الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (21)
لا تطرح الإنسانية عادة على ذاتها من المشاكل إلا ما تستطيع حلّه، وطرح مشكلة الأقلّيات ربّما يندرج ضمن هذا السياق، فمع بروز العولمة وانتهاء ما سمّي بالحرب الباردة، طرحت هذه المشكلة ذاتها لا نظريا فقط وإنما عمليا أيضا، وانطلق سعيٌ محمومٌ عبرالعالم لتأكيد الخصوصيات والمميّزات لهذه المجموعة البشرية أو تلك. وذلك في تناقض حادّ، يا للمفارقة، مع دعاوي الكونية اللصيقة بالعولمة، التي رافقتها أزمات على مستوى العلاقات بين الدول والشعوب، جعلت إعادة النظر في ترتيب العلاقة بين ما يسمّى “أغلبية” و”أقلّية” أمرا ملحّّا في عدد من البلدان من بينها البلاد العربية.
ومن الواضح أنه في زمن الأزمات العاصفة تطرح المجموعات البشرية على نفسها مشكلة التعرّف على ذاتها، والبحث في ما يجمعها وما يفرّقها عن غيرها، ومن هنا تطلّ إشكالية العلاقة بين الأكثرية والأقلّية برأسها، ويحدث ذلك بأشكال مأساوية في الغالب.
وعلى هذا النحو فإنّ التساؤل عن الأقلّيات يجد مبرّرات طرحه في واقع مضطرب تسوده صراعات دموية محتدمة، يقتتل فيه المضطهدون في الأغلب فيما بينهم ويلحقون ببعضهم البعض أفدح الأضرار. ويحدث ذلك في ترافق مع العودة القويّة للمقدّس الدّينيّ في تمثّل الهوية، ويخطئ من يعتقد أنّ تلك العودة تحدث فقط في المجال العربي، فهي تسم العالم قاطبة، وتقترن بأكثر الجوانب المظلمة في الايدولوجيا الدينية، حيث تتمّ مخاطبة عواطف الناس وانفعالاتهم للتأثير عليهم في اتجاه التمترس وراء هذه أو تلك من الجماعات السياسية، التي لا تجد من برامج تعبوية غير الشعارات الدينية الفجّة فتستثمرها لإحاطة نفسها بعصبية طائفية أو مذهبية، ربّما اقترنت في الأصل بأقلّية مهدورة الحقوق.
ولا شكّ أنّ طرح الأسئلة ومجابهة الإشكاليات تحليلا ونقدا من شأنه أن يمهّد سبل حلّها واقعيا، وبالتالي فإنّ الاعتراف براهنية إشكالـــــــــــــــية “الأقلّيات” هو من قبيل الاعتراف بما يطالبنا الواقع الحيّ بالاعتراف به.
إلى حدّ زمن قريب كان السؤال الخجول عن الأقلّيات منشدّا إلى ما يجمع لا إلى ما يفرّق، حيث غلبت الدعوة إلى الوحدة والتضامن والاندماج والتكامل والاتحاد، ولا ينبغي التغاضي عن المنزلقات التي اقترنت به، حيث تمّ في ظلّ إنكار هويّات الأقلّيات التي ظلّت منبوذة مهمّشة، والأمر نفسه يحدث حاليا ولكن بصورة عكسية، فتطارح السؤال يرافقه ضجيج إعلامي، ويتمّ من زاوية تأكيد الخصوصية والذود عن الهوية ومديح الانفصال.
وكما نلاحظ، ترتبط إشكالية الأقليات بإشكالية أخرى مجاورة لها ونعني إشكالية الهوية، وما يحصل الآن بين أوساط المثقّفين والسياسيين من صراع مرير حول مسألة الهوية، ليس إلا انعكاسا لما يعتمل داخل المجتمعات من انقسامات قومية ودينية ولغوية، تعدّ هي ذاتها من حيث الجوهر تعبيرا عن مصالح متضادّة.
وعربيا يحدث ذلك في ظلّ انفلات الجماعات الدينية الأصولية من عقالها، وهي التي لا تتوانى عن تكفير من يخالفها متعصّبة لهوية دينية مغلقة، أقرب إلى الملّية والطائفية، ترفض كلّ ما لا يتّفق معها باعتباره كفرا ونفاقا، بينما يظلّ الصوت العقلانيّ خافتا ومحدود التأثير من حيث انصهاره في نسيج الحياة الاجتماعية، دون إنكار ما سجّله من اختراقات مهمّة خلال السنوات القليلة الماضية حاملا معه ملامح مجتمع المستقبل.
وإذا كان السائد في الخطابات الرائجة هو النظر إلى الأقليات عل أسس ثقافية وجنسية وطائفية، فإنّ الغائب هو النظر إليها وفق سياقات اجتماعية، أي في علاقة بالبنية الطبقية للمجتمع فليس من العسير البرهنة أنّ هذه الشريحة الاجتماعية أو تلك، التي تتعاطى مهنة مضنية تمثّل من حيث خصوصيتها أقلّية ضمن البنيان العامّ للمجتمع، وإذا جمعنا “الأقليات الاجتماعية” بعضها إلى البعض لا بالمعنى الكمّي فقط، وإنما أيضا من حيث التأثير الاجتماعيّ المرتقب، ضمن طبقات، فإنّها تكون أغلبية المجتمع التي ترزح تحت وطأة القهر والحرمان، بينما من بيدهم سلطات المال والسياسة والايدولوجيا هم من يمثّل الأقلية المترفة، وهو ما ينعكس على مستوى الأجهزة المكوّنة للدولة.
وعلى هذا النحو فإنّ ما يبدو انفصالا على المستوى الدينيّ والطائفيّ والمذهبي والجنسيّ، يغدو اتصالا على المستوى الطبقيّ، حيث نكون إزاء طبقات يوحّدها الموقع الذي تحتله ضمن علاقات الإنتاج، بل إنّ هذا الاتّصال يمكن الوقوف عليه أيضا على المستوى الوطني، ففي فترات الصراع ضدّ الغزاة الخارجيين كثيرا ما يتكاتف أبناء الشعب الواحد بغضّ النظر عن انتماءاتهم إلى هذه الأصول أو تلك لنيل الحرية، ولنا في وقائع التاريخ شواهد على ما نقوله؛ ففي المغرب هناك الحالة الجزائرية حيث قاوم العرب والأمازيغ الطغاة الفرنسيين كتفا لكتف، والصورة ذاتها يمكن معاينتها في المشرق من خلال الحالة الفلسطينية بين المسلمين والمسيحيين في الكفاح ضدّ الصهيونية، وذلك رغم التكتيك الاستعماري القائم على بثّ الفرقة والانقسام.
وقد يكون مهمّا اليوم خلخلة أركان الحديث الرائج عن الأقلّيات بالتأكيد على ما هو طبقيّ ووطني في نضال البشرية من أجل الحرية، فعند حصول ذلك فإنّ وجهة الصراع سوف تكون مختلفة، وعوضا عن الاقتتال بين المقهورين سنكون في حضرة كفاحهم المشترك من أجل حقوقهم المشروعة، بما في ذلك المساواة بينهم على شتى الأصعدة القانونية والثقافية والاجتماعية.
وإذا عدنا إلى مسألة الأقليات من حيث تطارحها الرائج حاليا، فإنّنا نلاحظ الاهتمام المتزايد الذي حظيت به خلال السنوات الأخيرة من طرف الدول الكبرى، ووجد طريقه إلى الهيئات والمنظمات الدولية حيث صدرت جملة من القرارات لهذا الغرض، من ذلك ما نص عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 47/135المؤرّخ في 18 كانون الأول/ديسمبر 1992 في مادّته الأولى من وجوب ” قيام الدول، كلّ في إقليمها، بحماية وجود الأقليات وهويتها القومية أو الإثنية، وهويتها الثقافية والدينية واللغوية، وبتهيئة الظروف الكفيلة بتعزيز هذه الهوية”. وبقدر ما تتضمن هذه المادة من وضوح فإنّ المادّة الثانية من القرار ذاته يلفّها الغموض حيث تنص على:”يكون للأشخاص المنتمين إلى أقليات الحقّ في المشاركة الفعّالة على الصعيد الوطني، وكذلك على الصعيد الإقليمي حيثما كان ذلك ملائما، في القرارات الخاصة بالأقلية التي ينتمون إليها أو بالمناطق التي يعيشون فيها، على أن تكون هذه المشاركة بصورة لا تتعارض مع التشريع الوطني”. وطالما أنّ التشريعات تخضع إلى مشيئة الأغلبية عبر الاستفتاءات وما شابهها، فإنّ هذا التقييد من شأنه أن يجعل مشاركة الأقلّية في تقرير مصيرها مفرغا من القيمة الحقيقية.
إنّ الكيانات القوية الفاعلة المهيمنة لا تطرح في الأغلب أسئلة عن هويتها بقدر ما تستغرق في إلحاق ما عداها، وتسود لدى هذه الكيانات النزعة الكوسموبوليتية، بحثا عن فضاء كونيّ يسمح لها بمزيد التمدّد اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، وإذا طرحت تلك الكيانات مشكلة الأقليات فإنّها لا تطرحها في علاقة بداخلها وإنما بخارجها، وهذا ما يصحّ على أمريكا والاتحاد الأوربي اليوم بشكل خاص، وقد كان الأمر كذلك بالنسبة لشتى الإمبراطوريات عبر التاريخ، وفي الوقت الذي تسعى فيه تلك الكيانات إلى تدمير الهويات القائمة فإنّها تلجأ إلى اصطناع “أقليات وهويّات” أخرى لكي تعتمدها كسلاح في معركة التمدّد المشار إليها.
ومن هنا فإنّ الاتجاه ناحية تحرير الأوطان والارتقاء بشعوبها من شأنه أن يمكّن من بناء علاقة سليمة بين شتّى مكوّناتها، فعندما تكون “الأقليات” القومية مثلا حرة، في كيان واحد يجمعها على قدم المساواة، فإنّها تختار اتّحادها أو انفصالها عن طواعية، بعيدا عن الحروب ومآسيها، وسيكون أمام البشرية المضيّ بخطى عملاقة في سبيل الوصول إلى ذلك اليوم الذي تبني فيه مجتمع المستقبل، حيث تختفي البغضاء القومية والدينية والجنسية، وينتفي الاستغلال والتمييز بين الناس لأيّ سبب كان. ومثلما يصح القول إنّ أمّة تضطهد أمّة أخرى هي أمّة غير حرّة، يصحّ أيضا اعتبار أن “أغلبية” تضطهد ” أقلية” من الأقلّيات مهما كان لونها هي “أغلبية” مستعبدة.
وبالنسبة إلى الحالة العربية، فإنّ بناء الدولة الديمقراطية العلمانية، التي توفّر للجميع المساواة الحقوقية، من شأنه تخطي الانتماءات الطائفية والمذهبية، وبالتالي تحويل الناس إلى مواطنين، والكفّ عن التعامل معهم كرعايا، على النحو الذي يصبحون فيه مشاركين فعليين في الحياة العامة بما يفتح آفاقا أرحب للتطور الاجتماعي. أمّا إذا تأخّر هذا الحلّ فإنّ تشظّي الكيانات الحالية قد يصبح قدرا لا فكاك منه، بعد توغّلها في سراديب الاحتراب والاقتتال والتدمير الذاتي.
إنّ ديالكتيك “الأقلية” و”الأغلبية”، يفرض انفتاح الهوية على ما هو أرحب منها، وإذا ما تمّ وعيه وجعله واقعا حيّا على مستوى الممارسة، فإنّه يمكّن الكيانات المهدّدة بالتقسيم من ولوج عوالم أجمل وأفضل.
ومن هنا فإنّ إشكالية الأقلية والأغلبية لا تستدعي فقط الوقوف على ما هو كائن وإنما أيضا البحث فيما ينبغي أن يكون، فالشأن الإنساني مفتوح على مخارج متعددة، ووعى الضرورة في الطبيعة كما في الحياة الإنسانية، شرط لا غنى عنه لولوج ملكوت الحرية.
إنّ الهوية الجوهرانية الطاهرة المطهّرة ليس لها وجود واقعيّ، وإنّما هي وهم ميتافيزيقي تمّ إنتاجه إيديولوجيا لخدمة غايات سياسوية غير خافية، فالهويات متغيّرة متكثّرة، ولدت وتطوّرت في خضمّ التاريخ، الذي لا شيء فيه ثابت غير التغيّر نفسه.
وإذا كان من الصائب الدفاع عن هذه الهوية أو تلك في ثرائها وتطوّرها ضدّ محاولات مسخها، فإنّه من الصائب أيضا الدفاع عن الهوية الإنسانية في وحدتها الأنطولوجية وتعدّدها الأنتروبولوجي، على النحو الذي يمكن فيه المزاوجة بين الوحدة والكثرة في تفاعلهما الديالكتيكي.
