إيف شارل زركا Yves Charles Zarka: ليست ثنائية صديق/عدو بل ثنائية حرية/عبودية هي المعيار الحاسم لما هو سياسي أجرى الحوار :جان برنبوم – ترجمة: نبيل أبو صعب
إيف شارل زركا أستاذ الفلسفة السياسية وتاريخ الأفكار بجامعة باريس ـ ديكارت (السوربون) وهو مدير تحرير مجلة ِCités الفرنسيّة. وقد نشر هذا الحوار بجريدة لوموند –عالم الكتب بتاريخ 13-6-2008.
{{>ما هو الموقع الذي يحتله مونتيسكيو وفكره في مسيرتك الفلسفية ؟}}
موقع بالغ الأهمية، رغم أنّي كتبت أكثر عن ماكيافيللي وهوبس وروسو. إنّ مونتيسكيو يلعب في مسيرتي الفلسفية الدور الهام جدّا ذاته الذي يلعبه توكفيل. بداية، درُسته لمدة طويلة ولا أزال أقوم بذلك، إضافة إلى أنه وعلى وجه الخصوص أفادني كمرشد على صعيدين على الأقل : الأوّل نظريّ والثاني جداليّ.
نبذة : ولد شارل- لويس دو سوكوندا، بارون دو مونتيسكيو، في مونتيسكيو القريبة من بوردو عام 1689، ومات في باريس عام 1755 . درس في جامعة بوردو ثم في باريس. عمل كإقطاعيّ وكحاكم بصمت حتى لحظة أصبح شهيرا عام 1721 جرّاء النجاح المدوّي لكتابه الرسائل الفارسية، أحد الأعمال الأكثر تألقا في الأدب الفرنسيّ. قام مونتيسكيو، بعد دخوله الأكاديمية الفرنسية عام 1728، بجولة طويلة في أوروبا استلهم منها كتابه الأهمّ – روح القوانين – الذي لم ينشر بعد جهد كبير إلاّ عام1748. وقد أثارت هذه التأمّلات الجوهريّة التي اتّهمت بالكفر والزندقة جدلا واسعا. شارك فيه مونتيسكيو بنشره كتاب – دفاع عن روح القوانين – وكانت الحصيلة مدهشة، فروح القوانين ترتّبت عنه نظرية عامّة للقوانين، اعتبرت – هذه القوانين – عقلانية رغم تفاوتها اللامحدود، ودراسة تصنيفية للأنظمة السياسية، وتفكيرا معمّقا حول الحرية التي يضمنها استقلال السلطات وتحديدها الدستوريّ. إنّ الغاية النهائية “لتوازن السلطات “هذا جعلُ أيّ محاولة للاستبداد أمرا مستحيلا.
يرى مونتيسكيو أنّه ليس ثمّة حرّية إذن إلا إذا ” وضعت السلطة حدّا للسلطة “. لذا فإنّ فكره يكتسي راهنية ملفتة للنظر، رغم أنّ مفارقة التاريخ الفريدة أرادت أن تجعله أحيانا مقروءا أفضل ومفهوما أكثر في الخارج، في أمريكا على وجه الخصوص، ممّا هو عليه في بلده ذاته.
من الناحية النظرية، يعتبر مونتيسكيو واحدا من الفلاسفة السياسيين الذين أجادوا الربط بين الوصف التجريبيّ للمجتمع، والتحليل التاريخيّ والحكم الفلسفيّ. إنّ دراسة القوانين، باعتبارها علاقات ضرورية تشتقّ من طبيعة الأشياء وتسيَر السياسة، ينبغي أن تتمّ ليس فقط تبعا لبنية الحكومات، بل أيضا تبعا للمجتمع في اندراجه التاريخيّ والجغرافيّ، ولأخلاقه ودينه، إلخ … وفي هذا المنحى، يمكن القول إنّ مونتيسكيو هو وريث كلّ من ماكيافيللي وجان بودان ؛ اوّلهما في معنى الجمهورية وتحليل السلطة وضيلة المواطنة، والحرية، والثاني في معنى الحقّ السياسيّ والتشريع. بيد أنّ مونتيسكيو هو فيلسوف من القرن الثامن عشر تماما. والمجتمع الذي يحلله وينتقده ويحكم عليه هو مجتمع عصره بالضبط، حتى حينما يتظاهر بأنه يتحدث عن مجتمع آخر، سابق أو بعيد.
ربما يمكنني تعريف مونتيسكيو بأنّه شخص واقعيّ يدرك المظاهر المتعدّدة للواقع السياسيّ وهو يعرف بالتالي أنّ السياسة لا يمكن اقتصارها على العمل للوصول إلى السلطة وعلى الصراعات المصلحية، وهذه موجودة لكنها ليست المحركات الوحيدة للسياسة. إنّ قراءة مونتيسكيو تعني إذن العودة إلى الواقع دون تضييع جوهر القيم، والدخول في تحليل بنية المجتمعات وتكوّن الحكومات دون أن تغيب عن النظر المسألة الجوهرية : مسألة الفارق السياسيّ بين حكومة جيدة وحكومة سيئة.
لقد أصاب ريمون آرون حينما وضع مونتيسكيو بين مؤسّسي علم الاجتماع. لكنه ولاعتبارات عديدة، يمثل أيضا لحظة فلسفية حاسمة في التقاء التيار الجمهوريّ بالتيار الليبيراليّ. فهو يمنح الفلسفة السياسية مادة حينما يحصل لها أن تضيع وسط مجردات غامضة، ويمنح علم الاجتماع روحا حينما يقع له أن يفتقدها.
من الناحية الجدالية، بوسعي القول إنّ مونتيسكيو هو الكاتب الذي سمح أكثر من غيره بتفكيك ذلك الوهم السائد : وهم ” الجمهوروية ” ( كلمة جديدة مريعة) التي قد تصبح معادية للليبرالية. هناك بالتأكيد تاريخ للفكر الجمهوريّ، ويمكن للمرء تتبّعه، منذ العصر الاغريقيّ-الرومانيّ وحتى اليوم. بالمقابل، فإنّ فكرة أنّ هذا التاريخ يمكن أن يصبح، في مرحلته االحديثة، ناقدا لليبرالية، وأن يقدم بديلا لها، هي فكرة ترتبط بوهم معاصر ابتدعه منذ وقت قريب بعض المؤرخين الأنكلو- ساكسون وراج في فرنسا. والحال فإن مونتيسكيو الذي يحتل موقعا هاما في تاريخ الفكرة الجمهورية هذا، هو في الوقت عينه جمهوريّ وليبراليّ. فهو يدافع عن فضيلة المواطنة، وحبّ الوطن وعن الحرية كما جرى تصوّرها في العرف الليبراليّ الناشئ، فقد كتب في “روح القوانين ” : ” الحرية هي الحقّ في فعل كلّ ما تسمح القوانين بفعله: فإذا ما استطاع مواطن ما فعل ما تمنع القوانين فعله فإنه لن يتمتع بالحرية مستقبلا لأنّ الآخرين ستكون لديهم أيضا هذه الاستطاعة ذاتها “.
{{>أيّ من نصوص مونتيسكيو كان الأكثر تأثيرا وإلهاما لك ولماذا؟}}
لنتذكر، بادئ ذي بدء، أنّ مونتيسكيو ليس مفكرا فحسب، بل كان أيضا كاتبا من الطراز الرفيع. وقراءة أحد نصوصه لا تعلِِم فقطِ، بل تخلب اللبّ. وقد أثّرت فيّ أيما تأثير تأملاته حول أسباب عظمة الرومان وأسباب انحلالهم. وشغفت كثيرا بالتحليل الذي أجراه لأزمات الجمهورية الرومانية وفسادها. وفيه أنّ انقلابها كان نتيجة للفساد الذي انتقل من السياسيين إلى العسكريين ومن هؤلاء إلى الشعب ذاته. ويبدو لي أنّ تدمير المؤسسات الجمهورية وفقدان الحرية أمران جوهريان هنا : فنحن ننسى أحيانا، واليوم أيضا، واليوم على وجه الخصوص أنّ الحرية ينبغي أن تٌكسب وأنها يمكن تٌفقد، وإلى الأبد أحيانا.
بيد أنه لا يمكن فصل” التأمّلات ” عن “روح القوانين ” الذي يكامل فيه التعاليم الكبرى. ولعلّي أتوقف عند نقطتين كبريين من هذا الكتاب. أوّلا، دراسة ما يمكن أن ندعوه اليوم “السلطات – المضادّة”. ثانيا، الدفاع عن الحرية السياسية. فيما يتعلق بالنقطة الأولى، فإنّ السؤال الأهمّ الذي يطرحه مونتيسكيو هو معرفة كيف نمنع تعسّف السلطة، علما أن من يتمتع بسلطة أيَا تكن سوف يجد نفسه بالضرورة منقادا للتعسّف، على أيّ حال إن لم يواجه عائقا ما، وقد كتب : ” لكي لا يستطيع أحد التعسّف بالسلطة الممنوحة له، ينبغي بمقتضى الأمور أن تضع السلطة حدّا للسلطة ” إنّ ضرورة التفريق بين السلطات والفصل بينها تنبع من هنا. وهي باتت الحصيلة النهائية لفكرة أي ّدستور ليبراليّ. النقطة الثانية، الدفاع عن الحرية السياسية، ترتبط ارتباطا وثيقا بفكرة حدود السلطة : “الحرية السياسية في مواطن ما تتبدّى بهذا الإطمئنان الروحيّ الذي ينتج عن الرأي الذي يحمله كل فرد عن أمانه ولكي يمتلك كل فرد هذه الحرية، ينبغي أن تكون الحكومة تلك الحكومة التي لا يمكن لأيّ مواطن فيها أن يخاف أيّ مواطن آخر”.
{{بحسب رأيكم، اين يجد هذا الكاتب اليوم راهنيته الأكثر حدة؟}}
أودّ أن أقارب هنا جانبا مختلفا. لو سأل أحدهم مونتيسكيو أيّ ثنائية من المفاهيم تحدّد أكثر بحسب رأيه الميدان السياسيّ، لأجاب كما أظنّ؛ التعارض بين الحرية والعبودية : فهناك حكومات تقود إلى الحرية، وأخرى تقود إلى العبودية. وجلُ السؤال هو في معرفة كيف نشجّع الأولى ونقاوم الأخرى. إنّ الحرية والعبودية هما في الواقع، حسب ما أرى، المفهومان الأكثر أهمية في السياسة، وهما اللذان يمكن عبرهما، تحديد إن كانت مسألة ما سياسية أم لا. إذن وبخلاف ما يقال عادة، بل ويكرر اليوم، فليس ثنائية صديق/عدو بل ثنائية حرية/عبودية هي المعيار الحاسم لما هو سياسيّ. وهذا يعني ببساطة أنّ جوهر السياسيّ لا ينبغي أن يؤخذ بدلالة العدوّ ( داخليّ أو خارجيّ )، أي الحرب، وإنما بدلالة الحرية والسلام. إنّ السياسة لا تزول حينما تتوقّف الحرب، الأمر الذي يتفنّن البعض مع ذلك لإيهامنا به. إنّ معاداة الليبرالية السياسية ( من قبل اليمين أو اليسار) تُعرف بسلبية أغلب الأحيان بأنّها معارضة الليبرالية، لكنها تخفي عموما ما هي عليه حقيقة : فكر سياسيّ أفُقُه ُغير القابل للتجاوزهو الصراع والمواجهة والحرب. وحول هذه النقطة أيضا، يحدّد مونتيسكيو روح الليبرالية السياسية.
العنوان الالكتروني لمجلة: Cités
www.revue-cites.net
