الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (18)
من المسألة الأمازيغية في المجتمعات المغاربية، إلى مأساة السود والبيض في موريطانيا والسودان، إلى توتر علاقة المسلمين والأقباط في مصر، إلى الفسيفساء السياسية المذهبية المتفجّرة في الشام والعراق، إلى اضطهاد “البدون” في الخليج العربي…هذه صورة مركّزة لوضع “الأقلّيات” و”الأغلبية” في العالم العربيّ تتوفّر فيها كلّ عناصر الانفجار الكامن والفعليّ الذي سيؤدّي –على ما يبدو- بالمنطقة إلى مزيد التأخّر والتفكّك.
فلا المشروع الإسلاميّ المسدود الآفاق، ولا المشروع القوميّ المنهار الأركان نجحا، أو سينجحان، في احتواء هذه الكارثة المهدّدة وتجاوزها.
والخطابات الشوفينية، و”المشاريع” الطائفية هي نذر إشعارية بهول القادم وليست معالجات استباقية له.
كما أنّ الخطابات السطحية حول “الاختلاف”، وما يستتبع ذلك من تمجيد موتور لهويات انغلاقية بعينها هي في الواقع تعتم على الرؤية ولا تجليها.
كما أنّ المزايدات الصحفية من قبيل القول بـ”انقراض العرب” هي مفرقعات إعلامية ليس إلا: فشعوب انقرضت ككيانات سياسية- هذا صحيح- وبقيت ثقافاتها، لكن لا نعرف ثقافات انقرضت وبقيت شعوبها!
فالثقافة هي أسّ الوجود والاستمرار… لأنها هي التي تشدّ وتلحم. والمقصود هنا، بالطبع، ليس الثقافة التي تقمع وتلغي وتهمّش باسم وحدة “ميتافزيقية” مزعومة (= إسلاموية أو عروبية)، ولكنّ المقصود هو الثقافة التي “تدمج” عبر صيرورة ما يمكن أن ندعوه بـ”البناء المدني للمجتمع”.
والبناء المدني للمجتمع يقتضي أمورا ثلاثة أساسية:
أوّلا: بناء الفرد المواطن المقتسم – مع مواطنيه- لحدّ معيّن من قيم المواطنة.
ثانيا: إبراز قيم المواطنة هذه ذاتها باعتبارها قاعدة التنشئة الاجتماعية الأساسية.
ثالثا: صيرورة التنشئة الاجتماعية هذه وتحقّقها المفترض عبر مسارين: المدرسة العمومية المتحرّرة من الحجر السياسي/الديني، والفضاء العمومي المتجاوز لنطاق الطائفية والانتماء الانغلاقي.
وعليه، لا يعود المطروح هو حقوق الأقليات السياسية، لأنّها في هذا المنظور هي حقوق مضمونة، ولكنّ المطروح… هو واجبات الأغلبية الثقافية… ممثّلة في بناء هويّة المواطنة وتقعيد الحوار المدني الديمقراطي.
وهذه مسألة -على ما يبدو- تقع فيما وراء مسألة الأغلبية والأقليات.
