الاستشكال المانوي للثوابت المسيحية
تمثّل المانوية تجلّيا من التجليات العقدية الأكثر دلالة على التثاقف العقدي – الثقافي بين الشرق الأوسط والشرق الأقصى. لقد تمكّنت البوتقة المانونية من صهر المؤثرات والعناصر العقدية – الثقافية القادمة من عمق الثقافات الهندوسية – البوذية والثقافة الزرادشتية- الفارسية والثقافة الرافدية –السامية. ولا تكمن قيمة التركيب الانشقاقي المانوي في منجزه الاستيعابي الإدماجي للمستوحيات البرهمانية والزرادشتية والمسيحية والغنوصية فقط، بل في تصليبه لمواقف ولتمثلات عقدية – ثقافية شكلت المهاد النظري لبنى عقدية ولمسلكيات عملية منبثقة من الأعماق الميتافيزيقية للشرق الأوسط بعد خمود النفس الغنوصي- المانوي.
لقد قدّم ماني باعتباره "يسوع الشرق وبوذا الغرب "و"بوذا النور" وحواري يسوع"؛ وقد حملته تطلّعاته ونزعاته، إلى الاندراج في تاريخ الحقيقة، تحت مسمى "بارقليط الحقيقة" و"خاتم الأنبياء" .
انطوت المانوية على رغبة كبيرة في التذاوت العقدي وفي صهر المعتقدات الهندية والفارسية والسامية في سبيكة متلاحمة وفي مصهر الكونية المتجاوزة للانهمامات الإقليمية أو الملية المحدودة . ولإعطاء تلك الكونية مجلاها النظري المتناسق، وبعدها التاريخي، طعمت المانوية الكونية المسيحية – البولسية، بالحدوس التأسيسية للهندوسية – البوذية، وبالصور البنائية للتراث الرافيدي. والحقيقة أن المانوية تشتغل بمقضى الآليات التالية :
1- آلية التوطين :
يتمّ بموجب هذه الآلية توطين المواد" العرفانية" البرهمانية-الزرادشتية في الحقل الميثي الرافدي وفي الأطر المعرفية التراثية السامية. لا كوننة إذن، من غير تبيئة ميثية ومعرفية ومن غير استناد إلى توطين وتبيئة وميولات وطانية .
( ويذكر ابن النديم علاقة المندائية بالمانوية، وهي ديانة وفلسفة في آن واحد، ظهرت بالعراق في القرن الثالث الميلادي، وليست فارسية بحال من الأحوال، فمن أهدافها إقامة كنيسة بابل، وأنّ الوحي والاجتماع المانوي الرسمي لا يتمّ إلا ببابل، وأن مؤسسها ولد بالقرب من كوثى البابلية، المكان الذي انتسب له علي بن أبي طالب).
(- رشيد الخيون – الأديان والمذاهب بالعراق – منشورات الجمل – كولونيا – ألمانيا – الطبعة الأولى – 2003- ص.44).
وقد تمسك المانويون بقدسية بابل إلى أن ظهرت الديناورية وحدث انشقاق داخلي وجدال عقدي بين المتمسكين بالتمركز البابلي والخارجين عن الإقرارات التوطينية-الوطانية للسلف المانوي المؤسس.
( قال المانوية : لما ارتفع ماني إلى جنان النور، أقام قبل ارتفاعه سيس الإمام بعده، فكان يقيم دين الله وطهارته إلى أن توفّي، وكان الأئمة يتناولون الدين واحدا عن واحد لا اختلاف بينهم، إلى أن ظهرت خارجة منهم يعرفون بالديناورية، فطعنوا على إمامهم، وامتنعوا من طاعته؛ وكانت الإمامة لا تتم إلا ببابل، ولا يجوز أن يكون إمام في غيرها، فقالت هذه الطائفة بخلاف هذا القول ..)
(-ابن النديم – الفهرست – اعتنى به وعلق عليه : الشيخ إبراهيم رمضان- دار المعرفة – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية -1997-ص.406).
2- آلية التركيب :
يتم بمقتضاها الجمع بين المقتبسات المعرفية والإيطيقية وإدماجها في نسق نظري متناسق.
3- آلية التأويل التذويبي:
تمكن هذه الآلية من صهر المقتبسات وتذويبها في أتون التطلع المانوي إلى الكونية "المسكونية" الضامة لأفضل ما في التراثات الروحية الهندية والفارسية والسامية والغنوصية.
يتوخى النظر "المسكوني" المانوي إعادة تأسيس الكونية العقدية بعد الاستعصاءات النظرية للمسيحية – البولسية وبعد الاختناق المعرفي للعرفانيات المنتعشة بعد انهيار العقلانية الإغريقية؛ لقد تمكّنت المانوية من تسويغ المعتقدات الهندوسية – البوذية والزرادشتية – الفارسية، من خلال استزراعها في الجينيالوجيا الأنبيائية الإبراهيمية. ثمة مثاقفة مركبة يتم بموجبها تخصيب الإبراهيمية بالبراهمانية-البوذية، وتسويغ البراهمانية ثقافيا وحضاريا، بعد تمرير مضامينها في النماذج التعبيرية والتصورية الإبراهيمية.
والحقيقة أن الإبراهيمية قائمة على نفي كل تعالقاتها مع البراهمانية وعلى تكريس "تاريخية" أنبيائية منزاحة كليا عن كل الجذور والأنساغ الميثية أو التعديدية. والحال أن المانوية إذ تدرج المعتقدات البراهمانية والزرادشتية في الأنبيائية الإبراهيمية، إنما توسع المدى التاريخي والفكري للكونية المسيحية – البولسية، وتبرز الخصوبة "العرفانية" للموروث البراهماني المؤسس، جزئيا، للإبراهيمية نفسها.
(واعتقاده في الشرائع والأنبياء؛ أن أول من بعث الله تعالى بالعلم والحكمة آدم أبو البشر، ثم بعث "شيثا" بعده، ثم "نوحا" بعده، ثم "إبراهيم" بعده عليهم الصلاة والسلام …ثم بعث "بالبددة"ّإلى أرض الهند، و"زردشت" إلى أرض فارس، والمسيح كلمة الله وروحه إلى ّأرض الروم والمغرب؛ و"بولس" بعد المسيح إليهم، ثم يأتي "خاتم النبيين " إلى "أرض العرب").
(- الشهرستاني – الملل والنحل – تحقيق : محمد عبد القادر الفاضلي – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – 2007- القسم الأول -ص.213).
ينطوي التأويل المانوي على استعادة اثنينية للإبراهيمية وعلى انفتاح ميثولوجي- فلسفي على الميراث التعديدي للبراهمانية وللتراث السامي الرافيدي المؤسس . كما تنطوي على إغناء اثنيني – وتعديدي، للكونية اليسوعية – البولسية، وعلى تخصيب نظري -عرفاني برهماني –وزرادشتي- لمؤسساتها الرؤيوية وعلى تأصيل لانزياحها الأخلاقي الصعب عن مرتكزها اليهودي – الموسوي الشرعاني"المتقومن". لقد كرس المتخيل العبري تمركزا هجاسيا حول القانون، وتقشفا ميثولوجيا يصير الأمل البشري بمقتضاه محصورا في قبيلة مخصوصة بالأمل وبالألم في ذات الآن.
لقد سعت المانوية إلى إحلال التراث البابلي – الرافدي محل التراث العبراني – الموسوي، وإلى استبدال الفرادة البابلية-الرافدية بالفرادة اليهودية- الإسرائيلية. إلا أن الفرادة البديلة تبقى فرادة تأثيل معرفي لا فرادة "تنرجس" عقدي كما في الحالة اليهودية. لا يكتفي ماني بالمزج النظري بين المتفرقات العقدية وبين المنتجات الثقافية المتخالفة الأصول التاريخية والحيثيات الثقافية والاستهدافات السياسية، بل يحور الدلالات الأصلية ويولد تراكيب ناسخة للأصل وبانية لمعنى مستجد ومعضدة للبنية المانوية ولمتخيلها الاثنيني. لقد سعت المانوية إلى رفع العائق المعرفي اليهودي، وتجديد الصلة المعرفية بالسجلات الميثولوجية والغنوصية وبالمتخيلات الجمعية، المترعرعة على هوامش التثاقفات والتفاعلات البينية بين الثقافات والحضارات الشرقية عموما.
لقد استهدفت المانوية إعادة بناء الكونية اليسوعية – البولسية المجردة، معرفيا، عبر فصلها عن المتن التوراتي والميثاق الإبراهيمي من جهة، ووصلها بالعمق العرفاني-الأخلاقي البرهماني – البوذي والقاع الميثي- المعرفي البابلي –الرافدي من جهة أخرى . لقد بالغت الإبراهيمية في التجرد ونكران سندها البراهماني، كما أوغلت في التأويل العبراني للتراث الرافدي – الزرادشتي، مما يستدعي، من منظور المنانية، إماطة اللثام عن المتن الاثنيني المؤسس، ميتافزيقيا ومعرفيا، والمتن التعديدي، المؤسس، أخلاقيا وروحيا. فالكونية اليسوعية-البولسية، كونية تجريد لا كونية انغراس، كياني، في العمق الميثي، وتعلّق أخلاقيّ بالنظيمة الأخلاقية البراهمانية. لا جدال إذن، في ارتكاز المانوية على تحرير الكونية اليسوعية –البولسية من الخصوصية القومية العبرانية – الموسوية، وتحرير المتن الرافدي-السامي والزرادشتي- الفارسي المبثوثين بين ثنايا الإبراهيمية من "التقومن" العبراني ومن الاصطفائية الضيقة للعهد القديم.
لا يمكن للاصطفائية القومية للإبراهيمية التكوينية أن تجسّد مثالات عالم هيلينستي متثاقف ومتشابك السيرورات الأخلاقية والروحية . إن التطلع الكوني اليسوعي – البولسي إلى الكوننة الأخلاقية لم يستوف، من المنظور المانوي، شرائط التكونن، بالنظر إلى التباس علاقته بالناموس الموسوي وإلى انقطاعه الملتبس عن الينبوع البراهماني المؤسس. فالكونية اليسوعية – البولسية مفتقرة إلى المحمول المعرفي – النظري وإلى الحامل الإثني – السياسي المؤهل، وجدانيا وتاريخيا، لتقديم الخطاب المتناسق عن إشكالية الشر الكوني .
لقد تاقت الكونية اليسوعية-البولسية إلى استعادة الإيطيقيا بعد هيمنة الناموس، والميتا-تاريخ بعد استشراء التاريخ القبلي واحتوائه للزمان اللاحب للميثولوجيا التأسيسة للتروحن الشرقي؛ إلا أنها لم تتمكن من تأصيل وتأثيل تلك الاستعادة، فبقيت أسيرة الصوغ العبراني الناسخ للمتون المرجعية البراهمانية والزرادشتية والرافدية. كما أخفقت في إحلال رمزية الأخلاق محل رمزية القانون وفي تزويد الإنسان الجديد بقاعدة عرفانية تفصله فصلا كليا عن الإنسان العتيق.
لم تتمكن المسيحية بأيّ حال من الأحوال من تجاوز مقتضيات النصرانية، فبقيت وفية للشرائع مخلصة لمنطقها وباعثها التاريخي رغم حرارة الوعود الأخلاقية واشتداد التوق إلى تجريد الناموس من نثريات التاريخ الإسرائيلي.
لقد تمكنت اليسوعية – البولسية من تجاوز بعض جزئيات الناموس( الختان/ شريعة العين بالعين و السن / الرجم / أحكام النجاسة/ أحكام الزواج ……)، إلا أنها لم تتمكن قط من تفكيك ميتافيزيقاه لاعتبارات ذاتية جوانية مرتبطة بالارتباط الرحمي لليسوعية بالمتخيل العبراني من جهة ولاعتبارات موضوعية برانية راجعة إلى اتقاد الصراع بين قلبية اليسوعية وبين صرامة الاشتراع ورمزية القانون والأجهزة الكهنوتية المشرفة على إدارة المقدس الموسوي إجمالا.
(لا تظنوا أني جئت لأنقض الشريعة أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأتمّم. فالحقّ أقول لكم إنه إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الشريعة حتى يتم كل شيء).
(القديس متى – الإنجيل-– دار المعارف- القاهرة – مصر – الفاصل الخامس-17-18ص. 58)
(ما من أحد يضع رقعة جديدة في ثوب قديم، لأنها تنتزع من الثوب، فيزداد تمزقه . ولا يضع الناس خمرا جديدة في زقاق عتيقة، وإلا فإن الزقاق القديمة تتشقق، فالخمر تراق والزقاق تتلف. وإنما توضع الخمر الجديدة في زقاق جديدة، فتكون كلها مصونة . )
(القديس متى – الإنجيل-– دار المعارف- القاهرة – مصر – الفاصل التاسع-16-17ص. 69-70)
( ثم ذهب يسوع من هناك ومضى إلى نواحي صور وصيدون، وإذا امرأة كنعانية قد خرجت من تلك النواحي تصرخ قائلة : "ارحمني يا ربّ، يا ابن داود . إن ابنتي بها شيطان يعذبها عذابا أليما". أما هو فلم يجبها بكلمة. وتقدّم إليه تلاميذ ورجوه قائلين : " اصرف هذه المرأة فإنها لا تفتأ تصيح في إثرنا". فأجاب وقال : " ما أرسلت إلا إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل". فجاءت إليه وسجدت له قائلة : "يا ربّ أعنّي" . أما هو فأجاب وقال : " لا يليق أن يؤخذ خبز البنين ويلقى للكلاب". فقالت : "حقا يا ربّ ولكن الكلاب تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد أربابها". فأجاب يسوع وقال لها : " أيتها المرأة عظيم هو ايمانك. فليكن لك ما تريدين "فشفيت ابنتها في تلك اللحظة نفسها).
(القديس متى-الإنجيل – دار المعارف- القاهرة – مصر – الفاصل الخامس عشر-21-28-ص.87)
(هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا : "إلى طريق الوثنيين لا تتجهوا، وفي مدينة للسامريين لا تدخلوا.بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة .وفيما أنتم ذاهبون بشروا قائلين : قد اقترب ملكوت السماوات ….)
( القديس متى-الإنجيل – دار المعارف- القاهرة – مصر – الفصل العاشر –-5-7-ص.71)
( فقال له الرب " أنتم أيها الفريسيون تطهرون خارج الكأس والصحفة في حين أن باطنكم ممتلئ نهبا وخبثا. أيها الأغبياء أليس الذي صنع الخارج هو الذي صنع الداخل أيضا؟ فالأحرى بكم أن تعطوا ما عندكم صدقة، ومن ثم يكون كل شيء طاهرا لكم. ولكن الويل لكم أيها الفريسيون لأنكم تؤدون عشور النعنع والسذاب وسائر البقول، وتغفلون العدل ومحبة الله . كان يجب أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك . )
( القديس لوقا-الإنجيل- دار المعارف- القاهرة – مصر – الفصل الحادي عشر-39-42-ص. 82-83)
لم تسع الوصايا والعظات والأقوال اليسوعية إذن، إلى إحداث قطيعة تصورية فاصلة مع المعاقلة اليهودية. لم يفلح الخطاب اليسوعي، في العمق، إلا في "تجديد" الخطاب الموسوي، وتزويده بالروافد الأخلاقية القمينة بإعادته إلى واجهة التخلق الكوني بعد اتساع الخارق الشرائعي، واتضاح براغماتية الفريسيين والصدوقيين والهيرودسيين والكتبة. ولذلك، لم تنفصل المسيحية عما سماه نيتشه ب"ثورة العبيد في الأخلاق" و"القلب اليهودي للقيم"، بل أتقنت مأسسة ذلك القلب وصيرته إبدالا عالميا.
(ويسوع الناصري، الذي يتجسد فيه إنجيل الحبّ، هذا "المخلّص" الذي جلب الغبطة والنصر للفقراء والمرضى والمذنبين، ألم يكن يشكّل الإغراء في أشدّ أشكاله كآبة واستعصاء على المقاومة، الإغراء الذي كان سيؤدّي، بطريقة ملتوية، إلى هذه القيم اليهودية، إلى هذا التجديد للمثال؟ ألم يبلغ شعب اسرائيل بسلوكه طريق هذا المخلص الملتوية، هذا العدو الذي يبدو أنه يريد تشتيت شمل إسرائيل، آخر أهداف حقده السامي ؟ )
(-فريدريك نيتشه- جينيالوجيا الأخلاق – ترجمة وتقديم : محمد الناجي – أفريقيا الشرق- الدار البيضاء- المغرب –2006 – ص.28).
فالكرازة والخطاب اليسوعيان استهدفا تخليق و"روحنة"الناموس الموسوي وتلقيح أسسه النظرية والعملية بالجرعات الوجدانية والأخلاقية، وإكمال شريعة الحقيقة والأنبياء في حدود الممكنات النظرية للموسوية، فيما انبرى الخطاب البولسي إلى صياغة كونية روحية متردّدة في الانفصال الكلي عن الثابت المرجعي لليهودية-الموسوية المعيارية.يبدو خطاب اليسوعية- البولسية مترددا بين سطوة الناموس ورغبة التخليق، بين "التقومن" اليهودي –الإسرائيلي والعالمية المتعالية عن القوميات والطوائف، بين الوعود اللاهوتية-السياسية المحصورة في شعب مصطفى ونداء الخلاص المعمم على الأغيار دون استثناء. ثمة نزوع إلى الكونية، إلا أنه غير مؤسس معرفيا، مادامت الإحالات اليسوعية إحالات"تاريخية" توراتية في المقام الأول .والحال أن التكونن يقتضي، مجاوزة واقع الدلالة التوراتية لا البحث عن مخرج ترميزي أو كنائي لاستنقاذها كما هو معتاد في التأويليات الإبراهيمية. فتخليق القانون، لا ينفي أساسياته الميتافيزيقية، بل يزيد كدورة التأويل إلى قساوة الشرائع الطقسية. وكما مالت الموسوية إلى تقييد المقدس باصطناع الناموس، فإن اليسوعية-البولسية أغلقت منافذ المقدس بإقرار النعمة والفداء.
(وضمن هذه الشروط، يمكن القول إن الإنسان يرفض الانجذاب الإلهي، ويتجنب مأزق المقدس، ويؤكد على موقعه الأرضي. وهكذا تصبح مهمة موسى إدخال "شريعة" عقلانية نابعة من علاقة تعاقدية مع الإلهي، في التاريخ الإنساني، أو في البنية الأنتروبولوجية للإنسان .. فالشريعة تمتصّ المقدس، ومن هنا يمكن تحديد الموقع التاريخي والأنتروبولوجي لليهودية وكأنه المحاولة الأكثر ضراوة والأكثر تنظيما لتخليص الإنسان من قيود المقدس وأسراره).
(روجيه دادون –طريق المقدس بين المتمرد والمخلص – مواقف- العدد 65-خريف- 1991-ص.143)
لقد احكمت اليسوعية –البولسية إغلاق كوى المقدّس ووثقت صلاتها بالنبوءات العبرانية، فيما نادت الغنوصيات والهرمسيات والأفلاطونية المحدثة باستشكال منابع الرؤية التوراتية، والبناء الميثولوجي التكويني بالذات. فمما لا شك فيه، أن التخليق الانعتاقي اليسوعي – البولسي، محدود الفعالية التحريرية بفعل ميله، الرمزي والوجداني، إلى الناموس العقابي. لا يمكن تحرير الناموس من العقاب، كما لا يمكن تحرير الميثاق الإبراهيمي من إرادة اصطفاء وتتويج الأرومة الإبراهيمية.
( فإن الختان ينفع إن عملت بالناموس .ولكن إن كنت متعديا الناموس فقد صار ختانك غرلة.إذا إن كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس أفما تحسب غرلته ختانا.وتكون الغرلة التي من الطبيعة وهي تكمل الناموس تدينك أنت الذي في الكتاب والختان تتعدى الناموس .لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديا ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانا بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي . وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان . الذي مدحه ليس من الناس بل من الله).
(رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية – الأصحاح الثاني – 25-29)
فإلغاء الختان المستعار أصلا، لا يحمل على مراجعة الهوية واستكشاف قارة الإنساني، والبحث عن مستلزمات التساكن في عالم غارق في الاختلافات .ينتمي الإلغاء، إلى الحقل الناموسي نفسه، ويبرّر شرعيته بناء على مستندات شرعانية. إن استبدال ختان الروح بختان الجسد، لا ينفي وحدة الحقل الدلالي ولا الاشتراك في إرادة البتر. كما أن الإنسان الجديد الموعود لا يحقق المطلوب، إذ لا يحقق الخلاص المنشود مثل المثال المانوي أي الإنسان الغنوصي .
استنادا إلى هذه الحيثيات، يصير من الصعب التسليم بالتضاد المطلق بين قبلية الموسوية وقلبية اليسوعية كما يداورها هادي العلوي وسامي الذيب.
( فعالمية تعاليم المسيح لم تكن تتماشى مع قبلية موسى ومع تسلط رجال الدين اليهود في مواجهة مجتمع تغلغلت فيه الفلسفة اليونانية والثقافة الرومانية المتوجهة لخرط جميع الشعوب في بوتقة واحدة .)
(سامي الذيب-ختان الذكور والإناث- عند اليهود والمسيحيين والمسلمين – الجدل الديني – رياض الريس للكتب والنشر – بيروت- لبنان- الطبعة الأولى – فبراير- 2000-ص.199)
إن التنافذ بين العقيدتين متراكب الطبقات مما يستدعي الحذر من التعليل السيكولوجي الحصري لانبثاق البولسية كما صاغه ميشيل انفراي وحسن حنفي مثلا.
(1- دخول بولس الدين الجديد، وهو الحبر اليهودي، عالم عصره الذي استعمل كل ثقافته وعلمه لطمس معالم الدين الجديد، يدفعه في ذلك احساسه بالنقص بالنسبة للحواريين الذين رأوا السيد المسيح، ودفعا عن نفسه احساسه بالذنب بالنسبة لتعذيبه المسيحيين، وعدائه لليهودية من أجل اقناع الناس بإيمانه الصادق بالدين الجديد .فتمت مقارنة عيسى بموسى، والكنيسة بالمحكمة اليهودية . ولم يكن هناك شيء في الدين الجديد إلا وله ما يشابهه في الدين القديم).
(حسن حنفي – الدين والثورة في مصر – 1952-1981-الجزء الثالث- الدين والنضال الوطني – مكتبة مدبولي – القاهرة – مصر – ص.11) .
تعبر الشواهد الإنجيلية عن صعوبة فك الارتباط بالأساس القاعدي الموسوي، وتأسيس إيطيقا وناموس كونيين، متحررين من إلزامات الميثاق الإبراهيمي. يقضم التأويل كل الوعود، كما يفتّت النص كل إرادة في المساكنة.وهذا ما قاد المنانية إلى التطلع إلى نصانية وكتابية مفتوحتين على مدارات كتابية وتأويلية أكبر من المدارات الكتابية والرمزية اليهودية والمسيحية .
(لا تكذبوا بعضكم على بعض إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله . ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه حيث ليس يوناني ويهودي ختان وغرلة بربري سكيثي عبد حر بل المسيح الكل وفي الكل).
( رسالة بولس الرسول الى أهل كولوسي – الأصحاح الثالث – 9-11)
والواقع أن المانوية، تتناص، إيجابيا، مع المسيحية – البولسية في خلاصيتها الكونية، وفي انهماماتها الأبوكاليبسية. إلا أن هذا الاشتراك في الخلاصية والأبوكاليبسية، لا ينفي الاختلاف الفلسفي والأخلاقي الموجود بين النسق المسيحي والنسق المانوي .والواقع أن المانوية، تقدم معالجة جذرية لإشكالية الشر الكوني، وتنكر الخطيئة الأصلية والصلب والفداء أي جوهر العقيدة المسيحية. ولما كانت المانوية غنوصية، فإنها تتطلع إلى غونصة المسيحية وتوجيه مقولاتها ومتخيلها توجيها عرفانيا، وإلى ادراجها في تاريخ خلاصي أكثر كونية من تاريخ الأنبيائية اليهودية –المسيحية .ينهض تاريخ الخلاص المانوي، على توسيع المجرى الحكمي السامي، واجتياف المنجزات الإيطيقية والميتافيزيقية الزرادشتية والفيدية- البراهمانية والبوذية بما يحقق التوفيق بين الشرقين ويسم المانوية بمسيم التتويج النهائي للتاريخ الروحي للبشرية. تكمن فرادة المانوية إذن، في قدرتها على النسخ فيما تعلن الانتماء، وفي ميلها إلى صهر تراثات مختلفة في بودقة واحدة .لا يتأسس العرفان المانوي، إلا بتذويب المأصولات العقدية، في بحر العرفان .والحقيقة أن المانوية، ترعرعت في سياق ثقافي مشبع بالنفس الغنوصي والهرمسي وبالإشعاعات الثقافية للأفلاطونية المحدثة والمرقيونية والديصانية والأبيونية. وهذا ما مكّنها من تحصيل ذخائر فكرية وخبرات هيرمينوطيقية، باعثة على مضاعفة التركيب و إدغام الدلالات ونقع الأفكار المستعارة في مياه الغنوص.
( المرقيونية : أصحاب مرقيون، وهم قبل الديصانية، وهم طائفة من النصارى، أقرب من المنانية والديصانية، وزعمت المرقيونية أن الأصلين القديمين النور والظلمة، وأن ها هنا كونا ثالثا مزجها وخالطها، وقالت بتنزيه الله عز وجل عن الشرور، وأن خلق جميع الأشياء كلها لا يخلو من ضرر، وهو مجل عن ذلك ..)
(-ابن النديم – الفهرست – اعتنى به وعلق عليه : الشيخ إبراهيم رمضان- دار المعرفة – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية -1997-ص.412).
فرغم سعي الخطاب الإنجيلي إلى روحنة وتخليق القانون العبراني، والتخفيف من صرامة الناموس الموسوي، فإن المسيحية تبقى رهينة مرجعياتها ومعياريتها التوراتية.وعليه، فالإيطيقا المسيحية، أسيرة الميثولوجيا التكوينية التوراتية. وبما أن المانوية، تتبنى ميثولوجيا تكوينية اثنينية، فإن إيطيقاها لا يمكن إلا أن تنأى عن فحوى الخطاب اليسوعي. فالاثنينية الميتافيزيقية المانوية، تفضي إلى مسلكية زهدية فيما تفضي الواحدية الميتافيزيقية اليهودية – المسيحية إلى مسلكية اثنينية جامعة بين العالم والماوراء، بين خدمة الجسد وخدمة الروح، بين الزمانية والأبدية، بين المعرفة والعرفان. لم تتمكن المسيحية، من منظور مانوي، من تعيين ماهية وأصول الشر الكوني ولا من اجتراح حلول مقنعة نظريا وفعالة عمليا لإشكالية المعاناة البشرية. وهذا ما يدعو المنانية إلى الطعن والقدح في تأسيسية العهد القديم، وصلاحية ميتافزيقاه لتسويغ الدراما البشرية والشرائع الناموسية الموضوعة لإدارة التاريخ الإنساني .لقد رفضت الاستنقاذ الهيرمينوطيقي للميثولوجيا التكوينية كما هو متداول لدى فيلون اليهودي و القديس أمبروسيوس والقديس أوغسطين،وفضلت إبداع صيغ ميثولوجية لتفسير السقوط البشري في مهاوي المعاناة.
(و أما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودا له من الناموس والأنبياء .بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون .لأنه لا فرق .إذ الجميع أخطأوا و أعوزهم مجد الله . متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله لإظهار بره في الزمان الحاضر ليكون بارا ويبرر من هو من الإيمان بيسوع .)
رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية – الأصحاح الثالث – 21-26).
لا يكفي التجسّد والصلب والفداء لتخليص الإنسانية من حجاب المادة وظلام الجسد وعنف التناسخ وتحولات العناصر. لا خلاص إذن خارج الغنوص، أي خارج المعرفة المحررة. والقول بالغنوص ينفي فعالية الفداء المسيحي في الصميم والقول بشرانية العالم ينفي معنى الهيروفانيا القصوى المسماة بالتجسد. لا يمكن لعقيدة رافضة لعالم "الامتزاج" ولثقالة "المادة"مثل المانوية، أن تقبل بأي معنى من المعاني تجسّد الإله و"امتزاجه" بعالم الفساد. كما لا يمكن الصفح عن الخطايا بالكفّارة وبسفح دم المصلوب كما في المسيحية، بل بتحرير النفس من سجن الجسد والنور من سجف الظلمة والمعرفة من دياجير الاختلاط والجهل.
فالمسيحية تؤمن بعرضية الشرّ وإمكان تجسير الفجوة بين الإله والإنسان عبر إبطال مفاعيل الخطيئة الأصلية بالفداء، فيما تقرّ المانوية باندغام الشرّ الأنطولوجي بصلب الأشياء مما ينفي جدوى كل خلاص قربانيّ من النمط الفدائي. فالشرّ متجذّر لا في الفعل البشري بل في فعل الإيجاد نفسه. وهذا ما يفسّر نقدها الجذريّ للميثولوجيا التكوينية ولأسفار العهد القديم عموما ورفضها العميق للتفاؤلية الخلاصية المسيحية.
ليس غريبا إذن، أن يرفض المانويون التعميد والقربان المقدّس وعبادة وتقديس القديسين ورفاتهم والصليب و الصور والأيقونات. ورغم نأي الموقف الميتافيزيقي المانوي عن الرؤية الفدائية المسيحية، فإن المانوية تستوحي كثيرا من الميثات والمحكيات والكنايات المسيحية وحوامل الخطاب الخلاصي الإنجيلي. فكما أصّلت المسيحية – البولسية خطابها اعتمادا على تأويل "نبوءات" العهد القديم (سفر أشعياء النبي/ سفر أيوب/ سفر دانيال/ سفر ميخا …الخ)، فإن المانوية، استعارت كثيرا من التعابير والرمزيات المسيحية، وأعادت ادماجها في تارخية خلاصية غنوصية تقترب شكلا، من سيرة "ابن الإنسان"، وتبتعد مضمونا عن المقاصد والتوجهات الكريستولوجية لليسوعية-البولسية.
(وغدا واضحا أن المانوية كانت متأثرة أساسا بالدين المسيحي، وبالذات بالأفكار الثنوية للقديس (بن ديصان) الذي دعا الى نوع من المسيحية الثنوية، بالإضافة إلى المعتقدات البابلية والسامية السائدة. لقد استخدم (ماني) أساسا أسماء ملائكة اقتبسها من البيئة السريانية، مثل جبرائيل ورفائيل وميخائيل وإسرائيل، بالإضافة إلى يعقوب نبي العهد القديم. واعتبر (ماني) نفسه خاتم الأنبياء والروح القدس التي تحدث عنها المسيح . )
(-سليم مطر كامل – الديانة المنبوذة – المانوية حلقة مفقودة من التاريخ العربي – الناقد – العدد – 70-أبريل 1994-ص.46).
لا تكتفي المانوية بالاغتراف من المسيحية –البولسية بل نهلت من الهرطقات ومن الأناجيل المنحولة. فبما أنها رفضت السند التوراتي وشكك في قدسية العهدين، فإنها صاغت تأويلات اختراقية هرطوقية بالمقاييس الكهنوتية. وفي هذا السياق، تقدم الميثولوجيا التكوينية المانوية، صورة أخرى للمسيح، من خلال تكليفه بتنوير آدم وتعليمه أساس الأخلاق أي التمييز بين الخير وبين الشرّ.
( قال: فلما رأى الملائكة الخمسة نور الله وطيبه الذي استلبه الحرص وأسره في ذينك المولودين سألوا البشير و أم الحياة، والإنسان القديم وروح الحياة أن يرسلوا إلى ذلك المولود القديم من يطلقه ويخلصه، ويوضح له العلم والبر، ويخلصه من الشياطين، قال : فأرسلوا عيسى ومعه آله، فعمدوا إلى الأركونين فحبسوهم، واستنقذوا المولودين . قال : فعمد عيسى فكلم المولود الذي هو آدم، و أوضح له الجنان والآلهة، وجهنم والشياطين، والأرض والسماء، والشمس والقمر، وخوفه من حواء، وأراه زجرها ومنعه منها، وخوفه أن يدنو إليها، ففعل . )
(-ابن النديم – الفهرست – اعتنى به وعلق عليه : الشيخ إبراهيم رمضان- دار المعرفة – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية -1997-ص.402-403)
كما قدّمت المانوية تصوّرات مناقضة للتصورات الأرثوذوكسية-القويمة وللعقائد الرسولية عن التجسد والصلب والقيامة والفداء. ليست الجسدانية والقيامة اليسوعيتان، من منظور مانوي، إلا توهّمات. فلئن كانت المسيحية ديانة لاهوت الجسد، فإن المانوية هي بامتياز ديانة لاهوت المعرفة أو لاهوت الكلمة. ليست جسدية المسيح مسلمة من جهة نظر مانوية، وهذا ما يبعدها عن جوهر اللاهوت المسيحي. كما أنها تنفي حقيقة الصلب ومعنى الفداء ودلالة المعمودية، وتشكك في صحة النصوص الكتابية جملة .ليس الإنكار المانوي للمفاهيم والمتصوّرات القيامية المسيحية منفصلا إذن، عن الفحوى الرمزي للميثولوجيا التكوينية وللهيرمينوطيقا المانويتين. فحيث إن الميثولوجيا التكوينية المنانية، أبطلت تأسيسية سفر التكوين وشرعية العهد القديم عموما، فإنها تعاملت بانتقائية كبرى، مع الرمزيات الإنجيلية وفضلت استلهام الأناجيل المنحولة كما جاء في ردود القديس أوغسطين على المانويين. وتنطوي مناظرة الأسقف أرخلاوس لماني، رغم لاتارخيتها الظاهرة، على حيثيات رفض المانوية للإله الخالق التوراتي وللأفعال المنسوبة إلى المتعالي في العهدين وللهيرمينوطيقا المسيحية استتباعا.
( احترزوا من أن تنسوا عهد الربّ إلهكم الذي قطعه معكم وتصنعوا لأنفسكم تمثالا منحوتا صورة كل ما نهاك عنه الربّ إلهك. لأنّ الربّ إلهك هو نار آكلة إله غيور .)
(تثنية- الأصحاح الرابع – 23/24)
(ولكن إن كان إنجيلنا مكتوما فإنما هو مكتوم في الهالكين الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله .)
( رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس – الأصحاح الرابع -3-4)
يطال النقد المانوي، في هذا السياق، شرعية عزو التشبيه والشرّ إلى يهوه وإلى إله العهد الجديد؛ كما ينفي إمكان أيّ تأوّل رمزيّ لمضمون تلك النصوص كما تصنع المسيحية القويمة في تقريظها للحقائق الكرستولوجية وليقينها التداولي واليهودية التأويلية كما مارسها موسى بن ميمون القرطبي مثلا.
(وكثير من هذه الأفعال التي لا تصدر من أحدنا في حقّ آخر، إلا عن غضب شديد، أو حقد عظيم، أو طلب ثأر. فسمّي بحسب هذه الأفعال : غيورا ومنتقما وحاقدا وذا غضب، يعني أن الأفعال التي مثلها، تصدر عنا عن هيئة نفسانية، وهي الغيرة أو الأخذ بالثأر، أو الحقد، أو الغضب تصدر عنه تعالى بحسب استحقاق الذين عوقبوا لا عن انفعال بوجه، تعالى عن كل نقص.
وهكذا الأفعال كلها هي أفعال تشبه الأفعال الصادرة عن الآدميين عن انفعالات وهيئات نفسانية وهي صادرة عنه تعالى، لا عن معنى زائد على ذاته أصلا. )
(-موسى بن ميمون القرطبي-دلالة الحائرين-تحقيق : حسين أتاي –مكتبة الثقافة الدينية – القاهرة – مصر -2002-ص.129).
إلا أن رفض جوهريات الخطاب الإنجيلي الأرثوذوكسي لا يمنع المانوية من اقتباس عناصر ومعطيات وإفادات من المسيحية ، في سياق بناء وتخصيب وتصليب إبدالها العقدي-الفلسفي.
ومن علامات الاستعارة الشكلية للخلاصية المسيحية، اعتبار ماني نفسه البارقليط أي الروح المعزي، والتقريبات المانوية، بين صلب يسوع الزاهي وصلب ماني حيا و استعارة العشاء الرباني وما يقرب من الإفخارستيا المسيحية في الطقوسيات المانوية واستلهام التثليث المسيحي-السامي في تركيب الميثولوجيا التكوينية المنانية .لكن "حواري المسيح" بوصفه الصورة الحية للروح القدس و"رسول المسيح "، سيتفرد بختم النبوة وإنهاء تاريخ الوحي.
( إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي .وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد . روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه .وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم .)
(إنجيل يوحنا-الأصحاح الرابع عشر- 15-17)
( وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم .)
(إنجيل يوحنا-الأصحاح الرابع عشر- 26)
وقد حاول فيليكس، تسويغ براقليطية ماني، استنادا إلى قراءة وتأويل مخصوصين لخطاب القديس بطرس. فبما أن ماني محا اللااكتمال، وأخبر بالبدايات والأوساط والخواتيم، فإنه حقق، من منظور فيليكس، ما لم يحققه بولس ولا سائر الحواريين . ومن البديهي أن تعتبر المسيحية القويمة براقلطية ماني تجديفا كما جاء في نقض كيرلس الأورشليمي للمعتقدات المانوية.
(المحبة لا تسقط أبدا. وأما النبوات فستبطل والألسنة فستنتهي والعلم فسيبطل. لأننا نعلم بعض العلم ونتنبأ بعض التنبؤ. ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض . لما كنت طفلا كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفتكر . ولكن لما صرت رجلا أبطلت ما للطفل .فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذ وجها لوجه . الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت.)
(-رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس – الأصحاح الثالث عشر –من 8 الى 12) .
وعليه، فإثبات الصلة المنانية بالمسيحية ، يقتضي التنصيص على تركيبية وترميقية الفكرية المنانية، وارتهان مسلكها التأويلي للاستيعاب والتمثل المقرونين بالنسخ والتجاوز.
من المحقق أن المنانية تستوحي المسيحية القانونية والمسيحيات الهرطوقية والغنوصية ، وتكرع من مناهلها ومن قيعانها الثيماتية ؛إلا أن ذلك الاكتراع،ممزوج بالنسخ التجاوزي وبالتأويل التكييفي وبالاستعارة التوليفية والنقد المتفحص للأصول المسيحية نفسها كما هو واضح في ردود الأسقف المانوي فاوستيوس على القديس أوغسطين.
وقد قادت المجادلات والمجاذبات المستشرية بين العقيدتين، إلى اتقاد التنافس الرمزي بينهما وإلى اشتداد النقود المنانية للأناجيل، مما حمل البعض على الإسراف في المباعدة والمفاصلة بين العقيدتين،وإلى إنكار المتخيل اليسوعي الساري في أجزاء من البناء التعبيري والمعرفي المناني.
( وماني ينتقص سائر الأنبياء في كتبه ويزري عليهم ويرميهم بالكذب، ويزعم أن الشياطين استحوذت عليهم، وتكلمت على ألسنتهم، بل يقول في موضع من كتبه أنهم شياطين، فأما عيسى المشهور عندنا وعند النصارى فيزعم أنه شيطان.)
(-ابن النديم – الفهرست – اعتنى به وعلق عليه : الشيخ إبراهيم رمضان- دار المعرفة – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية -1997-ص.407).
كما تسجل النقود المانوية ضد التوحيديات، تأنقا في التعقيل بفعل التشبع بأجواء التناظر بين الطوائف والملل، والتمرس بالمنطق الأرسطي، وتوغلا في الاستدلال ضدا على العرفان ؛ علما أن المنانية الأصلية عرفانية لا استدلالية -عقلانية. وقد تضمن نقد أبي نواس لأبان بن عبد الحميد اللاحقي جزءا من المداورة المنانية للعقلانية النقضية التنزيهية في تعاملها مع المقررات الشرعانية اليهمسلامية.
( فقام منذر ربي بالبر والإحسان
وكل ما قال قلنا إلى انقضاء الأذان
فقال :" كيف شهدتم بذا بغير عيان؟!
لا أشهد الدهر حتى تعاين العينان…"
فقلت :" سبحان ربي !" فقال :" سبحان ماني"
(-أبو نواس-ديوان أبي نواس- حققه وشرحه: أحمد عبد المجيد الغزالي – دار الكتاب العربي – بيروت – لبنان -2007-ص. 409-410)
وتعكس هذه التشغيبات، سياق الاقتتال الرمزي بين الملل والنحل، وركون كل الفرق إلى الآليات الجدالية والبرهانية، للإبانة عن التهافت النظري لخطاب الآخر. لقد اغتنى الخطاب المناني، بالذخيرة وبالعدة الحجاجية والاستدلالية،في سياق سجاله ومناظرته للمفكرين المسيحيين والمسلمين والبوذيين والطاويين والكونفوشيوسيين . إلا أن المسارات التاريخية لا توازي مثال الحكمة الغنوصية ولا تقود بالضرورة إلى معرفة الأسرار العرفانية ونيل روحانية الملكوت وفراديس النور .فقد انبرى المانيون إلى التشغيب على الحقائق الثيولوجية المسيحية، استنادا إلى تأويلات غير مسلمة في التأويلية المسيحية وإلى تفريق متكلف وتكتيكي في الغالب بين"العهد القديم الأرضي"و"لعهد الجديد السمائي"،وإلى تأول نقدي للفضاء الدلالي الإنجيلي وللمنهاج الاستدلالي المسيحي عموما.لم يمتلك المانويون،في زمان المسيحية الظافرة، إلا التمرس بحروب الخنادق الرمزية وإلى تكثيف الطعون النظرية الخاطفة ضد المتون المعيارية اليهودية – المسيحية بشهادة إلزامات المفكرين المانويين للقديس أوغسطين . ثمة انزياح عن أصول الذات وأصول الغير، لا يمكن إنكار مفاعيله ولا مستتبعاته ومترتباته النظرية والعملية في المجرى الأفعواني للسيرورة التاريخية.فقد انتقل المانيون من إحكام التأسيس إلى إحكام التلبيس، والإكثار من المرافعات الإنقاذية للذات، في سياق الإكراه التأويلي وتكثيف الإلزامات المسيحية ضد الفرقاء وضد المتخيل المانوي البديل.
