البيوطيقا: سلطة التّقنية وتنافر القيم (14)
هل خُلق الإنسان فعلاً على أحسن تقويم؟ هل حقاً خَلق اللهُ الإنسانَ على شاكلته وصورته كما تروي لنا الكتب الدينيّة؟ هل يُعتبر الجسد عطيةً إلهيةً أو وديعةً مُقدّسةً أو أمانةً ربانيّةً لا يجوز لحاملها التلاعب بها؟ لا شكَ أنّ المؤمنين بالله وبطريقة خلقه سيتطيّرون فعلاً من مجرَّد طرِّح السؤال وسيعتبرونه شكّاً بمقدرة الخالق وصدق كتبه. مع تأكيدي الدائم على احترام مشاعر الجميع، فإنّ هذا لن يمنعني هنا من محاولة التفكُّر فلسفيّاً بمشكلة الحكم الأخلاقيّ في المسائل البيولوجيّة.
لو أننا تجاوزنا تلك الفكرة التلفيقيّة التي تقول بعدم وجود تعارضٍ بين الدين والعِلم، لوجدنا أنّه رغم الخلاف الجذري بينَ التصوّرين عن العالَم، إلا أنّ المنظومتين (أي الدينيّة والعلميّة) تشتركان في تقديم صورةٍ عن إنسانٍ متمركز على نفسه بوصفه أفضل المخلوقات طرَّاً. هذه الفكرة تجد سندها في النصوص الدينيّة التي جعلت الإنسان صورةً عن الإله الذي خلقه في أحسن تقويم، ونفخ فيه من روحه، مثلما تجد سندها كذلك في نظريات التطوُّر التي تؤكّد أنّ الإنسان هو حصيلة ملايين السنوات من الارتقاء الطبيعي، بحيث يُظهر تعقيد جهازه العصبيّ أنّه أكثر الكائنات ذكاءً وتطوّراً. هكذا نصَّب الإنسان نفسه سيّداً على الطبيعة والأشياء والمخلوقات مُستمدَّاً شرعيته بذلك من منظومتين لاهوتيتين: الدين والعِلم. ستتعرَّض هذه الصورة عن مركزية الإنسان إلى ضربتين موجعتين، وما أقصده هُنا نظرية “كوبرنيك” حول دوران الأرض حول الشمس التي انتزعت مركزية الكون من تحت أرجل الإنسان، ثمّ نظرية داروين حول الأصل الحيوانيّ للبشر. ولكن يظل من الصحيح أيضاً أنه رغم تذكير داروين للإنسان بأصله الحيوانيّ، إلا أنه وضعه في النهاية في قائمة الرئيسيات وفي ذروة التطوّر والاصطفاء الطبيعي. سيتمّ تأكيد هذه المركزية البشرية المتعاليّة في عصر التنوير الأوروبيّ، حيث سيعتبر الإنسان “مقياس جميع الأشياء” على طريقة بروتاغوراس. إنّ هذا الإنسان الذي اعتبر نفسه وريث الآلهة على الأرض أو ذروة تطوّر الطبيعة الحيّة، قد أباح لنفسه حقّ التصرف في حياة الكائنات الأُخرى فقام باجتراح أنواعٍ نباتية جديدة، وغيّر في جينات الحيوانات، وعمل منها “فئران تجارب” في أبحاثه المخبرية دون أن يخزه ضميره في ذلك. لقد دفعه إحساسه بالتفوّق على غيره من الكائنات، إلى شرعنة تصرّفاته حيال البيئة والنباتات والحيوانات، دون أن تقلقه في ذلك المسائل الأخلاقية كثيراً، ولم يُثر الكثير من الأسئلة مثلاً حول قتله يومياً لآلاف الحيوانات بغية التهامها. مع هذا يظلّ السؤال الأخلاقيّ المتعلِّق بمصيره هو، أو بتغيّر صورته الطبيعية أو الإلهيّة، سؤالاً مُقلقاً بالنسبة للإنسان ومصدر توتّرٍ لا يجد معه حلاً.
لا شك أنّ علاقة تطوّر العلم بالأخلاق ليست بعلاقة جديدة، فقد تمّ تأمّل هذا الموضوع طويلاً، وسال كثيرٌ من الحبر في مناقشة ضرورة مواكبة الأخلاق للبحث العلميّ. إنّ قضايا انحراف العلم عن المبادئ الأخلاقيّة مثلما كان عليه الحال مع القنبلة النوويّة وصناعة الأسلحة… الخ هي قضايا قابلة للمعالجة والبحث وإطلاق الأحكام الأخلاقية المُستندة على معايير، لكنّ الطريف في موضوع البيوطيقا هو غياب أيّ معيار قانونيّ أو أخلاقيّ يمكن الاستناد إليه في الحكم على أحد الموضوعات الخاصّة به. إنّ الأسئلة الحارقة التي تطرحها علينا البيوطيقا تتركنا في حيص بيص، وتوصلنا إلى ما نسمّيه بلغة المنطق بالمعضلة أو المفارقةaporia بحيث نجد أنفسنا، ومع غياب كلّ مرجعيّة أمام مسؤولية الاختيار المُرعبة. لو تحرّرنا قليلاً من وثوقيّة الأحكام الدينيّة التي لديها تفسيرات جاهزة ومعلّبة عن الكون والحياة والموت، بل وما بعد الموت، لوجدنا أن الأسئلة التي تطرحها البيولوجيا على الأخلاق هي أسئلة لا معيارية، إنّها تتفلتُ من كُل حكمٍ عامّ أو كونيّ، إنّها تظلّ حارقة وفرديّة، بل إنها تظلّ أسئلة قلقة حتى على الصعيد الفرديّ، حيثُ تثقل كاهل صاحبها بقرار تحمُّل مسؤولية خياراته كاملةً. تندرج هذه المسائل، في رأيي، في تلك الفئة من القضايا التي أسماها دريدا بالقضايا غير القابلة للحساب incalculables أو التي لا يمكن أن نأخذ فيها قراراً indécidables. إنها من ذلك النمط من القضايا غير المشروطة أي القضايا المستحيلة، التي تتعالى فيها العدالة على القانون، ويُصبح فيها الحكم الأخلاقي قضيةً إشكاليةً بذاتها تخلق شروطها وتحدِّدُ أحكامها الأخلاقية الخاصة بها وحدها. لقد وصف دريدا في كتابه قوّة القانون هذا النوع من الأحكام الأخلاقية/القانونيّة كما يلي:
“لكي يكون القرار عادلاً، ولنأخذ قرار القاضي على سبيل المثال، فلا يجب عليه عندها أن يتبع قاعدة قانونية أو قانوناً عامّاً فقط، ولكن عليه أن يضطلع بتلك القاعدة وأن يُصادق عليها، وأن يؤكِّد على القيمة فيها عبر فعلٍ يُعيد تأسيس التأويل كما لو أنّ القانون، في نهاية المطاف، لم يكن موجوداً من قبل، كما لو أنّ القاضي قد اخترعه بنفسه مع كل حالة تواجهه. […] وباختصار لكي يكون القرار عادلاً ومسؤولاً، يجب أن يكون مُستنداً في لحظته الخاصة، إذا ما كانت هذه اللحظة موجودة، على قاعدة وأن يكون بلا قاعدة في آنٍ معاً، مُحافظاً على القانون وهادماً أو مُعلِّقاً له بما يكفي لكي يتوجّب عليه إعادة اختراعه من جديد مع كل حالة، وإعادة تبريره، وعلى الأقل أن يعيد اختراعه في إعادة التثبيت والتأكيد الجديد والحر لمبدئه(1).”
{{هامش:}}
1- J. Derrida, Force de loi, Paris, Galilée, 1994, pp. 50-51.
