الإعلام والعراق الجديد
في شهر آذار الجاري موعدان على قدر كبير من الأهمية في مفكّرة العراق والعراقيين، وأيضاً في جداول عمل وسائل الإعلام العربية والأجنبية على تنوّعها. نقصد بالموعد الأوّل: الانتخابات التشريعيّة العراقيّة (التي جرت قبل أيّام)، وهي الثانية في تاريخ “العراق الجديد”، عراق ما بعد الدكتاتوريّة ونظام الحزب الواحد، حيث توجّه الناخبون العراقيون إلى صناديق الاقتراع لاختيار برلمانهم الجديد، وبالتالي حكومتهم القادمة.
أمّا الموعد الآخر فهو في العشرين من آذار، الذي ستمرّ فيه الذكرى السابعة لبدء الحرب التي أطاحت بالرئيس صدّام حسين ونظامه.
ربّما تكون المصادفة وحدها هي التي جعلت الموعدين المترابطين قريبين زمنيّاً على هذا النحو الدراميّ، فنحن لن نحتاج كثيراً من التدقيق لتلمّس العلاقة الجوهريّة بين الحدثين والدلالات التي يختزنها كلّ حدث. الحرب التي شنّتها الولايات المتّحدة وحلفاؤها في العام ثلاثة وألفين ـ بما لها وما عليها ـ والتي كان من أهدافها المعلنة “إسقاط نظام صدّام حسين، وتحرير العراق من الدكتاتورية، وبناء نظام ديمقراطي يكون نموذجاً في المنطقة”، تلك الحرب وبصرف النظر عن صدق أهدافها المعلنة والخفيّة أو كذبها، قد هيّئت الظروف الملائمة التي شرع فيها “العراق الجديد” بالتشكّل والتبلور، وما هذه الانتخابات إلاّ نتيجة منطقيّة للعمليّة السياسيّة التي أعقبت نهاية الحرب وزوال النظام السابق. وهي ثمرة للمحاولات المستمرّة من قبل الأحزاب والقوى السياسيّة العراقيّة المنخرطة في العملية السياسيّة، لترسيخ أسسٍ ديمقراطيّة حديثة لنظام الحكم الناشئ في عراق ما بعد صدّام حسين.
بالطبع لم ينته بعد ـ ولا يبدو لنا أنّه سينتهي قريباً ـ الجدل المستمرّ الدّائر حول “شرعيّة الانتخابات في ظلّ الاحتلال”، وعن “التدخلاّت الخارجية” ودور القوى الإقليمية سواء في دعم العملية السياسيّة في العراق أو إفشالها، ومساهمتها في تثبيت أمنه واستقراره أم زعزعتهما، والاتهامات المتبادلة بين مختلف الفرقاء “بالفساد والعمالة”.
الملفت هنا أنّ الحوارات والتحليلات التي تتناول هذه المسائل جميعاً، لا تقتصر على العراقيين من الكتّاب والإعلاميين والسياسيين، بل إنّها تتعدّاهم لتشمل غير العراقيين من العرب والأجانب على السواء.
ولأنّنا نعلم وندرك ما للإعلام من دورٍ أساسيّ وخطير في عالم اليوم، لجهة تشكيل الرأي العامّ، والتأثير في توجّهات الشارع، والمساهمة في صياغة قناعات الناس، يجدر بنا الحديث ـ وهو حديث لا يخلو من الأسى ـ عن الكيفية المتحيّزة التي يتعاطى بها عددٌ غير قليل من وسائل الإعلام العربيّة وغيرها (المرئية والمقروءة والمسموعة)، والتي تصف نفسها بـ”الموضوعية والمهنية”، حيث تعمل بشكل معلن حيناً ومضمرٍ في أغلب الأحيان، ضدّ العملية السياسيّة الجارية وضدّ محاولات بناء نظام ديمقراطيّ في العراق.
من ذلك الطريقة التي تُغطَّى من خلالها الأحداث وحجم تلك التغطية، ونوعية التحليلات والقراءات التي تُكرَّس حيال هذا الحدث أو ذاك. ولا أدلّ على ما ذهبنا إليه ممّا تقوم به وسائل الإعلام التي ذكرنا، أو بعضها على الأقلّ ـ والكلام هنا لا يتعلّق فقط بالانتخابات الأخيرة وما رافقها ـ حين تستمرّ في الحديث عن تفجيرٍ ما، وقع في بغداد مثلاً، فتبثّ مشاهد منه (أو تنشر مقالات عنه) بشكلٍ متكرّر، وتستفيض في التعليقات والتحليلات، على مدى أيّامٍ متواصلة بحيث يكاد المشاهد (أو القارئ) يظنّ في كلّ مرة أنّ الحديث هنا يدور عن تفجير آخر جديد! وكأنّ المطلوب أن تبقى صورة العراق في الأذهان مرتبطة بالموت والتفجيرات والدم والحرائق والدخان. في الوقت الذي كانت وسائل الإعلام تلك نفسها تمرّ مرور الكرام على الموضوع، وكانت أخبارها في معظم الأحيان أقرب إلى “الروتينية” و”الأرقام” منها إلى التعامل الجادّ والمهنيّ، في وقتٍ كان العنف المنفلت والعمليات الإرهابيّة والتفجيرات اليوميّة المتنقّلة، والموت المجّاني العبثي خلال فترات طويلة سابقة، خبز العراقيين اليومي في بغداد أو في باقي المدن العراقية، قبل أن يبدأ الاستقرار الأمني النسبي بالتزايد وتتراجع وتيرة العنف بأشكاله كافّة.
يحيل هذا الكلام في جانب منه إلى ارتباط وسائل الإعلام تلك بأجندات دولٍ لا ترى مصلحةً لها في استقرار العراق، أو في نجاح نموذج تجربته الديمقراطيّة الوليدة، على عكس ما تدّعيه من “الموضوعية” في تناول الشأن العراقي، دولاً أو وسائل إعلام.
من البديهي أنّ أيّ مشروعٍ جديد (سياسيّ، اقتصاديّ،..) قد يتعرّض إلى عثرات وصعوبات في بداياته، فكيف إذا كان مشروعاً بحجم إعادة بناء وطن؟! وطنٌ مزقته عقود من الاستبداد والحروب العبثية.
مع هذا كلّه نجح العراقيون بإرادتهم ورغبتهم المشتركة، في تجنّب الانغماس في الحرب الأهلية الشاملة، والتي اعتبرها البعض حتمية الوقوع، خصوصاً بعد ظهور عمليات انتقامية ضدّ كلّ من كانت له صلة بالعهد البائد، إضافةً إلى فظائع قامت بها فرقٌ تكفيريّة (من الشيعة ومن السنّة) مارست العنف الطائفي. لكنّ الوعي الوطني تغلّب في النهاية، وتمكّن العراقيون وقواهم السياسيّة من تطويق تلك المظاهر التي ثبت أنّ معظمها قادم من خارج العراق.
يقول جاك جوليار: “للاتجاه نحو العنف يكفي أن يرغب به جانب واحد، أمّا لتجنبّه فمن الضروري أن يرغب بذلك جانبان على الأقل” (جاك جوليار، عبقرية الحرية، ترجمة علي الباشا، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1995، ص 47).
إنّ ما شهدناه من حماسة الشارع العراقي للانتخابات، وتراجع الشعارات الطائفيّة لصالح الخطاب الوطني الجامع، والذي باتت تتبنّاه أغلب التيارات السياسيّة العراقيّة، والحضور البارز للقوى العلمانية التي نافست بقوّة في هذه الانتخابات، وارتفاع نسبة المرشّحات في مختلف القوائم، يعكس تطلّع العراقيين إلى الديمقراطيّة وإيمانهم بالتعدّدية ونبذ العنف.
“ربّما لا شيء يمكنه أن يساوي بأهميته الظهور المفاجئ لعدم العنف في التاريخ” (المصدر نفسه)، تلك هي “عبقرية الحرّية”، وهذا ما نشهده في العراق، على الرغم من جميع المحاولات الرامية إلى تشويه الحقائق.
ولعلّ من المفيد هنا أن نسترجع شيئاً من دروس التاريخ، وتحديداً في الحالة اللبنانيّة، حيث كثر الحديث منذ خمسينات القرن الماضي عن عداء الأنظمة العربية للديمقراطيّة اللبنانيّة، وخشيتها من مناخ الحرّيات الشائع في ذلك البلد، فعملت على تدميرها بكافّة السّبل. تؤكّد ذلك الكتابات والتحليلات التي كانت تضع الحرب الأهلية اللبنانية ودور الأنظمة العربيّة في إذكائها ضمن هذا الإطار.
في كتابه (أهل الدين والديمقراطية) كتب الأستاذ سيد القمني إهداءه “إلى العراق الجديد قاطرتنا نحو المستقبل”. لا نعلم إن كان ذلك “الإهداء” أملاً أم نبوءة! في الحالتين هناك من يخشى المستقبل ولا يريد لسكون حاضره وركوده أن ينتهي.
ألا يمكن لنا من هذه الزاوية اعتبار سلوك بعض “الإعلام” ومن وراءه مع “العراق الجديد” بتلك الطريقة مفهوماً؟!
