عالم التاريخ والعلوم الإنسانية والاجتماعية عموما، وأن تحتضن آمال وطموحات الفعل التاريخي، المنبثق والتواق إلى نبذ الدوائر الاجترارية للفعل والتاريخ القداميين.لا مناص إذن من إحكام التفكيك وتعيين مواضع الحصر التاريخي في النظيمة القدامية، والانتقال، بعد ذلك، من نحو اللسان ونحو الجنان إلى نحو البرهان!
