الأصولية إلى أين؟.. الخبر في مشهدين

{{المشهد الأول:}}

في الخامس من نيسان الجاري ومن خلال نشرات الأخبار لبعض الفضائيات اللبنانية(الجديد والمنار خصوصاً) تعرّفت على آخر إبداعات تيارات الإسلام السياسي، الشيعيّ هذه المرّة، ومهارات التدخّل والتغلغل في كل شيء وإلباسه طابعاً دينياً بل واحتفالياً بكلّ صراحة. وإن كان أمراً طبيعياً بحتاً وهو البلوغ. ليس المقصود بلوغ سنّ الرشد، وهو ما تختلف القوانين التي تحدّده تبعاً لثقافة كلّ دولة من الدول، وإنما البلوغ هنا بمعناه الفيزيولوجي الخالص. والموضوع بدقّة كما أوردته قنوات التلفزة التي ذكرت: رعاية سماحة الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله وحضوره شخصياً لحفل رسمي نظّمته جهات الحزب المختصّة بمناسبة “الاحتفال ببلوغ عدد من الفتيات سنّ التكليف الشرعي”!!. وظهرت في التقارير التي غطّت الخبر مشاهد لطفلات بعمر الورود لكنّهن محجّبات، ويستطيع المشاهد تمييز ملامحهنّ الطفولية البريئة رغم ذلك. وتقوم بتكريمهنّ بهذه المناسبة محّجبات أكبر منهن سنّاً وحجماً ومرتبة حزبية بلا شكّ. ويبارك كلّ ذلك راعي الاحتفال الشيخ نعيم قاسم بابتسامة راضية. ثم يعتلي سماحته المنبر ليتحدّث في أمور تتعلّق بالانتخابات النيابية اللبنانية وهذا ما سنعود إليه لاحقاً.

نستطيع أن نفهم من هذا الحدث أنّ كلّ طفلة بلغت سنّ الطمث أو الحيض (وهو نظرياً بين التاسعة والحادية عشر من عمرها) تستحقّ الاحتفال والتهنئة، لما هي مقبلة عليه حسب ما يرى السادة في حزب الله وفقهاؤهم. أمّا سبب تلك المباركة وذلك الاحتفال فلأنّها ـ باعتقادهم ـ منذ تلك اللحظة سيتوجّب عليها ارتداء الحجاب والجلباب الشرعي وعدم مصافحة الرجال، كما أنها مطالبة بأداء الصلوات الخمس وصوم رمضان ودفع الزكاة والحجّ إن استطاعت إليه سبيلا. ولا ضير إن شاركت في الجهاد أسوة بالصحابيات الأُوَل اللواتي شاركن الرسول محمّدا في غزواته. وبالطبع هي قادرة في هذه السنّ (بين التاسعة والحادية عشر) على كلّ ذلك، وإلا لما كانت حكمة التشريع الإلهي قد كلّفتها عند البلوغ، وحاشى أن يخطئ تشريع أو حكمة إلهيان. ومما لا شك فيه فإنّ من تستطيع القيام بكل تلك الأعباء، ستكون أهلاً لأن تصبح زوجة صالحة متفرّغة لخدمة زوجها ورعاية أولادها وتربيتهم التربية الإسلامية الفاضلة. وطبعاً رغم ((تكليفها)) ومسؤوليتها عن كل ما أسلفنا ومن ثم قدرتها المفترضة على ذلك، فلن تستطيع تبعاً لتشريعهم الإلهي ذاته أن تتزوّج بدون إذن من وليّ أمرها. ولا يوجد ما يمنع أن يكون زواجها على سبيل المتعة بزمنٍ وأجرٍ معلومين تبعاً لذات التشريع.

{{
المشهد الثاني:}}

بالعودة إلى الجانب الآخر من الخبر فقد وجدها الشيخ قاسم نائب الأمين العام فرصة لبداية التوعية أو لنقل التوجيه السياسي لهذه المجموعة من المؤمنات، ووضعهن مبكراً في أجواء توجهات الحزب الانتخابية وتصنيفه للحلفاء والأعداء من جهة. وتحديد وإعلان بعض المواقف السياسية والانتخابية ضمن حملة الحزب ومعركته الانتخابية من جهة ثانية.

وبما أنّ الشيخ حسن نصر الله أمين عام حزب الله، يعلن ويفتخر في أكثر من مناسبة أنه وحزبه جنود في حزب ولاية الفقيه والتي تقتضي، حسب ما نعلم، تلقي التوجيهات والفتاوى من الإمام القائد والالتزام والتقيد التامّ بها، فيمكن بالتالي التعرّف على خيارات الناخبين الشيعة من أتباع وأنصار السيد نصر الله وحزبه بمجرد معرفة مضمون فتوى الانتخابات وما قد تأتي به من ((تكليف شرعي)) لمن هم في سنّ التصويت. وهكذا ينعم المؤمنون من الناخبين بديمقراطية الرأي الواحد لآلاف الأصوات، بكل الحرية التي تكفلها لهم الفتاوى والتكاليف الشرعية، ودوام ظلّ ولاية الفقيه، إلى حين ظهور إمامهم الثاني عشر محمد بن الحسن المهدي المنتظر.

ولمعرفة تأثير الفتوى بشكل أكبر يمكن الرجوع إلى الشخصية الشيعية بل الإسلامية الأهم والأبرز في القرن الماضي، إن لم يكن في التاريخ الحديث، ونقصد آية الله “العظمى” روح الله الخميني. فهو الوليّ الفقيه وأوّل مرشد للثورة الإسلامية الإيرانية فيقول: “إن مداد أقلام الفقهاء مقدّس كدماء الشهداء”(1) بعد كل هذا التقديس للفقهاء وفتاويهم لن يخرج عن مأثوراته وتعاليمه لا أتباعه وورثة ثورته، ولا أتباعهم أو وكلاء استيراد وتوزيع تلك الثورة التي بشّر الخميني نفسه بتصديرها وأشرف على ذلك مباشرة في أيامه الأخيرة.

ومن مأثورات الخميني أيضاً، أنه حين سأله محمد حسنين هيكل في لقاء معه في باريس عشية الثورة، عن رؤيته لعلاقة الدين بالدولة، وموقفه من الرأي القائل بضرورة الفصل بين الدين والسياسة، كان جوابه ما نصّه: “هل ابتعد الرسول عليه الصلاة والسلام عن السياسة؟ ولو كان هو مجرّد رسول من الله فقط لسلّم القرآن للناس واختفى بعد ذلك. لكن الله أمره بالجهاد في سبيله. فقام بتنظيم المجتمع، وكان بمثابة الحاكم للجماعة. فقاد الجيوش في المعارك وأرسل السفراء ووقع المعاهدات. إنّ القول بفصل الدين عن شؤون الدولة هو محض هراء وهذا ما يريده الإمبرياليون. يريدون إقناعنا بأنّ الدين مسألة لاهوت لا أكثر”(2). والغريب أنه يروي حادثة جرت بعد القبض عليه في العام 1963 ولا يرى نفسه متناقضاً فيها أبداً: “حيث جاءه شخص من القصر وسأله لماذا يشغل نفسه في السياسة وقال: إن السياسة كلها غدر وأكاذيب ونفاق ومن الأفضل أن تتركها لنا. وكانت إجابة الخميني بأن هذا الوصف ينطبق على السياسة التي يمارسونها لكنه لا ينطبق على السياسة الإسلامية”!!(3).

مع معطيات تاريخية وواقعية بكل هذا التأثير والزخم السياسي والأيديولوجي، فإنّ زمناً طويلاً سينقضي قبل أن تكفّ تلك الـ “أكثرية حقيقية” كما يسميها زعماؤها، عن هذا الاعتقاد وبالتالي ما ينتج عنه من أشكال السلوك العملي والخيارات الاستراتيجية. إنها أكثرية لبنانية الجنسية لكنها خمينية الهوى خامنائية القيادة، وتنتظر انتصارا، ربما تريده أن يكون من النوع الإلهي هذه المرة أيضاً في الانتخابات النيابية اللبنانية القادمة.
فيما لو حصل فالكلفة ستكون مرتفعة. وكعادته المؤسفة دافع ضرائب المنطقة الأول: لبنان سيدفع الثمن.

{{هوامش}}

(1) مدافع آية الله: محمد حسنين هيكل، دار الشروق، الطبعة الرابعة 1988، ص 182.
(2) نفس المصدر.
(3) المصدر السابق، ص183.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This