الانكسارات الداخلية لا تقود إلا إلى الهزائم الخارجية
من هنا ليس من المنطق العقلاني والتقدير الحقيقي المتوازن للأمور والأشياء أن نوجه اللوم فقط لحكامنا ونخبنا السياسية الحاكمة، بل ينبغي علينا – من أجل فهم تلك الحالة من التخبط والانحطاط العربي، والفشل الذريع في مجمل خطط التنمية، والتبعية والاستلحاق شبه الكامل للآخر، وتقديم التنازلات له – الوقوف ملياً ومطولاً أمام طبيعة البيئة والبنية “الثقافية-السياسية” السائدة التي تهيمن على وعي الناس عندنا، وتوجه مساراتهم، وتحدد اختياراتهم القيمية والعملية.
ففي اللحظات التاريخية التأسيسية الأولى لاحظنا كيف سيطر الفهم القبلي العشائري للدين على ذهنية وتفكير وسلوك كبار القوم الذين أنيطت بهم مهمة رسالية سامية هي دعوة الناس إلى الحرية والحق والعدل، والسير بهم نحو كمالهم الممكن لهم… فها هو سليمان بن عبد الملك يأمر صاحب الخراج في مصر أن: “احلب الضرع، فان انقطع فاحلب الدم”. وها هو زياد بن أبيه في إحدى خطبه يقول: “نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ولنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا”. وفي الخطبة البتراء يقول: “وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: أنج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم”. أما الخليفة المنصور فلم يتردد لحظةً واحدةً في القول: “أيها الناس إن الله ملكني رقابكم وأموالكم فإن شئت قبضت وإن شئت بسطت». ولعل شعرة معاوية بن أبي سفيان كانت لحظة نادرة في التاريخ العربي لم تتكرر إلا قليلاً، ولم تنقف براعمها على الإطلاق.
ومعاوية، باني الدولة العربية الأولى – دولة النخبة، لا دولة الأمة- في دمشق، هو القائل: “لا نحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا” (لاحظ كلمة ملكنـا التي يستخدمها معاوية وكأنها حق له ولأبنائه وأسرته).. وهو القائل أيضاً: “إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت أبداً. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا مدّوها أرخيتها وإذا أرخوها مددتها”..
طبعاً لابد أن نذكر هنا –وليعذرنا القارئ إذا ما خرجنا قليلاً عن محور الموضوع، فالأمور أحياناً قد تقابل بنقائضها وتقاس بأضدادها، والشيء بالشيء يذكر- أن مواجهات حادة وانتفاضات وثورات عديدة دموية اندلعت في تاريخنا العربي والإسلامي بين رؤيتين ومنهجين للحكم والسياسة، بين من يمثل مشروع ونهج دولة النخبة “الملك العضوض” (=مشروع “الدولة-القبيلة”)، ومن يمثل مشروع ونهج “دولة الأمة”، كلفت (تلك المواجهات) المجتمع كثيراً من الدماء والدموع، حيث كان الهدف إسقاط عملية تدعيم وتكريس الحكم الوراثي القبلي القائم على النخبوية والفردية والتسلط والنهب وتكديس الثروات القادمة من الفتوحات الخارجية والنهب الداخلي..
لكن الذي حدث في تاريخنا العربي -منذ العهود الأولى لبداية صعود وانتشار الإسلام- هو انتصار أتباع المنهج الأول، مما أدى إلى طغيان ظاهرة القبلية الفكرية والسياسية القائمة على النسب والحسب والفئوية والعائلية والقرابة الدموية، وتوسيع رقعة انتشارها من أعلى هرم الدولة إلى قاع المجتمع والأمة.. ووصلت الحالة إلى مستوى عجز الدولة العربية المعاصرة عن تلبية الحد الأدنى من حاجات الأمة ومصالح مجتمعاتها الحيوية.
وحالياً لا تبدو ولا تلوح في أفق هذه الأمة الغائم والعاصف بالتحديات والمتغيرات الكبيرة أية إمكانية أو فرصة حقيقية للخروج من مأزقها الوجودي المقيم، حيث أنه طالما هناك هزيمة داخلية للفرد العربي في داخل مجتمعاته وأوطانه، وطالما أنه فاقد للثقة بنخبه وطبقته السياسية الحاكمة، وطالما أنه غير قادر على تحصيل معاشه اليومي بشكل طبيعي (مثل باقي الناس في المجتمعات الأخرى) من دون ذل أو مهانة، وطالما لا يشعر بالحرية الحقيقة في التعبير عن رأيه وممارسة النقد بحق حكامه والقيمين على مصيره، وطالما أن تنميته الداخلية مقرونة بحل كامل للصراع مع إسرائيل، فإنه لن يكون هناك أي أمل واقعي في تحسن الأمور وتطور البلاد ونهضة العرب على الإطلاق.
ثم وبعد صراع طويل مكلف مع إسرائيل لم يجد العرب من طريق لاسترجاع أرضهم المحتلة سوى طريق السلام مقابل الأرض (أو بعض الأرض مقابل السلام، ولا أدري لماذا لم يطرح العرب عودة باقي أراضيهم المحتلة الأخرى هنا وهناك؟!!) وطرحوا مبادرتهم الشهيرة بهذا الخصوص (السلام خيارنا الاستراتيجي- والسلام مقابل الأرض)، وذلك بعد حدوث جملة متغيرات إستراتيجية إقليمية ودولية على الصعيد السياسي والاقتصادي، أثرت آنذاك على الموقف العربي من قضية فلسطين، حيث كانت نهاية الحرب الباردة، وجاء انهيار المشروع الشيوعي، وسقوط جدار برلين، واندلاع حرب الخليج الثانية، ومن ثم بدء مفاوضات التسوية بين العرب وإسرائيل على أمل إيجاد حل دائم وشامل للنزاع مع إسرائيل. ثم أحداث 11 أيلول..
ولذلك فإن ضرورة الاعتماد على الخيار العسكري المبني على قاعدة سياسية (تعطي الشعب كامل حريته في تداول السلطة والعيش الحر الكريم، والتغيير السياسي السلمي، وتجعل الحكومات خادمة فعلية لشعوبها، وليس على طريقتنا في تأليه الحكام، والتعبد في محرابهم ليلاً ونهاراً) واقتصادية وعلمية وتكنولوجية متطورة (تنتج وتبدع وتطور من ذاتها لا من العيش الطفيلي على فتات موائد الحضارات الأخرى) أقول إن هذا الاعتماد على كل تلك الأمور – في أية عمليات تفاوضية بين العرب وإسرائيل- هو الذي يكسب العرب قوة أساسية متقدمة في صميم العمل السياسي التفاوضي، وهو الذي يمكنه أيضاً أن يبعد عن هذه المواقف السياسية دلالات الضعف ومظاهر الاستسلام والعجز التي قد تظهر عليها أحياناً.
ويجب ألا يغيب عن أذهان العرب أن مجتمعاتهم قد وصلت إلى أدنى حالات السوء من تخلف وفقر وجهل وغلاء معيشة فاحش، وشارفت درجة الغليان من الإحباط والاحتقان الكلي الشامل نتيجة انعدام أملها ونفاذ صبرها في تحسن الأمور وتغير الأوضاع، واليأس شبه الكامل من قصة هذا الصراع الطويل جداً مع إسرائيل، ودفعهم –من دمهم وعرقهم وأموالهم ومواردهم وثرواتهم في حاضرهم ومستقبلهم و..- لفواتير حروب لم تقع، وأموال باهظة نهبت وصرفت في طرق غير مشروعة من استثمارات نخبهم السياسية والحزبية الحاكمة الخاصة هنا وهناك.. الأمر الذي يحتم على كل القوى والتيارات والنخب الحية الفاعلة في السلطة وفي المعارضة العربية –على حد سواء- أن لا يتناسوا أبداً حاجتهم الملحة لإعادة التوجه نحو داخل بلدانهم بما يسمح لهم بإعادة النظر في أسس تنظيماتهم السياسية والمدنية التي أصابها العطب في الصميم نتيجة لتاريخ طويل من تفشي النخر والفساد والإفساد والقهر والتسلط والظلم في كل مواقعها وامتداداتها، فأصبحت تعاني من القصور والشلل.. وذلك بما يساعدهم على الخروج من أزماتهم المقيمة الشاملة التي تتزايد وتتفاقم يوماً بعد يوم، معبرة عن نفسها من خلال ما بتنا نراه أمام أعيننا باستمرار من ازدياد مشاهد وحالات العنف والتوتر والإحباط واليأس والقلق السلبي في كل الساحات العربية والإسلامية تقريباً.
وباعتقادي إن السبب الرئيسي لكل هذا الوضع المزري هو الطابع العام اللاعقلاني للسلطة العربية القائمة حالياً، والمسيطرة على العباد والبلاد بقوانين الطوارئ وأحكام الاستثناء، والتي يمكن أن نعتبرها امتداداً طبيعياً أو صورة واقعية عن دولة الملك العضوض التاريخية التي تأسست في ماضي العرب القديم، والتي تغيرت بشكلها (وإطاراتها) مع بقاء المضمون العملي ذاته..
وبالنتيجة نقول إن معادلة الصراع ضد إسرائيل لا يمكن أن تكون منتجة وفاعلة ومؤثرة في عالم في عالم اليوم إلا بتغيير مقدماتها الأساسية وهي هنا متمثلة في شروط النهضة العربية المنشودة بما يؤدي إلى تغيير موازين القوى الداخلية، ويقود مباشرة إلى إحداث تغير (واختراق) نوعي كبير في إستراتيجية السلام والتفاوض مع الآخرين.
وهذا يعني -كما نذكر، ونحب أن نذكّر غيرنا- بالعنوان الجوهري إعادة الاعتبار للشعب والمجتمع في مشاركته الحقيقية في صلب العملية التنموية الشاملة.. أي نزع القيود عن مشاركة الناس والمجتمعات في الحركة الوطنية العامة، والتعاطي معهم كأفراد يحتاجون إلى الاحترام والتقدير والكرامة والعزة، والشعور بالحرية والثقة بالنفس.. كمقدمة أساسية للبدء الجدي بعملية الإبداع والإنتاج والتطور.
من هنا إصرارنا على ضرورة تعميق الحالة النقدية للفكر والقيمة والسلوك التراثي الهائل المتحكم بكافة مفاصل هذه الأمة، ودراسة ووعي هذا التراث المادي والروحي الكمي الكبير المسيطر على العقول والأفئدة عندنا من داخله، وعلى ضوء معطيات الثقافة والفكر الإنساني المعاصر والمتطور.. وهذه العودة لا تعني أن ننساق وراء القديم وهي لا تعني مطلقاً أن نستعيد التاريخ المنقضي تكرارا واجترارا كما نقول دائماً، ولا هي اتباع وتقليد أعمى لكل ما هو جديد، وإنما هي حركة نقدية لواؤها العقل والتفكير النقدي الحر “ما حكم به العقل، حكم به الشرع”، ومصباحها الواقع والتطورات الكبيرة الهائلة في الزمان والمكان. أي أنها عودة عقلانية صرفة تعني رؤية التراث الماضي، في ما هو، وفي جميع أحواله، لكي نعرف كيف ننفصل لنغادر ونفارق، وكيف نتصل لنتفاعل ونتعاون.
وبالاستناد إلى ما تقدم نؤكد أن مواجهة الخارج مرهون كلياً لبناء الداخل، وإصلاح مكوناته الذاتية القائمة، وبناء فرد سليم معافى خال من الأمراض، يمكنه المساهمة – مع باقي أفراد المجتمع- في إبداع عناصر القوة الاجتماعية- السياسية والعلمية والتكنولوجية اللازمة للتحرر الخارجي.
ونحن نجزم هنا بأن مجتمعاتنا وشعوبنا كانت واقفة على الدوام في موقع التضحية والبذل، وهي لا تزال مستعدة الآن وفي المستقبل أيضاً لتقديم المزيد من التضحيات والعطاء أكثر فأكثر –بالرغم من ظروفها الصعبة التي تكابدها حالياً من بؤس وإحباط وقمع وتجويع وقهر وحصار روحي ومادي – في سبيل الخروج من نفق الانهيار الوطني العام، شرط أن تكون لتضحياتها نتائج وفوائد ملموسة على صعيد العمل والبناء والتطوير والازدهار المجتمعي العام، خصوصاً إذا شعر –أبناء مجتمعاتنا- أن النوايا طيبة وصادقة، والعمل الجدي الصحيح يسير على طريق الإصلاح والتغيير الحقيقي. وإلا فإن المصائر المجهولة تتهددنا نحن العرب والمسلمين، وسنواجه لا محالة واقع الإفلاس والهامشية الحضارية، ولن ينفع عندها الندم ولطم الصدور والبكاء على الأطلال.
