الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (2)

ليست الأقلّيات أقلّية لكونها أقلّ عددا وأضعف كمّاً نسبةَ إلى أكثرية. ليس المجال هنا مجال حساب وكمّ وعدد. من هذا المنظور ربّما كان العكس هو الصحيح. ربّما كان عدد السود أكبر بكثير من عدد البيض، وربّما كان سكّان القرى أكثر من سكّان المدن، وربّما كان النساء أكثر عددا من الرجال، وربّما كان صغار السنّ أغزر عددا من كباره…لكنّ الأغلبية تبقى لكبار السنّ العاقلين الذين يقطنون المدن ويتحدّثون منطق المدينة ولغتها.

إن لم تكن هناك فروق كمّية، فإنّ التفاضل يبقى مع ذلك قائما. وهو يكون كذلك نسبةًَ إلى معيار ونموذج. لا يعني ذلك بالضرورة أنّ الأغلبية هي التي تعمل على فرض هذا المعيار وتكريسه، بل إنها تفترضه كما أوضح ج. دولوز. الأغلبية “تخضع” للمعيار، والمعيار هو الذي “يوجِد” الأغلبية، كما يحدّد الأقليات. بهذا المعنى فإنّ السلطة ليست للأغلبية، وإنّما للمعيار. وبهذا المعنى أيضا فإنّ الأغلبية ليست أغلبية نسبةً إلى قوّة وسلطة.

للمعيار والنموذج علاقة بالثقافات التي ينمو في حضنها. لكنه اليوم يريد أن يقدّم نفسه على أنّه “كونيّ” شموليّ. هذا المعيار هو الرجل الأبيض الذكر العاقل السويّ الذي يقطن المدينة ويتحدّث لغة رسمية. نسبة لهذا المعيار تتحدّد الأغلبية اليوم، بل يتحدّد الإنسان و”الطبيعة” البشرية، ونسبةً لهذه الأغلبية تتحدّد الأقلّيات المخالفة لونا ودينا ومسكنا وجنسا ولغة.

على هذا النحو فليست الأقلية جزءا من كلّ أو قسما يضاف إلى مجموع، وإنما هي هامش نسبةً إلى مركز. وهي، ككلّ هامش، ما تفتأ تنجرّ نحو المركز وتعلَق به، لكن لا لتحلّ محلّه، ولا لتقابله وتناقضه، وإنما لتفضح مركزيته الموهومة. العلاقة بين الأقلية والأغلبية ليست علاقة ضدٍّ بضدٍّ، أو خارجٍ بداخل. الهامش ليس خارجَ داخلٍِ، وإنما هو الحركة التي تبيّن أنّ كلّ داخل ينطوي على خارجه. إنّه القوى المتنافرة والتوتّرات التي تدفع “المركز” لأن يخرج عن ذاته، ويفقد توازنه، يفقد “صوابه”. الهامش ليس نموذجا مضادّا، إنّه خلخلة للنمذجة ذاتها.

بناء على ذلك، فإنّ الأقلّية هي فضاء الحركة والتحوّل، مجال الممكن، ميدان “الوعي المطلبي”، فضاء الصيرورة. أوضح دولوز أن ليست هناك صيرورة في مستوى الأغلبية. الأغلبية نموذج. الأغلبية لا تصير. ما من صيرورة إلا للأقليات. وهي إذ تصير، لا تصبو أن “تكون” النموذج، أن تكون الذكورة بدل الأنوثة، أن تغدو الأبيض بدل الزنجيّ، السويّ بدل المعاق… إنها لا تسعى أن تصبح مركزا، وإنما أن تفضح المركزية ذاتها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This