الانتفاضات العربية والثمن الباهظ للحرية
ينبغي الاعتراف بأن أول فضيلة لهذه الانتفاضات العارمة هي أنها أجبرت الأنظمة البوليسية الشمولية على الانفتاح غصبا عنها. لقد أخافتها لأول مرة وجعلتها تتنازل عن غطرستها وتسلطها ولو قليلا. لقد أجبرتها على أن تعرف معنى التفاوض والحوار لأول مرة في تاريخها حتى ولو كان الحوار مع نفسها على الأقل!هل سمعتم بأب أسرة عربي أو شيخ عشيرة يحاور العيال والأطفال؟ عيب. لا يجوز. هذا تخفيض من سمعته وهيبته. فما بالك بالرئيس أو بالقائد أو بالزعيم؟! أنا شخصيا لا أتجرأ على محاورة أي شخص في العالم العربي أو الاختلاف معه مخافة أن يشتمني أو ربما يغتالني بكل بساطة! ولذلك أصبحت أتحاور مع نفسي فقط. ولكن حتى مع نفسي فقد أنقسم إلى شخصين أو ثلاثة يدينون بعضهم بعضا ويبتدئ الصراع والعراك إلى حد الإنهاك. (وهكذا خربت علاقتي مع كل الناس اللهم إلا مع الآنسة “عواطف” حيث يسود الانسجام الكامل الذي لا تشوبه شائبة(1) . ينبغي العلم بأن رغباتها أوامر وكلامها منزّل ومعصوم. هنا لا ديمقراطية ولا حوار وطني ولا من يحزنون..فالحب إما أن يكون ديكتاتوريا طاغيا أو أنه لن يكون. الآنسة عواطف “فرعونة” حقيقية وأنا ضعيف. ماذا تريدونني أن أفعل؟ إما المقاومة والممانعة، أو الصمود والتصدي، وإما الاستسلام. وقد اخترت أهون الشرّين. والغريب العجيب أني استمرأت هذا الحكم الديكتاتوري إلى درجة أني أخشى زواله، بل وأطالب بالمزيد!..). لكن لنعد إلى صلب الموضوع بعد هذا الفاصل الموسيقي القصير.. ينبغي الاعتراف بأن ثقافة الحوار الديمقراطي غير موجودة في تاريخنا. هذا أقل ما يمكن أن يقال.. وبالتالي فأحدث نظرية فلسفية لهابرماس عن الحوار التفاعلي التواصلي الديمقراطي الحضاري لا تنطبق علينا. وأصلا هو بلورها من خلال تجربة الشعوب المتقدمة ولأجلها. فالعقلاء المستنيرون هم وحدهم الذين يستطيعون التحاور بهدوء مع بعضهم البعض حول طاولة مستديرة. أما الآخرون فيشتبكون بالأيادي ويفعسون بعضهم بعضا حتى تحت قبة البرلمان! انظروا ما حصل في أوكرانيا من جملة أمثلة أخرى.. وبالتالي فلا يكفي أن نردد كلمة ديمقراطية مليون مرة بسبب وبدون سبب، بمناسبة وبدون مناسبة، لكي نصبح ديمقراطيين! وإنما ينبغي ان نعرف كيف نمارسها: أي كيف أتحمل اختلافك معي في الرأي دون أن أقوم عن مقعدي عندما يحتدم النقاش وأكسر الكرسي على رأسك!..ولكن أولى خطوات الديمقراطية تبدأ من هنا. إنها صيرورة طويلة ولا يمكن تعلمها دفعة واحدة. فلنبتدئ من نقطة الصفر إذن، ولنمارسها بالأيدي والأرجل،لا بأس! فبعد ذلك ومن خلال الممارسة يمكن أن نتمدن ونتحضر ونصبح جديرين بكلمة فولتير الشهيرة:”إني أكره أفكارك، ولكني مستعد لأن أموت لكي تستطيع التعبير عنها”!
عندما ذهبت إلى فرنسا لأول مرة فوجئت بمدى اختلاف العقليات. فالأستاذ كان يستشيرنا واحدا واحدا قبل أن يتخذ قراره حتى بخصوص مسائل بسيطة. كنت أقول بيني وبين نفسي: لماذا يضيع وقته في كل ذلك؟ من نحن حتى يستشيرنا؟ لماذا لا يفرض رأيه بسرعة وينتهي الأمر. والسبب هو أنه لا وجود للثقافة الديمقراطية في تربيتي أو حياتي(كلنا يعلم كيف تمارس التربية والتعليم في البيوت والمدارس عندنا). وحتى الآن لا أعرف ما هو معنى كلمة ديمقراطية. فمن كثرة ما تعودت على الاستبداد والاستعباد والفعس أصبحت عاجزا عن الفهم. بل وأصبحت أنكر طعم الحرية وأستعذب الخنوع والمازوشية. بل وحتى بعد سفرنا إلى فرنسا بسنوات عديدة كنا ننظر إلى من حولنا في المقهى قبل أن نتجرأ على الانخراط في حديث سياسي أو حتى شبه سياسي..وهكذا لاحقتنا تلك العادة السيئة إلى خارج البلاد ومن المحتمل أن تلاحقنا إلى المريخ! وهذا شيء يصعب على الإنسان الفرنسي أو الأوروبي أن يفهمه لأنه تجاوزه منذ زمن طويل(2) . ينبغي العلم بأن الأنظمة الستالينية لا تحاور شعوبها وإنما تقودها لأنها تمتلك الحقيقة المطلقة بكل بساطة. وغني عن القول بأن بعض أنظمتنا مركبة على طريقة أوروبا الشرقية إبان المرحلة الستالينية: الحزب الواحد، والجريدة الواحدة، واتحاد الشبيبة، والطلبة، والنساء، وحتى اتحاد الكتاب والأدباء..وكل ذلك مدجن ومؤطر ومرفق باللغة الخشبية الامتثالية المعروفة التي تكتفي بتمجيد القائد الملهم الذي له تماثيل وليس فقط صورا في كافة أنحاء البلاد…إنها تكرر نفس الكلام الممل على مدار الساعة كالببغاوات، بل وتلقنه للأطفال الصغار وتنتج عن ذلك أفدح الأخطار..وهذا ما يقتل روح الإبداع والابتكار لدى الشعوب. وهذه الأنظمة كنستها رياح الحرية بعد سقوط جدار برلين عام 1989. وبالتالي فإن انتفاضة شعوبنا على نفس النوعية من الأنظمة تأخرت في الواقع عشرين سنة عن بقية العالم. والسبب واضح: إسرائيل على الأبواب. وبالتالي ضرورة المقاومة والممانعة والصمود والتصدي وكل تلك المصطلحات التي فرغت من معناها حتى أصبحت مثيرة للاستهزاء والسخرية ولم تعد تقنع أحدا(3) ..والسبب هو أنها مستخدمة كقناع بغية إطالة عمر الأنظمة بالدرجة الأولى. فلولاها، أي لولا القضية المقدسة، لما تحملت الشعوب خنق الحريات طيلة كل تلك السنوات..ثم انكشفت الخدعة للجميع أخيرا. من هنا النقمة العارمة للشعوب العربية. وهي نقمة كانت مكبوتة منذ زمن طويل فانفجرت كالزلزال أو كالبركان وقذفت بالحمم والشظايا في وجه كل أنواع التدجيل والتسلط والفساد. لقد نهضت الشعوب العربية من أجل حريتها، وهي تدفع ثمنها عدا ونقدا، وسوف تنالها. تحية إذن إلى الشعب السوري الذي يدفع الآن الثمن الباهظ للحرية.
أضيف إلى ذلك أن الشبيبة العربية بشهادات عليا أو بدون شهادات مدانة بالبطالة والعطالة وانسداد الآفاق واليأس القاتل. وهنا تكمن اكبر جريمة إنسانية بحق شبيبتنا لأنها تشعر بأنها مهانة في كرامتها ومصابة في أعماق أعماقها. ما معنى أن تظل طيلة النهار تدور حول نفسك بلا جدوى، وأمك وأبوك وأهلك وجيرانك يعرفون أنك لا تشتغل ولا مستقبل لك؟ ما معنى أن تفقد قيمتك وكرامتك في نظر أعز الناس عليك؟ أعترف بأن أكثر شيء يفجعني في عالمنا العربي هو هذه النقطة. والأنظمة السائدة تتحمل مسؤولية ذلك بالدرجة الأولى. نقول هذا خاصة وأن نسبة الشباب الذين يقل عمرهم عن خمسة وعشرين سنة تبلغ 60 في المائة على الأقلّ : أي معظم شعوبنا من الشباب على عكس شعوب أوروبا الحضارية المليئة بالشيوخ والعجائز..وبعض الحكام ليسوا فقط طغاة أثرياء هم وعائلاتهم وحاشيتهم وإنما هم غير أكفاء وغير قادرين على ممارسة الحكم الرشيد. ولكم أن تتخيلوا حجم الأضرار الناتجة عن كل ذلك. إن تراكم هذه العوامل المتعددة وسواها هو الذي أدى إلى انفجار الشعوب العربية. وبالتالي فإذا ما عرف السبب بطل العجب.
هل يمكن أن تتعظ الأنظمة من كل ما حصل وبعد أن وصلت الأمور إلى حافة الهاوية؟ هل يمكن أن تسارع إلى الإصلاحات الملحة وتقبل بتقاسم جدي للسلطة مع المعارضة، أقصد مع القوى الحية التي تمثل الشارع والبلاد؟لا يمكن أن ينجح الحوار الوطني بدون مصارحة، فمصالحة، تماما كما حصل في جنوب إفريقيا على يد مانديلا وكما حصل في المغرب من خلال “هيئة الإنصاف والمصالحة” التي دشنها محمد السادس منذ سنوات عديدة. لن تهدأ النفوس قبل أن يعاد للمظلومين- وما أكثرهم!- اعتبارهم. لن تهدأ أبدا قبل أن يعاقب المسؤولون عن هذه التجاوزات الإجرامية بحق الأبرياء. لقد طفح الكيل! إذا لم يحصل ذلك فسوف يسهل على الخارج المتربص تنفيذ مخططه في زرع الفتنة والتقسيم والتفتيت. البلاد على مفترق طرق: فإما الخلاص والإنقاذ في آخر لحظة، وإما الجحيم والهاوية! كل ما أخشاه هو أن يكون الجرح قد اتسع وتفاقم إلى درجة إن لأمه أصبح مستحيلا آو فوق طاقة الجميع. اللهم اجعلني من المخطئين!
لقد قيل الكثير عن تقاعس المثقفين العرب أو عدم مشاركتهم في هذه الانتفاضات أو عدم إرهاصهم بها. بالمقارنة: يقال بأن جان جاك روسو تنبأ بالثورة الفرنسية قبل حصولها بربع قرن على الأقل. بل وتنبأ بها بعبارات دقيقة أذهلت المعاصرين. ولكن ليس كل الناس جان جاك روسو! كيف رآها؟ كيف استبق على الحدث قبل حصوله؟ كيف رأى ما لا يرى؟ إنه بكل بساطة يمتلك “رادارا داخليا” على عكسنا نحن الناس العاديين أو السطحيين. وهذا الرادار الذي لا يمتلكه إلا الأنبياء والمفكرون الكبار قادر على كشف المحجوب وسبر التفاعلات العميقة التي تعتمل تحت السطح في قلب المجتمع والأشياء. ولكن من الظلم إدانة المثقفين العرب ككل. فبعض المثقفين مهدوا الأرضية للحدث الزلزالي بكتاباتهم التي تدين التخلف والاستبداد والظلام. وهي أفكار منتشرة أكثر مما نتصور في أوساط الشبيبة المنتفضة من أجل الحرية والحقيقة والعدالة الاجتماعية. أقول ذلك وأنا أفكر بكتابات المناضل التنويري الكبير محمد الشرفي، وذلك من جملة أمثلة أخرى هنا أو هناك في شتى أقطار العرب.. هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فلا ينبغي أن ننسى عدد المثقفين والصحفيين الذين سجنوا أو عذبوا أو قتلوا في العديد من الدول العربية والإسلامية. لقد دفعوا ثمن أفكارهم ومواقفهم غاليا. وهذا أكبر دليل على مدى خطورة الفكر، وأيضا على مدى شراسة الدولة البوليسية الأخطبوطية وضرورة التخلص منها بأي شكل.
وبالتالي فالقول بأن المثقفين لم يلعبوا أي دور في هذه الانتفاضات خاطئ وظالم. المثقفون، بالمعنى القوي للكلمة، هم منارات الشعوب وضميرها الحي. ولكن يبقى صحيحا القول بأن هناك مثقفين ارتبطوا بالأنظمة البوليسية وتواطئوا معها واستفادوا منها بل واغتنوا إلى درجة أنهم يمتلكون البيوت والشقق حتى في أرقى العواصم الغربية. بل وألبوا الأنظمة على المثقفين الآخرين ولاحقوهم بإصرار مدهش. هذا لا يعني بالطبع أن كل مثقفي المعارضة هم ملائكة من الناحية الديمقراطية! فالواقع أن معظمهم لا يختلفون في شيء عن مثقفي الأنظمة. يكفي أن تتناقش مع بعضهم خمس دقائق فقط لكي تدرك ذلك. وهذا يعني أن الاستبداد “بنية عقلية راسخة” تخترق الجميع، بل وتخترق القرون..فعلاً الاختلاف في الرأي شيء يصعب تحمله. ولا يمكن تعلمه بين عشية وضحاها. وهنا تكمن المشكلة أو الطامة الكبرى.. هنا تكمن معضلة الديمقراطية العربية: ديمقراطية بلا ديمقراطيين(4) !…
وبالتالي فهذه الانتفاضات المشتعلة ليست نهاية كل شيء على ما أتصور وإنما بدايته. إنها الخطوة الأولى في مسارنا نحو الانعتاق والحرية. وهو انعتاق لاهوتي أيضا وليس فقط سياسيا. إنها تمهد للانتفاضة التنويرية الكبرى التي ستحصل لاحقا في أرض العرب والإسلام. أو قل هذا ما نأمله ونرجوه.عندئذ يمكن القول بأن العرب قطعوا مع رواسب الماضي المتراكمة، وانتقلوا فعلا إلى العصر الجديد الآخر(5) .عندئذ يمكن أن نكرر ما قاله هيغل عن الثورة الفرنسية: كانت تلك إشراقة الشمس الرائعة…
هوامش
