التعرّي: زمن مشحون بالترقّب

{{متظاهرون أمام كاتدرائية برشلونة}}

{(27 جانفي 2008)}

إذا أمكننا النظر إلى العري باعتباره كشفاً للحقيقة، وذلك عن طريق إماطة اللثام أو إزالة الحاجز الساتر لها، فهو بمنطق الجسد: كشف للجمال المخبّأ والمستور بحجابه. ما يقودنا منطقياً إلى أنّ التعرّي هو تلك المسافة الزمنية/ الفاصلة بين الحجب والكشف، بين الستر والعري، مسافة مشحونة بالترقّب بانتظار الفعل/ الكشف، أو لنقل بانتظار التحقّق. على هذا كان التعرّي مثيراً أكثر من العري، اختلاف قلق السعي عن طمأنينة الوصول.

يرى بلوتارك، وهو كاتب مقالة وسير إغريقيّ 45- 125م، أنّ الحقيقة ليست محجوبة بغطاء: (هي عارية ونحن المحجوبون بغطاء) على هذا كان التعرّي خاصاً بتفكيك بنى التغييرات التي طرأت على عرينا الأساسيّ، أي تفكيك الصلادة التي راحت تعرّش على عقولنا وتخييلنا وعلى فهمنا الكامل للجسد والجمال. وبناء على ذلك ولأنّ التعرّي، كما قلت، مشحون الإثارة كما يشحن الترقّب والانتظار أي فعل بالإثارة، ولأنّ النفس البشرية محكومة بالكشف، توّاقة له، فقد مسخت السلطات الثيوقراطية الاجتماعية المتعاقبة فكرة التعرّي بربطها بالإثارة الجنسيّة فحسب، رغم أهمّية الأخيرة، لأنّ الجنس، كثالث التابويات المكرّسة، أضحى صنواً للحرام والإثم والمعصية الخاطئة إن لم يكبّل بقوانين تلك السلطات. بالتالي ارتبطت المسافة/ التعرّي التي صار الجسد يقطعها ليتخلّص من حجبه الساتره وصولاً إلى حقيقته، باتّجاه العري، ارتبطت فقط بكشف أجزائه الخاصة التي تفيد معنى التوق الغريزيّ وإثارته. وبدأت تحوّلات الجسد الأنثويذ من جسد مقدذس، يتمّ التبارك بعريه، إلى شيء ينبغي تخبئته وستره، لأنّه لا يقوم بشيء إلا إثارة الغرائز (الوضيعة). لذلك فتعرّي المرأة سيفيد تاريخياً معانيَ مختلفة عن تعرّي الرجل، وهذا التحوّل ارتبط بتاريخ طويل ومتدرّج من انقلاب السيطرة الأمومية إلى السيطرة البطريركية، ومن التعدّد الإلهيّ إلى وحدانية المعبود. وأمام هذا التاريخ الطويل من القمع الإنسانيّ صار العري طارئاً بعد أن كان أصلاً، وذلك كموقف حادّ باعتبار العري خارجاً عن الأعراف السلطوية الطارئة، بل إنه تحوّل إلى ما يشبه الثقافة التي تؤدّي إلى معاني مختلفة، وليس إلى وظيفة واحدة كما درج على استعماله أيّ وظيفة الإثارة أو الاستعراض الجنسيّ، كما أسلفت، وبأحسن الأحوال وظيفة تؤدّي المعنى الجماليّ والكشف الفنّيّ للجسد. رغم ذلك فإنّنا نستطيع النظر إلى فعل الاستعراض الجنسيّ كتذكير شخصيّ بأنّ لجسدنا تأثيره في الآخر، وأنّ لكشفه/ تعرّيه تأثير الحقيقة الصادم المغوي الدالّ والمؤجّج للمشاعر.

{{التعرّي معرفة:}}

(ما يرهبها أكثر من أيّة مصيبة هو ما تجهله). نقشت هذه الجملة فوق بلاط غرفة الأسرار، وهي غرفة الإمبراطور تايبيريوس الشهيرة، وكان الأخير، خليفة أغسطس إمبراطور روما، أوّل من عرض صور البورنوغرافيا (رسم المومسات) في غرفته، وعمل بالتالي على تخليد الروائع التي بدأها بارازيوس في الفنّ البورنوغرافيّ. ستبدو الجملة مرتبطة بفكرة أساسية في فكرة الخلق التي أتت بها الأديان: الجهل خوف، وما هو مستور مجهول وكفيل بإثارة الرهبة، والمعرفة، التي أدّت إلى تعرّي كلّ من آدم وحواء، هي صنو للكشف عن الحقيقة، ولذلك عوقب عليها كلّ من آدم وحواء بالطرد من الفردوس. لذلك فقد بقي الفزع من العري/ الكشف ساكناً في لاوعي البشرية التي صارت تفضّل أن يبقى الحجاب على الجسد/ العقل دون دفع للأثمان. إنه الخوف البدئيّ الأكبر من الطريق إلى هذا الكشف: التعرّي، أو خوف الطريق إلى المعرفة. الأمر يذكّرنا بفتوى إسلامية مثيرة للضحك صدرت قبل فترة عن تحريم التعرّي بين الأزواج، كما كان الأمر أيام حكم الكنيسة الشديد بين أزواج القرون الوسطى. فالجسد باعتباره الميدان الأوّل للاكتشافات الفردية، وبالتالي الميدان الأوّل أيضاً للتحرّر من عبء القيود المتراكمة، سيكون الأهمّ في عملية الحرب ضدّ الكشف، وسيكون الأهمّ في محاولات السلطات المختلفة للسيطرة على الإنسان. لكنّ تكريس النظرة السلبية العصابية تجاه العري، وطريق الوصول إليه أي التعرّي، لا يستطيع أن يطمس الوجوه الأخرى التي تحاول من حين لآخر أن تذكرنا بأنّ النفس الإنسانية محكومة حقاً بالكشف وتوّاقة له. ورغم أنّ كشف الأعضاء الجنسية اليوم، أو تعريتها، قد يستخدم كإشارة إهانة حين الخصام بين رجل ورجل أو امرأة وامرأة، إلا أنها تستدعي إعمال التفكير الأعمق في أساسها التاريخيّ وربّما الأنثروبولوجيّ الأقدم.

{{التعرّي كموقف:}}

يروى في القصص التاريخية أنّ زوجات الجرمانيين كنّ يعرّين نهودهنّ أثناء المعارك لإخافة أزواجهنّ وأبنائهنّ من الأسر القريب الذي قد يتهدّدهن إذا لم يكن النصر حليفهم. هنا يغدو التعرّي موقفاً ودلالة، فدلالة العري هي إشارة للخزي القادم باعتباره، أي العري، كشفاً للعورات النسائية التي ينبغي أن تظلّ مخبّأة بمنطق الملكية الذكورية. وعندما سيكشف الأعداء تلك العورات القدسية سيكشفون ملكية الرجال/ حقيقتهم وبالتالي يبيحونها ومن ثمّ يمتلكونها. والموقف، الذي يفيد المعنى المضادّ للدلالة، هو في رفض الجرمانيات لذلك الكشف الذي سيأتي إثر الهزيمة. إنه موقف مبدئيّ محفّز يعمل على النسق الذكوريّ في عقول الرجال ويستفزّه بيد أنثوية.

في فكرة مشابهة لذلك يروي تروغ بومبيه، في كتابه الأوّل الذي يحمل عنوان: التاريخ الكونيّ، بأنه أثناء حروب الميديين، بقيادة أستياج، ضدّ الفرس، بقيادة سيروس، وعندما بدأ الفرس بالتراجع هرعت أمهاتهم وزوجاتهم وشمرنّ أثوابهن عن أعضائهنّ، وسألنهم إذا كانوا يتمنّون اللجوء إلى أرحام أمّهاتهم أو زوجاتهم. عندئذ عمل التعرّي على إلزامهم بالقتال الشديد وانتصروا. والأمر شبيه، إلى حدّ ما، بكشف وجوه النساء المنقبات أو إزالة الحجب عن شعورهنّ عند العرب في الغزوات أو المواجهات. ورغم الاستهجان الشديد الذي راح يرافق هذا النمط من الأداء الاحتجاجيّ فقد كشفت النساء المصريّات في مظاهرات 1919، بقيادة المناضلة النسوية هدى شعراوي، عن وجوههنّ على سبيل المثال، وفي حادثة لاحقة رمت شعراوي بحجابها في المياه احتجاجاً على عدم وفاء سعد زغلول بوعوده للنساء المصريات بالوصول إلى البرلمان. التعرّي كموقف تذكير بأنّه مسافة فاصلة إلى العري، مسافة فاصلة إلى الكشف والفضح ولكن بالمنطق الذكوريّ الطارئ، ولكنه يحيلنا كذلك إلى موقف قريب منه هو التعرّي كاحتجاج، ذاك الذي قامت به النساء المصريات.

{{التعرّي محاولة للاحتجاج:}}

هناك الكثير من حالات التعرّي التي تفيد غرض الاحتجاج سجّلها التاريخ القريب والبعيد، لكنّ تلك المظاهرة، أو لنقل المظاهرات، التي سيّرتها النساء الهنديات في العام 2004 أمام قاعدة أسام رايفلز العسكرية تحمل كلّ الدلالة. فقد كان هناك المئات من النساء العاريات يحملن لافتات عملاقة تضجّ كأجسادهنّ الأنثوية الغاضبة والعارية تماماً احتجاجاً على اغتصاب مانوراما المرأة الهندية من السكّان المحلّيين، والتي تمّ اغتصابها وتعذيبها وقتلها على أيدي جنود القوات شبه العسكرية في ولاية ماينبور جنوب شرق الهند. تلك المظاهرات استمرّت أياماً طويلة تحتجّ على العنف الممارس ضدّ النساء، وقد عملت على تقليص الصلاحيات الواسعة والسلطات القانونية التي كانت القوات المسلحة تتمتّع بها في الولاية. لقد أفاد العري هنا معنى الاحتجاج، وكما هو ملاحظ لم يكن ثمّة حضور للتعرّي، فالغضب الهائل الذي كان يعجّ في دواخل أولئك النسوة جعلهن يصلن مباشرة إلى العري، أي إلى كشف الحقيقة احتجاجاً بدون مسافة زمنية فاصلة، فالأمر هنا لا يحتمل ذلك وإلا بهت تأثيره الحادّ اللّحظيّ والآنيّ. ومعروفة هي الحادثة التي تعرّى سيلفادور دالي فيها أمام جمهرة من رجالات المجتمع المخمليّ الباريسيّ، والأمر بدا أشبه برسالة إيديولوجية تفيد معنى التصغير لافتخارهم الطبقيّ وثرواتهم، ومعنى الاحتجاج الثقافيّ كذلك على كلّ ما يحيط به: أنا أحتجّ عارياً حقيقياً كحقيقة جسدي غير المستور، عارفاً كعمق عريي، وواضحاً مثله تماماً دون أيّة أغلال فاصلة.

{{التعرّي جالب الفرح:}}

ثمّة شخصية بالغة الصغر في الأسطورة الإغريقية، ولكنّها بالغة الأهمّية أيضاً، هي المربّية باوبو التي عملت على إضحاك ربّة القمح ديميترا حين أعلنت الحداد على اختطاف ابنتها برسفونة. ارتدت الربّة الأسود وامتنعت عن الطعام ثمّ هامت على وجهها حزناً. فقالت باوبو: أنا سأخلّصها، وحينها شمّرت عن ردائها كاشفة عضوها التناسليّ فضحكت الربّة ديميترا ليعود الخصب المرافق لضحكتها إلى الأرض. فسّر الكثيرون تلك الحرّة المتعرّية باعتبارها كشفا وتذكيرا بالطاقات الجنسية الأنثوية جالبة الخصب. أمّا في كتاب الفرج الأسطوريّ فيعتبر المؤلف جورج ديفيرو أنّ باوبو هي رمز جنسيّ دقيق، فالكشف عن فرجها أمام ديمتريا، أو في تمظهراتها اللاحقة في النقوش والتماثيل، يذكّر الربّة، والنساء الأخريات من ثمّ، أنّه من الممكن أن يكون لها أطفال آخرون بدل بيرسيفوني، وبرأيه ساعدت الربّة على إعادة اكتشاف حالتها العادية للحبل الجنسيّ.

يوافق المؤرّخون الكلاسيكيون على أنّ تشمير التنّورة بين النساء قد يكون فعلاً تاريخياً مألوفاً سبق وأن عُدّ جزءاً من شعائر حميمية ومرحة، وربّما فاحشة، كانت تجري في الطقوس الأنثوية السرّية أو احتفالات التنسيب بين المراهقات. ويبدو أنّ الأمر مازال معمولاً به في الكثير من الاحتفالات والمهرجانات التي تقام اليوم في العديد من بلدان العالم، فالتعرّي المرح الصاخب الذي يمارس فيها يبدو كإشارة تذكيرية بأصل العري، أصله الذي هو حقيقة خصب الجسد ومتعه المستورة جالبة السعادة. التعرّي هنا هو فعل مضادّ للتعرّي السابق الذي قامت به الجرمانيات، إنّه ترسيخ للمسافة التي تقود إلى الفرح وتعميق لها. وربما كان نظرة مغايرة إلى المعرفة، المعرفة (المتعة) باعتبارها أصل الأشياء، وهي وحدها التجربة التي تذكّرنا بأننا كائنات إنسانية حيّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This