الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (24)
“متسامحون فيما بيننا، لا إكراه في الدين بين ظهرانينا، لا ردّة ولا حسبة لدينا ولا هم يجلدون. يشيد البوذيون معابدهم كما شاؤوا في بلادنا وكذلك يبني إخوتنا المسيحيون وأبناء عمومتنا اليهود المعابد والكنائس والأديرة على راحتهم.. يمكن أن تغيّر دينك عندنا كما تغيّر قميصك. أنت حرّ في بلاد الإسلام. القبطيّ مواطن لا ذمّيّ ومن ألحد فهو منّا. للشيعيّ قيمته وسط السنّة وللسنّيّ بين الشيعة مكانة أيضا.. والأحمديّ والبهائيّ وهلمّ جرّا..فكلّ الأديان سواسية كأسنان المشط في ربوع وطننا العربي الإسلامي الكبير. نعوذ بالله من شرّ الغرب الذي يحسدنا على هذه النعمة، نعمة العدل والسلم والإسلام”.
من يعتمد على ما يقول المسلمون وما يكتبون يمكن أن تنطلي عليه هذه الكذبة الكبرى وربما تطربه هذه الأغنية الشجية.
ملتقيات تعقد وأموال تصرف تحت يافطة تقديم الإسلام الصحيح المتسامح للغرب، مجرّد ذرّ رماد في العيون. هل الواقع على الأرض الإسلامية كفيل بتسويق إسلام مثاليّ متسامح يتعايش دون استعلائية مع الآخر المختلف؟ هل يمكن الوصول إلى إرساء مواطنة حقيقية في ظلّ أحكام شريعة أساسها التمييز بين المسلم وغير المسلم، بل استئصال غير المؤمنين بالشريعة السمحاء.
مَن لا يتحاشى محك الواقع كما يفعل هواة الكلام الفضفاض، يصل بسهولة إلى تفكيك ذاك الخطاب المؤمثل، ويقف على حقيقة الخراب الذي تعيشه الحرية الفردية وحقوق الإنسان، في البلدان التي يتمّ فيها تغليب الشرع على العقل. وحدها الأسئلة المستمدّة من الواقع تهدم بناءات الخطاب الإسلامي الافتراضية، وتظهرها عارية لا يسترها سوى تماسكها اللفظي وانتفاخها البلاغي. التفاتة سريعة إلى الوراء غير ملوّثة بالإيديولوجية الإسلامية ومتحرّرة من ثقافة القطيع، تظهر تعاسة ذلك “الماضي السعيد المتوهّم” الذي تُعطل من أجل إعادة إحيائه مسيرة مجتمعات برمّتها وترتكب من أجله كلّ المنكرات.
لنستنطق الواقع كيلا تنطلي علينا أزعومات المتأسلمين وما تجترّه الثقافة العربية الغالبة من أضحوكات!
هل من العدل أن تحاكم شابة جزائرية بالغة لأنها اختارت المسيحية دينا في بلد يضمن دستوره حرية الاعتقاد؟ حتى وإنّ سلمنا جدلا بوجود تبشير واسع النطاق كما تقول السلطات الجزائرية فأين المشكلة؟ هل الدولة مسؤولة عن وعي الناس ودواخلهم؟ لماذا نحرّم على غيرنا ما نجيزه لأنفسنا؟ ما الفرق بين الدّعوة والتبشير؟ لماذا يمنع غير المسلمين من الاقتراب من مكة! أليس من الغريب أن تنصّ أحكام المادة 132من قانون الأحوال الشخصية السوريّ على إلحاق الولد بدين أمّه المسلمة إن كان والده غير مسلم باعتبارها في نظر المشرع السوري أشرف الأبوين دينا! ألا يشترط دستور إيران في الفقرة الخامسة من المادة الخامسة عشرة بعد المائة أنّ الاعتقاد بمذهب التشيّع شرط أساس لتولّي المناصب؟ كيف يمكن أن نصل إلى هضم الحرية الدينية واحترام عقائد الآخرين واختلافهم إذا لم نفصل ديننا عن دنيانا؟ هل يتوافق اعتماد الشريعة أساسا لتشريعاتنا مع مبدأ الحرية الدينية؟
على الرغم من أنّ المواثيق الدولية تضمن حرية الاعتقاد والإلحاد وحقّ كلّ إنسان في تغيير معتقده كما يشاء، يعاني غير المسلمين في أغلب بلدان الإسلام من أحكام شريعة لا يؤمنون بها أو لم يعودوا كذلك.
قال المسيح في الخمر يوما” إنها تبعث النشوة في نفوس المؤمنين”. لكن إذا كان المرء سودانيا ويدين بدين سيدنا عيسى يجلد عشرين مرة عوض الأربعين المسلطة على أخيه المسلم إذا ما شرب قدحا! أما في مصر التي يؤكّد البند الثاني من دستورها منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، ورغم أنف الأقباط، أنّ الشريعة هي مصدر التشريع الأساسي، فيمنع بيع النبيذ مثلا خلال شهر رمضان حتى للمصريين من ذوي الديانات الأخرى أو الــ “بدون”.
“ألم يعلن السيد محمد مهدي عاكف، المرشد الروحي للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان بأنّ الماليزي أو الأندونيسي المسلم أحبّ وأقرب إلى قلبه من القبطيّ المصري”؟ لا يزال ينظر إلى الأقباط على أنهم أهل ذمّة إذ لم يصبح عيد فصحهم عيدا وطنيا رسميا في أرض أجدادهم إلا عام 2002. بدؤوا يهمّون بترك الديار بعدما ازداد تعرّضهم للاعتداءات الجسدية والمعنوية. اغتصبت واختطفت وأرغمت على اعتناق الإسلام والزواج فتيات قبطيات كثيرات. أحرقت معابد وأتلفت محاصيل لدفعهم إلى المغادرة. أما في فلسطين المنكوبة فقد فرضت حركة حماس خلال الانتفاضة الثانية الجزية على المسيحيين الفلسطينيين لأنّهم، عملا بمبدإ الذمة، لا يشاركون في الجهاد فهاجر بعضهم إلى الخارج، وهو ما فعله مسيحيو العراق أيضا جراء التفرقة الدينية التي باتوا يعانون منها.
“تجربتي كشخص تلقّى تعليمه الابتدائي والمتوسط في المدارس السعودية، وكشخص واظب على حلقات التحفيظ، أثبتت لي أنّ الخراب الذي تحدثه هاتان المؤسستان في العقل خراب يدوم مدى الحياة ونسبة الأمل في إصلاحه ضئيلة جدا”، هكذا يتحدّث الصحفي والناشط منصور الحاج عن التعليم في المملكة التي تطلب كتبها المدرسية الرسمية من تلاميذ التكميلي أن يَكرهوا في الله. ونعثر على هذا العداء للآخر مفصلا في كتاب التوحيد المقرر لطلاب الثانوي حيث يجدد الدعوة إلى كره كل من لا يؤمن بتعاليم الدين الصحيح، واعتباره كافرا. لأن الدين الحقيقي الصحيح والوحيد هو الإسلام، كما تقول الكتب المقرّرة حتى بعد تعديلها جراء ضغوط ما بعد 11سبتمبر. وإذا صدقنا ما جاء في الدرس الثالث عشر من كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب، فإنّ كلّ الأديان الأخرى باطلة، ولا تجلب لمعتنقيها سوى الشرّ.
لا أريد استرسالا نظريا في موضوع الحرية الدينية في العالمين العربي والإسلامي، فالواقع يبيّن لنا كل يوم أنّ السلطات هي التي تحارب التعدد الديني وتطيل من عمر الأحادية، بتمويل وتشجيع لفكر لاهوتي إسلامي متحجّر، عن طريق مدارسها وإعلامها وخطب أئمتها الغلاة وكتابات مثقفيها الأصوليين. لقد تسلّح الجهل بالسلطة كما كان يقول المفكّر فولتير.
لا تدخل ديار العروبة والإسلام إلى عصر الحرية والمساواة والتأقلم مع ما يجري فيه، ما لم يتمّ فيها خصخصة المعتقد الديني، وجعل كل الديانات والاعتقادات متساوية. كلّ ما نفعله يذهب هباء منثورا في ظلّ القوانين المستمدة من الشريعة. لا أمر مجد قبل التخلص من ربقة الشريعة، أو الإسراع في “الانفصال عن الذي لم يعد ممكنا” بتعبير رولان بارت، إذ لا مواطنة سياسية بدون حرية المعتقد. أما آن للعربان أن يعرفوا أن الديمقراطية والشريعة خطان مستقيمان لا يلتقيان إلا بإذن الله . تهدف الأولى إلى تنظيم الاختلاف عن طريق الحوار والتراضي والتنازل المتبادل، بينما تبتغي الثانية إلغاء الاختلاف منتهجة طريق الترغيب والترهيب من قمع ودعوة وهداية وجهاد..تستبعد الشريعة من حياة المؤمن كل مخاطرة، ومن البديهي أن غياب المخاطرة ينسف مفهوم الحرية جملة وتفصيلا.
سؤال أخير كثيرا ما تطمسه القوى المتحالفة مع الإرهاب الإسلامي: لماذا بقي غلاة الأديان الأخرى- اليهود والمسيحيين والهندوس والبوذيين وغيرهم- مجرّد طوائف معزولة ومقطوعة عن الجماهير، بينما تسبح الأصولية الإسلامية في بحر الجماهير المسلمة كسمكة في محيطها؟ شاطر ذلك الذي يستطيع أن يفصل فصلا واضحا بين “لأصوليين” و”المسلمين المعتدلين”، وأشطر منه من يوضّح إن كانت خطابات الأصولية هي التي أدمجت ضمن الخطاب الثقافي الرسمي، أم أن الخطاب الرسمي هو الذي أدمج في الأصولية ؟
العلمانية هي الحلّ المُخلّص للأقليات الدينية والجنسية والعرقية والفلسفية الغارقة في يمّ الأكثرية الدينية المتعنتة في العالم العربي.
