الأستاذ حميدة النّيفر لـ”لأوان”: جوهر الإسلام مسعى لا ينتهي ولا تنضب طاقاته.
{{أجرى الحوار: حسن بن عثمان}}
الأستاذ الدكتور حميده النيفر من الشخصيات الفكرية والأكاديمية المرموقة في تونس وفي خارجها، وفضلا عن بحوثه ودراساته وكتبه وعن تجربته العميقة في التدريس، فهو من الرواد البارزين في نوعية من الطرح التجديدي في الخطاب الديني الإسلامي، وكانت له مجلة شهرية مختصة بهذا الشأن أصدر منها الكثير من الأعداد في تونس ثم توقفت بعد أن استقطبت نخبة من أصحاب الذهن الوقاد والأسئلة الجريئة، وكان اسم المجلة مثيرا في حدّ ذاته (21/15) للإيحاء بإمكانية التقاء وتحاور الزمن الإسلامي في تاريخه مع الزمن المسيحي، بصفته الزمن الرسمي أو الإداري للحضارة الإنسانية الراهنة.
كان الأستاذ حميده النيفر من أسماء تيار اليسار الإسلامي المعروفين للمهتمين بشأن الإسلام، وعمل على تأسيس هذا التيار في تونس، في هذا الحوار التي تفضل به مشكورا لـ”لأوان” رغم حالته الصحية المتوعكة، شفاه الله، نستعيد معه بعض سمات تفكير اليسار الإسلامي كفكرة تنظيم وكأسلوب تفكير وكمواقف حول بعض القضايا العويصة فقهية وتراثية وفي الواقع. وفي ما يلي نص الحوار…
{{>شهدت الساحة الفكرية والسياسية والدينية العربية خلال السبعينات والثمانينات بروز تيار سمّى نفسه اليسار الإسلامي، وكنت أحد رموزه الكبار خصوصا في تونس، هذا التيار حين نسأل عنه حاليا لا نظفر بشيء كما لو أنه اندثر. لو نستعيد معك ظروف نشأة تيار اليسار الإسلامي وما كان يطرحه على نفسه من مهام فكرية وثقافية ودينية وسياسية؟}}
>اليسار الإسلامي في منطلقه كان اسم مجلة في مصر صدرت في السبعينات وكان مديرها والمسؤول عنها الدكتور حسن حنفي أصدر منها عددا واحدا يتيما كبير الحجم. وإذا أردنا محاولة فهم هذا الخط علينا أن نتذكر غلاف عدد المجلة المذكورة الذي كان عبارة عن صورة لجمال الدين الأفغاني، وفي ذلك موقف وإيحاء بموقف يذهب إلى أن مشروع اليسار الإسلامي تواصل مع التوجّه الإصلاحي الذي ظهر منذ القرن التاسع عشر مع الأفغاني، فلم يكن في اعتبار حنفي أنه يسعى لإحداث قطيعة مع التجربة الإصلاحية. لكن بطبيعة الحال، مشروع اليسار الإسلامي، كما وضعه حسن حنفي، يتجاوز القراءة الإصلاحية إذ يعتبر أن هناك على الأقل ثلاثة مسائل جديدة ينبغي أن يواجهها هذا اليسار الإسلامي. النقطة الأولى تخصّ المسألة الاجتماعية وهذا وجه اختيار تسمية اليسار، وبما يجعل الإشكالية الأساسية لليسار هي إشكالية سياسية اجتماعية. النقطة الثانية التي اشتغل عليها توجه اليسار الإسلامي هي ضرورة إعادة قراءة التراث الديني سواء كان متصلا بالفقه أو بأصول الدين أو التصوف أو بكل القضايا الكبرى التي عالجها هذا التراث. النقطة الثالثة هي قضية الآخر والعلاقة به… وإذا شئنا أن نلخّص اليسار الإسلامي نكتفي بهذه النقاط الثلاث، التي كانت تميّزه عن غيره من الحركات والتيارات بمختلف تسمياتها وانتماءاتها.
{{>ما هو جانب الأصالة والطرافة في هذه التجربة التي كأنها انتحلت اليسار الماركسي العربي وتسمّت باسمه وأضافت لنفسها صفة دينية انتسبت بها للإسلام، لكن أين في كل ذلك الإضافة الذاتية الخاصة بها؟}}
>أظن أن العكس هو الصحيح. أساسا اعتمدت رؤية إصلاحية إسلامية كما كانت تستوعب ما كتبه الإخوان المسلمون في فترة من الفترات، ثم تتجاوزه بالنقد. وكانت تستوعب المناهج التحليلية للتاريخ التي طرحها اليساريون العرب. فهي أضافت هذا البعد على الرصيد الأصلي الإسلامي. كانت إضافتها الحقيقية في المنهج الذي اعتمدته والذي استفادته من الأدبيات اليسارية العربية وغير العربية … إن المضاف في المسألة هو الانفتاح على الفكر الإنساني وعلى قيمة التقدم فيه، ولذلك حين أردنا أن نفكر في تسمية في تونس لهذا التيار لم نستنسخ عبارة اليسار الإسلامي، وإنما فضّلنا عبارة أخرى “الإسلاميون التقدميون”، باعتبار أن الإضافة التي قدّرنا أنها ذات أولوية في هذا المشروع الجديد هي قيمة التقدم الإنساني الذي يمكن أن تشترك فيه جميع المجتمعات البشرية، فهو القاسم المشترك بينها وهو أفضل ردّ على فكرة التميّز الإسلامي الذي يتبنّاه البعض، أو تميّز المركزية الأوروبية التي يتبنّاه البعض الآخر… كنا نتبنّى الجانب اليساري الاجتماعي مثل إيلاء الواقع وأولويته في تحليل المشاغل المختلفة التي تواجه المجتمعات، لكن نعتبر هذا ضمن قضية أكبر هي رفض للجوهرانية في تجلياتها المختلفة، أي رفضنا القراءة التي تعتبر مثلا أن جوهر الإسلام هو عدوانيته وصداميته، ولا يكون غير ذلك. كما رفضنا اعتبار أن الغرب هو كتلة واحدة منتهية جامدة ليس فيها إلا التحلل الخلقي كما يطرحه البعض الآخر.
{{>لكن إذا نزعنا عن الإسلام شعوره بالتميّز والامتياز وجردناه من جوهره، خصوصا مع فقه متراكم وفقهاء لا ينفكون يتحدثون آناء الليل وأطراف النهار، وما بين الليل والنهار، عن جوهر واحد خالد للإسلام لا يبلَى، منحهم أسرار فهمه ومفاتيح مغلقاته فصاروا هم المستأمنون عن تميّز الإسلام وجوهريته؟}}
>للإجابة هناك أكثر من زاوية نظر. زاوية أولى هي أننا نجد فكرة التميّز الإسلامي في النص التأسيسي موجودة لكن مشروحة ومشروطة، مشروحة ضمن سيرورة تاريخية وضمن علاقة المسلمين بمن سبقهم من أصحاب الرسالات الأخرى فتميّزهم في جانب منه يراعي هذا الجذع المشترك الذي يضمّهم إلى من سبقهم. من هذه الناحية يتميّز الإسلام باحترامه لهؤلاء السابقين وبإضافته لما ميّز رسالته بالنسبة إلى ما انتهى إليه الدين حين يصبح مٌمَأسَسًا في أطر، فاقدا للقدرة على التجديد.
أما بخصوص جوهر الإسلام فهو مسعى لا ينتهي ولا تنضب طاقاته إذا اعتبرنا أن الحضور الإلهي ليس خاصا بفئة دون أخرى. إذن، جوهر تميّز الدين الإسلامي في عدم تعيّن الجوهر، واعتبار أن امتلاك الحقيقية بصورة نهائية أمر لا إنساني… وكدعم لهذا التميّز الذي استقيناه من النص ينبغي الإلحاح، من زاوية أخرى، حضارية هذه المرة، وهي المتعلّقة بما أنتجه الفلاسفة المسلمون وبعض المتكلمين المسلمين من جهة، وبعض المتصوّفة من جهة أخرى، الذين واجهوا خط الانكفاء الذي انخرط فيه المحدثون ودعّموا به سلطا سياسية معيّنة في التاريخ.
{{>ومثل هذه القضايا هي من الدّقة بحيث لا يستوفيها حوار صحفي مهما كان عميقا ولكن تستوجب البحث العلمي الممنهج.
أعود إلى تسمية اليسار الإسلامي التي أراها شبيهة، من جهة المفارقة والالتباس اللغويين، بتسمية قصيدة النثر في حقل الأدب العربي، مع أن قصيدة النثر العربية راكمت تجارب شعرية مهمة ولا تنفك تحوز الاهتمام من قبل الشعراء والدارسين والقراء، في حين أن اليسار الإسلامي كمقترح ثقافي وإيديولوجي وسياسي يتقلّص باستمرار ويكاد يندثر، فماذا تقول في أمر المسمّى حين يرفض اسمه؟}}
>كتسمية لا شك أنها لم تكن تسمية محظوظة، لكن كمنهج تفكير له نوع من الحضور المتواصل في صيغ وتعبيرات مختلفة. وما هو موجود الآن من تساؤلات كبرى بين النخب المسلمة في إيران مثلا حول قضية ولاية الفقيه وقضية أولوية الشريعة الإسلامية على الجماعة هو جزء من ديناميكية التفكير التقدمي الإسلامي. ولو واصلنا في محاولة مسح لما يجري في أجزاء أخرى من العالم الإسلامي غير العربي كتركيا وباكستان وماليزيا وما يكتب بأقلام مسلمة في العالم الغربي كأوروبا والولايات المتحدة لوجدنا أن هذه الحركية الفكرية تواصل فعلها وتحليلها من أجل رؤية مستقبلية تختلف اختلافا جذريا عما يبرز خاصة في الساحة العربية وما يطرح فيها من رؤى تقوم على المفاصلة والتكفير والدعوة الجهادية.
{{>لكن الدعوة الجهادية موجودة بدرجة أكثر حدّة لدى المسلمين من غير العرب، هناك حيث محاضن تفريخ الجهاد المحارب الصلب المقطوع عن اللغة العربية، لغة القرآن، وهناك تنشط القاعدة وتوسّع من قاعدتها وقواعدها؟}}
ثمة مركز الصورة وأطراف الصورة. لنأخذ باكستان نموذجا، ماذا يعرف عموم المثقفين العرب عن مفكر باكستاني مثل فضل الرحمن الذي توفي عام 1988 مقارنة بما يعرفونه عن المودودي أو أمير الجماعة الإسلامية الحالي في باكستان. المشكلة باختصار في العالم هي أن الفكر التقدمي يظل فكر أقلية مرتبطا بأشخاص وغير مصاغ صياغة مؤسساتية. ليس له مؤسسات قادرة على تنمية طاقاته، مقارنة بالفكر السلفي التقليدي، الذي له جذور تاريخية أولا، وله أطر تنظيمية جماهيرية واسعة، ويتناغم مع عقلية رد فعلية، أكثر من عقلية نقدية.
{{>وهل تأمل مثلا، وأنت المختص في الشأن الإسلامي والمشغول به، في يوم يكون فيه الفكر النقدي التقدمي الإسلامي يحظى بالانتشار والأنصار، بما يحافظ على مكاسب الدولة العربية الحديثة، ويدعم تلك المكاسب على قلّتها وهشاشتها؟ ولا يتركها عرضة لجماعات الإسلام السياسي بملامحها الحالية المفزعة وتفكيرها التكفيري التجهيلي وعداوتها الصميمة القاتلة للحياة والإنسان؟}}
>كيف سينمو هذا الفكر النقدي في العالم الإسلامي وتحت أي اسم سيكون؟ هذا أمر لا نستطيع توقعه بصفة مضبوطة. ما أستطيع أن أؤكده أن حظوظه والطروحات التي يمكن أن تتولّد عنه هي التي تفتح الأفق للبلاد العربية والإسلامية أن تصبح فاعلة في عالم معولم. أما ردود الفعل الظرفية العنيفة والإنكفائية فهي عاجزة عن أي تغيير نوعي في خط عولمة متوحشة. أما من يقسّم العالم إلى فسطاطين فهو يراهن أن الحقيقة حصرية لديه، معدومة لدى الآخر، ومن ثمة فهو عاجز عن المساهمة في فكر إنساني وفي الإجابة عن معضلات الحياة الإنسانية، قد يكون له في المدى القريب نوع من الرواج والقوة ولكنه في المدى المتوسّط والبعيد لا يمكن أن يشكّل رهانا للمجتمعات والأفراد.
>من العوامل الخطيرة التي تغذي هذا التوسّع الكبير للإحيائية الجهادية نجد أولا: مشكلة المؤسسة التعليمية في العالم العربي وتراجع الرهان على المعرفة في هذه المؤسسة، وهذا ينتج عنه حالة من اليأس وانسداد الأفق ويشجّع على الإقبال على الحلول السهلة القائمة على عقلية الفسطاطين. ثانيا: الأوضاع وفرص المساواة بين الناس خصوصا في ظل اكتساح هذه العولمة التي لا تحمل قيمة العدل أساسا من أسس خطابها وانتشارها مقارنة بقيمة الربح والسوق والمردودية المادية . أما العامل الثالث الذي يُعِين على دعم هذا التوجه فهو موضوع الحريات السياسية والثقافية والفكرية التي تشهد تراجعا بصفة واضحة، وكأن هناك اتفاقا ضمنيا بين مختلف مكونات المشهد السياسي، الحاكم منه والمعارض والمستقل، على أن الحرية هي مسألة لا ضرورة لها، وهذا رأي يجمع حوله من في الحكم ومن في المعارضة، بدليل أن الأحزاب المعارضة لا تثبت من خلال تجاربها وممارساتها أنها تراهن على الحرية كقيمة وخيار وتحقّق في الواقع.
{{>تطرح في إحدى دراساتك أن هناك ثلاثة عناصر أساسية لا يمكن إهمالها لكل فكر وسعي من قبل المجتمعات العربية والإسلامية إذا رغبت في أن لا تندثر في عهد العولمة، وتحددها في مسائل المرأة والهوية والإبداع. اسمح لي أن أراجع معك هذه العناصر الثلاثة. لنبدأ بالهٌوية. فما هي الهُوية وما هي دوائرها وما هو الحاسم فيها؟}}
>الهُوية ليست جملة خصوصيات لها تشكل نهائي، بل فيما أفهم من الهُويّة أنها في حالة تشكل دائم . البعد الديني في الهوية التونسية أساسي، البعد العربي أساسي، البعد المتوسطي أيضا. هذه الجوانب من الهوية هل لها صياغة نهائية وسقف تقف عنده؟ أم أنها في حالة نموّ متواصل على ضوء الحراك الاجتماعي الثقافي في البلاد. المشكل في الهُوية هي كيف نفهم الهُوية وليس المشكل في الهوية ذاتها. الرهان على اللغة العربية جزء من الهُوية، لكن المشكل هي كيف نصوغ هذا البعد من الهُوية في ضوء مجتمع، قِسْمٌ منه يرفض هذه اللغة، وقسم آخر لا يجيدها، وأقسام أخرى تعتبر أن اللغات الانجليزية أو الأسبانية أو الصينية أو الألمانية هي لغات المستقبل. إذن هذا البعد من الهوية يحتاج أن يتمثل هذا التعدّد والاختلاف من أجل إثبات قيمة اللغة العربية وطرق تعليمها وكيفية تطويرها بما يسمح لها فعلا أن تكون مؤثرة في مجتمعها المصطبغ بصبغة التعدّد اللغوي. ويمكن أن نتحدث بنفس المنطق عن البعد الديني والبعد المتوسطي.
{{>المرأة، وما أدراك ما المرأة، خصوصا التونسية من النساء. حيث أن التجربة المجتمعية التونسية الحديثة تشاكلت وتضافرت مع مشروع الدولة التونسية المستقلة. هذه الدولة هي التي جادت على المرأة بحقوق ومكاسب جعلتها متفوقة في حقوقها على الكثير من النساء في الشرق والغرب، بصورة تجعل من قضية المرأة في تونس ليست على ذات الحدّة التي تطرح بها في مجتمعات عربية وإسلامية ما تزال تخفي المرأة وتتستّر عليها كعورة، ماذا تقول حول هذه المسألة التي انشغلت بها واشتغلت عليها؟}}
>صحيح أن مشكلة المرأة في تونس ليست مطروحة بنفس الإلحاح المشاهد في المجتمعات العربية الإسلامية الأخرى، لكن أفهم أن قضية المرأة مرتبطة بقضية أعمق سواء عندنا أو عند غيرنا، وهي قضية الشريعة والقانون، وخلاصتها: هل يجوز للإنسان أن يشرّع القانون أم أن القانون له صبغة إملائية فقط من خارج الإنسان. ما سميته أنت قضية الخفاء، يتحدّد في ما يمكن أن يقال عن الوضعية الخفية للمرأة المسلمة ومرتبط بهذه الإشكالية الكبرى، وهي إشكالية، في الحقيقة، قديمة عالجها مفكرون مسلمون في الفكر الإسلامي الوسيط، وخاصة عند بعض المعتزلة، الذين اعتبروا أن العقل يمكن له أن يصل إلى الحقّ دون المرور بطريق الوحي، والعبارة المعروفة ” الحسن والقبح عقليان”
{{>ماذا عن سفور المرأة وتسفسرها، أي لبسها السفساري التونسي أو ما يقوم مقامه من “لباس ستر”… كيف سيكون تعامل الرجل الشرقي، في نظرك، مع هذه الأوضاع العولمية المستجدة وهو العالق في ذكورة تخشى على نفسها أنوثة متحررة وسافرة؟}}
>لا أتصور أن السفور فيه إثارة أنثوية أكثر. أما الجانب التقليدي كرؤية سائدة في المجتمعات فهي ناتجة من أمرين، أولا: تعميم حكم قيمة على تجربة الحرّية في المجتمعات الأوروبية دون اطلاع كاف عما يوجد ضمن تلك المجتمعات من حركية تعمل على تركيز قيمة الحرية للمرأة ومن ثمة للمجتمع بأسره. ثانيا: اختزال قيمة الشرف العربي في أمور محدودة واستبعاد معاني أخرى جديدة لهذه القيمة لا يمكن التوصل إليها إلا بتعليم المرأة وحرية عملها والرهان على ذكائها وقدرتها على حماية نفسها. كأن ثمّة حَوَلاً فكريًا يجعل العيون منحرفة إلى زاوية ما لا تبرحها.
{{>المرأة في تونس بين الحداثيين بمن فيهم السلطة الحاكمة وجماعات الإسلام السياسي صارت مجال النزاع الأكبر بين تيارين كبيرين ومزايدات ومناورات بينهما إلى درجة جعلت فصيلا كبيرا من الإسلام السياسي المحظور يعترف بمجلة الأحوال الشخصية التونسية، التي كانت بدعم من بورقيبة عدوّهم اللّدود حيّا وميّتا، ويقرّ هذا الفصيل بالكثير من حقوق المرأة التي أصبحت في تونس من المسلّمات والبديهيات، فهل ترى أن مواقف جماعات الإسلام السياسي من مثل هذه المواضيع هي مجرد مناورات وتصريحات التفافية، أم ماذا؟}}
>من الأشياء الغريبة في تونس هي كما لو أن ثمة التباسا في علاقة المرأة بمشروع الحداثة، بينما إذا تفحصنا ما وقع إرساؤه منذ بداية القرن العشرين في تونس يتبيّن أن المشروع الحديث انضوى فيه تحديثيون تونسيون متأثرون بالقراءة الأوروبية الفرنسية للحداثة إلى جانب إصلاحيين عروبيين يؤمنون بنهضة الشرق، ولم يكن التمفصل على الصورة الراهنة، وللعلم أن أول طبيبة تونسية تخرّجت وهي من عائلة محافظة سنة 1924. ما آل إليه الأمر منذ الستينات هو استقطاب بين مشروع حداثي لا يمثله إلاّ اختيار واحد، من جهة، ومن جهة أخرى مشروع تقليدي يراهن على انحسار كل الجهود التحرّرية التي وقع التوصل إليها فيما سبق. مسألة المناورات والحلول الالتفافية وجدت أم لم توجد لا تهمّني، الأهم عندي هو إنكار كل الجهود التحررية للمجتمع التونسي أو لقطاعات واسعة من المجتمع ضمن المسيرة التحررية للمرأة من أسر التقاليد. جامع الزيتونة تخرّجت منه نخب مختلفة منها، فيما يتعلق بموضوعنا، من اعتبر أن التحرر الاجتماعي رهين انعتاق المرأة من التقاليد الآسرة، ومن أهم هؤلاء شخص مغمور هو الشيخ سالم بن حميدة الأكودي الذي ربّى بناته الثلاث تربية متميّزة، فكانت لهن مساهمات اجتماعية وسياسية تحتاج إلى أن تُدرس. وللذّكر فإن إحدى بناته كانت زوجة الأستاذ الهادي نويرة الوزير الأول الأسبق في عهد بورقيبة.
{{>نصل في الختام إلى عنصر الإبداع التي تعوّل عليه كثيرا كمدخل رئيس للإقامة في هذا الزمن المتعولم، هل أنت مع الإبداع بكل معانيه ومستوياته بلا حسيب ولا رقيب؟}}
>المفارقة في المجتمعات الإنسانية هي أنها بقدر ما تمجّد زعماءها ومفكريها وشعراءها وفنانيها في القديم بقدر ما تُعرض في الواقع المعيش عن كل نوازع التغيير، كأن المجتمعات تقول عن الحاضر: ليس بالإمكان أكثر مما كان، بينما حين تعيد النظر في الماضي يقول لسان حالها: كان بالإمكان أفضل مما كان… النزعة التقليدية في المجتمعات الإنسانية نزعة مستحكمة وفاعلة، ومن هنا تبرز أهمية الفرد. لا تستطيع المجتمعات أن تخرج من أسر هذا الارتهان إلا بالرّهان على قيمة الأفراد وحريتهم وطاقاتهم الفكرية والروحية التي تتيح المجال للتجاوز المتواصل لما وقع الاتفاق حوله في القضايا المختلفة والخلافية.
{{>أرغب في سماع رأيك، ونحن بصدد الإبداع والمجتمعات، عن علاقة حرية الإبداع في رأيك بسلمان رشدي وروايته “آيات شيطانية” أو ما يسمّى بالرسوم المسيئة للرسول الكريم الخ..؟}}
>إذا أخذنا أمثلة محددة متعلقة بقضية الإبداع وما أثارته بمناسبة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول وكذلك رواية سلمان رشدي وأيضا رواية تسليمة نسرين… المشكلة أن هذه الأمثلة دخل فيها على الخط الحضور الأوروبي، أي كأن الإبداع هنا يستقوي بالغرب لفرض نوع من الإلزام الذي لا يتوخّى حركية ذاتية للإبداع. بينما روائي كنجيب محفوظ رغم أنه تعرّض في فترة من الفترات لمضايقات ومخاطر فلا نزاع بين غالبية النخب العربية على كفاءته الإبداعية باعتبار أنه استلهم أساسها من حياة المجتمع العربي ومشاغله بطرح إنساني مدرك للمشاغل الكبرى التي تخترق المجتمعات الإنسانية. فالإبداع هو جدل بين ذات مأزومة ووعي إنساني مفتوح، أما إذا كان بقصد مزيد هزم هذه الذات المأزومة المهزومة فإنه لا يفضي إلا إلى مزيد من الانقسامات، وإلى سوء فهم البعد الكوني لخصوصية المجتمعات. أعتقد في الأخير أن هناك أشياء في المجتمعات العربية والإسلامية تتبدّل ولكن ببطء
